منذ بدأت وزارة الدفاع الأميركية التحدث عن “داعش” باعتبارها نذيراً بنهاية العالم، خالطني الشك بأن المواقع الإلكترونية والمدونات واليوتيوب أخذت تحل محل الواقع الحقيقي. بل إنني أخذت أتساءل عما إذا كانت “داعش” -أو “الدولة الإسلامية” أو الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام”- ليست أكثر حقيقية في الإنترنت مما هي على أرض الواقع. لكنها ليست كذلك -بطبيعة الحال- بالنسبة لأكراد كوباني أو الأيزيديين أو الضحايا التي قطعت رؤوسهم هذه الخلافة الغرائبية. مع ذلك، ألم يحن الوقت لكي نستيقظ على حقيقة أن إدمان الإنترنت في السياسة والحرب يشكل خطراً أكبر في الحقيقة مما تشكله المخدرات القوية؟
مرة تلو المرة، تظهر لنا الأدلة على أنها ليست “داعش” هي التي تتسبب بتطرف المسلمين قبل أن يتوجهوا إلى سورية -وكم أود لو يتوقف ديفيد كاميرون عن تكرار هذه اللازمة- وإنما الإنترنت. إن الإيمان، والقناعة المطلقة بأن الشاشة تحتوي على الحقيقة -أن “الرسالة” هي الحقيقة النهائية حقاً- لم يتم الاعتراف بها بعد بما هي عليه؛ ثمة فراغ غير عادي في وعينا النقدي، والذي يجعلنا مكشوفين أمام الأكثر بدائية من العواطف -سواء من الحب الكلي أو الكراهية الكلية- من دون توفر السبل لتصحيح هذا الاختلال. لقد تسربت “الحقيقة الواقعية” من “الحقيقة الافتراضية”.
في أبسط المستويات، ما عليك سوى أن تقرأ بشاعة غرف الدردشة على الإنترنت. وقد شرعت الصحف الرئيسية -متأخرة على نحو بائس- لتوها فقط في إدراك أن غرف الدردشة ليست نسخة تكنولوجية جديدة من “رسائل إلى المحرر” وإنما منتديات خطيرة يطلق فيها الناس العنان لأكثر خصائصهم إثارة للقلق. وبهذه الطريقة، أصبح تحول رئيسي في الشرق الأوسط، والذي تم نقله إلى الإنترنت، يتخذ أبعاداً كارثية. ولا يقتصر الأمر على أن قادتنا يمكن أن يتسمروا من فرط الذهول هم أنفسهم -لوح رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس النواب الأميركي في الأسبوع الماضي بنسخة مطبوعة من “دابق”، مجلة “داعش” على الإنترنت- وإنما يمكنهم أن يستخدموا الوسائل نفسها لترويعنا نحن أيضاً.
بعد أن أصبحنا مجردين من أي إمكانية نقدية، أصبح يجري تخفويفنا بحيث نلوذ بالصمت باستخدام “بربرية” الدولة الإسلامية، “شر” الدولة الإسلامية “التي أعلنت الحرب على العالم” -على حد التعبير الطفولي حقاً لرئيس الوزراء الأسترالي. ويقوم شريط الأخبار التلفزيونية في أسفل الشاشة الآن بخلق أمواج متسعة من هذه التعبيرات، نابذاً قواعد اللغة، بل والأفعال في كثير من الأحيان. وقد أصبحنا معتادين جداً على الرواية التي يتم بها “أخذ المسلم إلى التطرف” بواسطة واعظ في مسجد، ثم ينطلق إلى الجهاد، حتى أننا لم نعد ندرك أن الحاسوب المحمول يلعب هذا الدور.
في لبنان، على سبيل المثال، هناك بعض الأدلة على أن الصور على “يوتيوب” تمارس نفس قدر التأثير على المسلمين الذين يقررون فجأة السفر إلى سورية أو العراق، والذي يمارسه الخطباء والواعظون السنة. وتمتلك صور المسلمين السنة من ضحايا -أو صور “الإعدامات” لمن يفترض أنهم أعداؤهم المرتدون- تأثيراً أكثر قوة بكثير مما تفعله الكلمات وحدها.
في الأسبوع الماضي، وصف مارتن براديل، وهو محام فرنسي للجهاديين العائدين، المسجونين الآن، كيف أن عملاءه أمضوا ساعات طويلة على الإنترنت مع تفضيل لموقع “يوتيوب” وشبكات التواصل الاجتماعية الأخرى، باحثين عن الصور والرسائل التي تسوّقها “داعش”. إنهم لا يذهبون إلى المساجد -يرجى أن تلاحظوا- وهم يبتعدون عن العائلة والأصدقاء. ويحكي تقرير مدهش لوكالة فرانس برس قصة فتاة في الخامسة عشرة من العمر من أفينغتون، والتي غادرت إلى الحرب السورية في كانون الثاني الماضي من دون أن تخبر والديها. وقد اكتشف شقيقها أنها كانت تعيش حياتين متوازيتين، بحسابين على فيسبوك، واحد تتحدث فيه عن حياتها الطبيعية كمراهقة، وآخر تكتب فيه عن رغبتها في “الذهاب إلى حلب لمساعدة الإخوة والأخوات السوريين”. وقال السيد براديل أن عملية “الدفع إلى التطرف” كانت سريعة جداً، في غضون شهر واحد في إحدى الحالات. ويذكرني ذلك على نحو مرعب بروايات المراهقين الأميركيين الذين يحبسون أنفسهم مع الإنترنت لساعات قبل أن يندفعوا كالعاصفة ليطلقوا النار على زملائهم ومعلميهم في المدرسة.
على الإنترنت، تشكل “دابق” -المسماة على اسم بلدة سورية سيطر عليها الجهاديون، والتي يفترض أن تكون موقع معركة مستقبلية حاسمة مؤذنة بنهاية العالم (نعم، هذا الوصف مرة أخرى) ضد الغزاة الصليبيين الغربيين -تشكل مجازفة كثيرة المزالق. ولكن، قم بطباعة هذه المجلة واطوها -لدي مثل هذه النسخة بجانبي بينما أكتب- وسوف تبدو بدائية للغاية. هناك صور عن إعدامات جماعية، والتي تبدو أكثر شبهاً بصور الفضاعات على “الجبهة الشرقية” في الحرب العالمية الثانية من كونها دعاية لخلافة مسلمة جديدة. هناك نص كامل لرسالة جيمس فولي المسكين الأخيرة قبل قطع رأسه، والتي تبدو -على الورق- محزنة بعمق.
“يود فريق دابق أن يسمع من قرائه”، يقول المحررون في النهاية، ويوفرون عنواناً للبريد الإلكتروني وينصحون بأن يكون التعليق “مختصراً” لأن -كما يضيفون، ربما بفكاهة غير مقصودة- “إخوانكم مشغولون بالعديد من المسؤوليات، ولذلك لن يكون لديهم الوقت لقراءة الرسائل الطويلة”.
لكن هذا هو بيت القصيد، أليس كذلك؟ كن موجزاً. تخلص من الإطالة. لا أطروحات بلا هدف، أو أنه ربما يتم “تعديل” الرسالة (هذه هي الكلمة التي استخدمها المحررون فعلاً، بالإنجليزية).
إنني لن أطيل الكلام هنا عن فشل صحافة الغرب “السائدة” -وهي كلمة أخرى أمقتها- في تعريف “داعش”؛ لقد قلد ناشرو “دابق” بذكاء الكثير من عيوبها. لكن أولئك الذين سيطرت عليهم رسائل الإنترنت -صور ضحايا الغاز الكيماوي في دمشق في السنة الماضية كان لها تأثير هائل بكل وضوح- لن يتأثروا بنا نحن الصحفيين بعد الآن. في هذا العالم الجديد، يمكن كثيراً أن نفقد رؤوسنا، حرفياً. ولكن، تذكروا الإنترنت. من الواضح أن “داعش” تفعل.





