الأربعاء, أبريل 22, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءتخاذل أنصار التحرك السلمي في مقابل اندفاع مؤيدي الحروب...بقلم:مميغيل موراتينوس

تخاذل أنصار التحرك السلمي في مقابل اندفاع مؤيدي الحروب…بقلم:مميغيل موراتينوس

 فهرس

كما يحدث كل عام فقد استضافت واشنطن قبل شهر افتتاح المنتدى السياسي الدولي. ويلتقي فيه رؤساء الدول والحكومات مع الوزراء والدبلوماسيين ومندوبي المجتمع المدني في هذه المدينة لمناقشة الأفكار وعرض خطوات تتعلق بالحوكمة العالمية.

وخلال العام الحالي تركزت الأجندة بشكل رئيسي على الحاجة لمكافحة التغير المناخي والإعداد لأهداف ما بعد ٢٠١٥ في مجال التنمية المستدامة. وعلى أي حال فإلى جانب هذه التحديات التي تتطلب معالجة لكل حالة على حدة، فإن الاهتمام الأكبر تحول نحو الشرق الأوسط ، الممزق والعائم والمتفتت بشكل متزايد، والمنقسم على نفسه. وبموازاة التجمعات التي تتم بشكل مباشر فإن القاعات الهادئة في متحف متروبوليتان اشتملت على معرض من “آشور إلى ايبريا” الفخم الذي- بالإضافة لأهميته العلمية والفنية- يعيد للأذهان الروابط التاريخية والحضارية التي تربط هذه المنطقة بالعالم الغربي. وربما تجدر النصيحة بأن يزور المسؤولون السياسيون والعسكريون المتعاملون مع المنطقة معرض متحف متروبوليتان ويتعلموا دروسا من تلك المرحلة، لأن ذلك سيساعدهم على تفهم الجذور العميقة والتفاعل بين الشرق الأوسط وشعوب البحر المتوسط. وعند الحديث عن منطقة ما بين النهرين، التي تشمل العراق الحالي، فإن ذلك ينبهنا لأعمق جانب من تراثنا التاريخي الذي كانت جذوره تتعلق بالكتابة والدولة والدبلوماسية والدين والتجارة، وباختصار فإن القوة وعناصرها الأساسية بخصوص النظام العام الغربي تجد جذورها في هذه المنطقة. ونشير هنا إلى مدينة أور وحمورابي والسومريين وبابل ونبوخذ نصر وبابل كلها ليست غريبة على أي مفكر غربي أو سياسي يدرك أن منطقة ما بين النهرين، كما أوضح العالم السياسي الفرنسي برونو إتيين، قد تحطمت عام ١٩٩٢ مع أول تدخل أميركي، وتفككت بشكل كامل مع حرب الخليج الثانية.

وكان التدخل الأميركي عام ٢٠٠٣ دون شك أكبر غلطة استراتيجية في السنوات الأخيرة، ولم تعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليتها عنها. ومن المفارقةالواضحة أننا رأينا بحق وعن صواب المحاولات الدولية لإدانة المسؤولين عن النزاع في يوغوسلافيا السابقة، لكننا ما زلنا ننتظر مساءلة المتورطين في صراع فتح صندوق باندورا على الجنون الجماعي، الذي ما زلنا نشاهده خلال الأعوام الماضية والأيام الأخيرة، في العالم الشرقي. منطقة بين النهرين تشتعل مجددا وتتقسم ولكن ليس بين نهري دجلة والفرات وفقا لمعنى الكلمتين، ولكن بين مجتمعات وفئات طائفية يتم استغلالها من قبل غرباء عن المصلحة المشتركة في ظهور عراق مزدهر وحديث وموحد. ويقال في الغرب إن التحالف الدولي، المكون بشكل رئيسي من دول غربية بدعم متردد ومتناقض من جانب بعض الدول العربية والإسلامية، يشن حربا على “الدولة الإسلامية في العراق والشام”. ونحن لدينا باللغة الانجليزية مختصر حروف ISIS الذي يعني بالعربية “داعش” ويجب أن لا نخلط بينه وبين كلمة إيزيس الإلهة المصرية القديمة، وبين الهدف من العملية الحالية. وفي مواجهة هذا الوضع علينا أن نسأل أنفسنا :”هل نحن نقاتل فعلا دولة حقيقية؟ هل هذه الداعش لديها حدود مرسومة؟ ومن هم سكانها الحقيقيون؟ وما مشروعها السياسي والاجتماعي ؟ هذه الاسئلة لا جواب واضحا عليها. وعلى أي حال فالغرب يمنح طواعية شرعية سياسية لداعش لا تستحقها، وهي ما يسعى إليه اولئك المتعصبون. ونحن نعيش في أوقات تسودها الفوضى والخلط. وخلال السنوات الأخيرة استدعينا أولا لمحاربة “الأصولية الإسلامية”، واستمر ذلك من خلال الكفاح ضد “الإسلاموية الراديكالية” وتنظيم القاعدة وشيطنة الجهادية ودعم الإخوان المسلمين، ووصلنا أخيرا للمواجهة العسكرية مع داعش بالعربية التي تعني المدعوسة أو المسحوقة والمستخدمة من جانب الثوار السوريين وبعض رؤساء الدول. وكل هذه المصطلحات تغيرت خلال السنوات العشرين الماضية واستخدمها المجتمع الغربي واحدا بعد الآخر استنادا لأزمة ما أو صراع مسلح وشيك. وهذه كلها مصطلحات غربية، وتعكس بشكل غير دقيق بنى منظمات إسلامية من المتعصبينروالقتلة. وينطبق ذلك أيضا على القادة المزعومين لتلك الحركات. وقد اعتقدنا أنه بموت أسامة بن لادن أو اختفائه فإن شيطان الشياطين وتهديده قد اختفى، ومع ذلك فنحن نرى مدهوشين أن قائمة القادة الحاقدين الذين يسعون “لتدمير” الغرب تزداد طولا.

وبهذا المفهوم، فإن أفكار إدوارد سعيد تعود لتظهر تحت الأضواء الساطعة، حيث أننا نرى الغرب يعيد اختراع “استشراقيته”، ويسعى لتوصيف صورته عن المنطقة التي من خلالها يتدخل بعمق، لكن عليه احترام مشروعه والسماح له بعرض تصوره المستقبلي الذاتي.

ولا أحد يمكنه تبرير الفظائع التي يقوم بها هؤلاء المتطرفون أو الدفاع عنها، ولكن هل يستطيع المجتمع الدولي تجريد هؤلاء من سلاحهم السياسي والأيديولوجي؟ هم يسعون لنشر الإرهاب والتسلط واستقطاب العلاقة المعقدة بين العالم العربي- الإسلامي والعالم الغربي. فهل علينا أن ننساق وراءهم، أم علينا متابعة أجندتنا من أجل القضاء على فكرة نبوءة الصدام بين الحضارات التي تم إطلاقها فرديا؟.

والسؤال الأول هو ما إذا كنا سننجح في محو التهديد من خلال التدخلات العسكرية. الجواب معقد، ما دام أنه في حالات معينة كانت التدخلات ضرورية، وربما فعالة للحيلولة دون الاضطراب الدائم. وعلى أي حال، ومن أجل أن يكون لهذه التدخلات الشرعية الكاملة والدعم المؤكد من جانب المجتمع الدولي، فمن المهم الالتزام بالقانون الدولي والحصول على قرار من مجلس الأمن الدولي. ويتفق كافة المحللين والخبراء والدبلوماسيين على حقيقة كون أي حل عسكري في هذه المواجهات بين الأيديولوجيات والحضارات محكوم عليه بالفشل، وسيجلب المعاناة. ولذلك، فمن الضروري والملحّ وضع استرتيجية سياسية متكاملة وبناء تحالف سياسي وليس عسكريا، يشمل كافة الدول واللاعبين ذوي الصلة في المنطقة.

الشرق الأوسط اليوم يعيش من جديد في عملية إعادة تشكيل عميقة. فبعد قرن من اتفاقية سايكس- بيكو ووعد بلفور نواجه الآن تغيرا شاملا في التوازنات. والمشكلة هي أن أحدا لم يستغرب أو يكلف نفسه عناء التفكير في اليوم التالي بعد أن ينتهي التدمير والتقسيم والتشظي لهذه المناطق. ويبدو أن الشجاعة اللازمة والجرأة مفقودة من أجل التقدم بالحلول السياسية لهذه الأزمات. ونحن نعلم أنه دون حل للصراع الفلسطيني- الاسرائيلي ودون تحويل حل الدولتين إلى حقيقة واقعة فإن عدم الاستقرار والشعور بالظلم سيسودان المنطقة. ومن المفارقة أن تكون الدولة رقم ١٩٤ في الأمم المتحدة هي كردستان وليست فلسطين. وحقيقة أن السويد، وهي دولة اوروبية ذات نفوذ، قد اتخذت قرارا بالاعتراف بفلسطين كدولة يجب أن تدفع بالاتحاد الأوروبي نحو التمسك بالدفاع عن عملية الاعتراف باسرائيل وفلسطين من جانب المجتمع الدولي. وفضلا عن ذلك، وبالتوازي مع المشكلة الفلسطينية الاسرائيلية، فالمنطقة بحاجة لتطوير نظام أمني جماعي تلتزم فيه كل دولة بمسؤولياتها ومسواجباتها نحو الحفاظ على السلام والتنمية المستدامة للمنطقة.

ومن المحتمل أننا ندخل زمنا يتوجب فيه تعديل الحدود وتغييرها وإقامة آليات للتعاون والتضامن. ومن أجل ذلك، يبدو ملحا أن تأخذ السياسات الدولية والدبلوماسيات بالاعتبار وضع مبادرات مستوحاة من نموذج هلسنكي، حيث تواصل الحلفاء والأعداء ووضعوا قواعد والتزامات لضمان السلام والتعايش المشترك.

والتدخلات العسكرية والاتفاقيات الدبلوماسية لا تكفي لتحقيق الالتقاء بين هذين العالمي. وفوق كل شيء فمن الضروري السير وفقا لمقترحات شبيهة بتحالف الحضارات. وصمت الأمم المتحدة الواضح وعدم الاستخدام الكافي للأدوات والمنتديات يبعث على الذهول. ودون الاستسلام لعامل السذاجة، فما دام تحالف الحضارات لم يستطع منع السيناريوهات المأساوية وقطع الرقاب العلني للأبرياء، فقد كان من المناسب تماما االاستماع لصوته الداعي لحركات تضامنية من جانب أناس ينتمون لمعتقدات متباينة لكنهم يؤيدون السلام والتعايش. ويستطيع تحالف الحضارات، ويجب، أن يعمل على العمل في هذا الاتجاه، ويتحمل الآن مسؤولية دعم كل عمليات الوفاق.

ويسعى قادة الرأي والإعلام المعلوماتي لإقناعنا بأن حكامنا يتصفون بالشجاعة لأنهم يقررون التوجه للحروب. وتتلاشى هذه الشجاعة وتختفي عندما يتعلق الأمر بمؤازرة مبادرات السلام. والآن فكل شيء يشير إلى أن التخاذل في عملية صنع السلام هو أكبر من شجاعة من يصنعون الحروب.

القدس دوت كوم

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب