الاخبارشؤون عربية ودولية

الزمن المصري… بين أحلام الثورة ومقولة المؤامرة

Mideast Egypt

يتدثر الصراع على الدولة في مصر بمعركة تعريف ما جرى في 25 كانون الثاني (يناير)، بين تيارين متناقضين: فهل هو ثورة كما يرى كثيرون، ويصر الناشطون الذين يقبعون خلف القضبان الآن، أم أنها محض مؤامرة قام بها هؤلاء النشطاء الممولون من الخارج، تنفيذاً لرؤى خارجية ومصالح دولية تتناقض والمصلحة الوطنية المصرية، كما يذهب كثيرون من أنصار النظام السابق، المنتفعون المباشرون منه، وأركان دولته الأمنية، ثم عملاؤها الذين عملوا في الصحف مخبرين أمنيين، وفي قنوات التلفزيون وكلاء إعلاميين؟

سؤالنا هنا ليس استفهامياً، ولكنه استنكاري ينحاز إلى التيار الأول، ضد التيار الثاني الذي لم يعرف أنصاره في حياتهم سوى العمل كزبائن إعلاميين وسياسيين في خدمة طاغية فقير الخيال أكثر من ثلاثين عاماً، لم يقض على مسار الحرية الوليد منذ منتصف السبعينات فحسب، بل أيضاً على حيوية مصر نفسها: ثقافتها وتعليمها وفنها وديبلوماسيتها، وصناعتها، ولم يعرف في المقابل سوى العمل كوكيل تجاري وسياسي لقوى أكبر، ومصالح أوسع، وذلك من خلال طبقة اجتماعية جديدة تم اصطناعها لتبادل المصالح معها، واكتناز الثروة وإدارة الفساد. كما أنه اندهاش من موقف الدولة المصرية التي تصر على حياد باهت بين هؤلاء وأولئك، وهي التي تشكلت على قاعدة الموجتين الثوريتين اللتين لولاهما لكان رئيسنا اليوم هو السيد جمال مبارك، وحكومتنا موزعة على فرقاء لجنة السياسات من الحرس القديم والجديد.

أعلم أن ليس من دور الدولة، رئيساً وحكومة، الدخول في صراع أفكار أو إصدار بيانات تأييد لهذا الطرف أو ذاك من الفرقاء، ولكني أعلم أيضاً أن الدولة لديها ما هو أكثر عمقاً ونفاذاً من البيانات لتكشف به انحيازها، وتشير من خلاله إلى طريق المستقبل الذي تريد، في هذا الاتجاه أو ذاك. وعندما يبقى نفر من أبرز ثوار كانون الثاني (يناير) خلف القضبان، فيما يخرج أركان النظام السابق من سجونهم ويتصدر بعضهم حلقات النقاش العام، أو يعطى بعضهم فرصاً للمحاضرة في عموم المصريين وعلى شاشات التلفزيون، يصبح الأمر وكأنه انحياز ضد رموز الثورة لمصلحة أركان النظام السابق لها، ما يفرض على الدولة واجب إزالة اللبس إذا كان الأمر مجرد سوء فهم، كما يتعين عليها أن تصحح مساراتها بنفسها إن كان قد وقع انحراف فيها، قبل أن يقوم المصريون بتصحيح مسارها بأنفسهم في لحظة ستكون كاشفة ومزلزلة بلا أدنى شك، ولكنها ستكون مكلفة ومرهقة بكل تأكيد.

وربما كان القرار الأعمق تعبيراً عن رؤية الدولة لحدث 25 كانون الثاني (يناير)، هو موقفها من شباب الثورة المعتقلين بمقتضى قانون التظاهر، فإذا كانت جادة في انحيازها إلى الثورة وأحلامها الشابة، فعلاً لا قولاً، وجب عليها استئناف سُنّة حميدة مارستها مصر عبر العهود الثلاثة لجمهورية ثورة يوليو، رغم استبدادها، وهي الحرص على تدشين بدايات جديدة من موقع التسامح، على رغم ما كان يصيب تلك النظم على مر الطريق السياسي وصولاً إلى لحظة النهايات الدرامية، العاصفة والدموية، الأكثر استبداداً مما كان عند لحظة بدايتها. فمثلاً، بدأت ثورة تموز (يوليو) حكمها مع الرئيس محمد نجيب بإطلاق الوطنيين الذين اعتقلهم القلم السياسي، المعادل الملكي لجهاز أمن الدولة في العصر الجمهوري، والخادم للمستعمر البريطاني، حتى لو كان الرئيس عبدالناصر أعاد اعتقال ما يفوق هؤلاء عدداً بكثير في مراحل تالية، ولأسباب مختلفة.

كما بدأ الرئيس الراحل أنور السادات حكمه بإطلاق السجناء السياسيين، واقتلاع مراكز القوى التي، في رأيه، تحكمت في أقدار الوطن في الحقبة الناصرية التي انتمى إليها، وترعرع فيها، قبل أن ينقلب عليها، ويسير على طريقها ولكن بـ «ممحاة»، كما يقال على سبيل السخرية السياسية، قبل أن يعود في آخر أيامه، خريف 1981، ليعتقل رموز كل ألوان الطيف السياسي في البلاد من اليمين إلى اليسار وما بينهما، وصولاً إلى اللحظة الدامية التي أودت به وأنهت حكمه.

أما الرئيس المخلوع حسني مبارك فبدأ عهده على الطريقة الساداتية نفسها، فأطلق الآلاف من معتقلي السادات، من شتى التوجهات السياسية والأطياف الفكرية والمراحل العمرية، غير أن حكمه الطويل لم ينته إلا وقد جمعت زنازينه المتناثرة على الطريق الطويل، أضعاف من أطلقهم من سكانها البؤساء. بل إن الرئيس الإخوانى، محمد مرسي، سار على الطريق نفسه جزئياً، فبدأ حكمه بإصدار عفو رئاسي عن معظم السجناء الإسلاميين دون غيرهم، وهو أمر يتسق وتكوينه النفسي، المصبوغ بوعي طائفي وليس بوعي وطني.

وعلى العكس لم يبدأ المشير عبدالفتاح السيسي عهده على ذلك النحو، فلم يصدر عفواً عن السجناء السياسيين، كما فعل رؤساء جمهورية يوليو، ولا عن سجناء التيار المدني ممن لا ينتمون إلى الإخوان المسلمين، على طريقة محمد مرسي في الإفراج عن الفريق الأقرب إليه أيديولوجياً، وكأنه يرغب في تكريس نوع من القطيعة مع أزمنة الحكم السالفة، ويودّ أن يتجنب بداياتها، كي يأمن نهاياتها، ويؤكد لنا أننا إزاء زمن سياسي جديد، فهل هذا هو الموقف الصحيح؟

زمن سياسي جديد

تحتاج مصر، بلاشك، إلى زمن سياسي جديد، يختلف فيه كل ما سيكون عن الذي كان في العهود السابقة، سواء تلك التي تآكلت شرعيتها بالتدريج، أو سقطت بالضربة القاضية. ولكن الجديد الذي نرجوه أن تكون مصر أكثر انفتاحاً وتسامحاً على الدوام، بحيث تكون البداية وحدها شبيهة بالسابقين، فيما النهاية نقيضة لكل ما جرى من نهايات سابقة، فالمرجو هو التسامح والتحرر المستمران، لا الانغلاق والاستبداد الدائمان. وهنا يصير واجباً إطلاق السجناء السياسيين الذين حوكموا بالبنود القاسية لقانون التظاهر، خصوصا شباب التيار المدني الذي تصدر 25 كانون الثاني (يناير)، وشارك بعضه في 30 يونيو، قبل أن يبدي افتراقا عن جبهتها العريضة اعتراضاً على سياسات معينة.

لقد صدر قانون التظاهر في وقت عصيب من عمر مصر، وفي سياق ملابسات خاصة، تصدياً لأزمات حادة ومعقدة، لعل معظمها زال الآن بعدما سارت مصر على «خريطة الطريق» خطوتين كبريين، فأصدرت دستوراً محترماً، وانتخبت قائداً وطنياً لحمايته، ومن ثم يَحسن بها القبول بمبدأ مراجعة هذا القانون وفق معايير الدستور، والملاحظات التي قدمها المجلس القومي لحقوق الإنسان، تحقيقا للتوافق الوطني حول المستقبل، مع إمكان تأجيل إعادة إصداره إلى حين انعقاد مجلس النواب، كي لا يكون التعديل نفسه مثار سجالات وتناقضات، وحتى لا يبدو الأمر خضوعاً للضغوط الخارجية، بل نتاجاً لجهد نواب الأمة المصرية.

والمؤكد هنا أن مجرد إعلان الدولة قبولها مبدأ المراجعة، وإصدارها قرار العفو، هما أمران كفيلان بتدشين عصر جديد، تسوده روحانية الحرية. وإذا كان رجاؤنا باقياً في أن يختلف هذا العصر مع كل العصور السالفة، فالأمل أن يكون الاختلاف في النهايات المأزومة والدرامية، وليس في البدايات المنفتحة والمتسامحة.

 الحياة اللندنية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى