الاخبارشؤون فلسطينية

غزة .. قراءة أولية للحرب

12072014-060212-1-120714110212

هذه المقالة يمثابة قراءة أولية لحرب لم تكد تضع أوزارها , ولم تكشف جميع أسرارها بعد , فالمقاومة لم ترو روايتها بعد , واسرائيل ما زالت تحت الرقابة العسكرية الصارمة , وفي انتطار لجان الفحص والتحقيق التي ستتشكل حتما , وروايات الجنود التي ستتسرب , وشهادات المقاومين التي ستأتي . كانت هذه القراءة الأولية لحرب دامت 51 يوما .

———————————————–

1- هدف الحرب :-

يمكن الافتراض أن اسرائيل قد دخلت معركة غزة دون تحديد هدف واضح للحرب , وكذلك من دون تحديد استراتيجية واضحة للخروج منها , أو الأهداف التي تبغي تحقيقها . وقد انعكس هذا الأمر على الخطط والتكتيكات العسكرية في مراحل المعركة المختلفة . وأدى في بدايتها الى عزل نائب وزير الدفاع داني داتون بسبب انتقاداته كيفية ادارتها , كما أدى في نهايتها الى جدل داخلي كبير , واحباط في صفوف الجمهور والطبقة السياسية , وشعور بأن الجولة قد انتهت دون تحقيق اي انجاز مهم .

بدأت الحرب بذريعة معاقبة المقاومة على خطف المستوطنين الثلاثة في الضفة الغربية , والرد على سقوط بعض القذائف على غلاف غزة , ضمن اعتقاد راسخ بأن على اسرائيل أن تستغل التطورات الأخيرة في المنطقة وحالة العزلة والحصار التي تعيشها المقاومة عامة و “حماس “خاصة, من أجل احداث تغيير جذري في وضع القطاع . وترافقت الحرب مع تحذيرات من وزير الدفاع ورئيس الأركان السرائيليين من مغبة الخضوع لضغوط اليمين الاسرائيلي . وتم تبني خطة تقوم على التصعيد المتدرج , وعلى أن يكون هدف العملية المعلن هو توجيه ضربة قاسية للمقاومة , وتحقيق الردع , ومنع المقاومة من اعادة بناء قدراتها العسكرية , وذلك انطلاقا من الفرضية القائلة بأنه في ضوء الحصار وتدمير الأنفاق , سيكون من الصعب ترميم ما تضرر .

من هذا المنطلق شملت الخطة : ضرب قواعد الصواريخ وأماكن تخزينها وتصنيعها ; تسديد ضربه الى قيادات المقاومة واعضائها وبنيتها (1); اعادة الهدوء الى الجنوب ; الحاق اضرار بالبنى التحتية للمقاومة ; تفويض المجتمع الدولي لنزع سلاحها (2) . لكن خلال الحرب نشأت أهداف جديده مثل : استعادة جثث الجنود (3) ; منع المقاومة من تحقيق انجاز ; السعي لتعاون اقليمي مع دول الجوار ; تدمير الأنفاق الهجومية . وبعد ذلك تراجعت قائمة الأهداف بعد فشل اسرائيل في وقف القصف الصاروخي الذي تطلقه المقاومة ,الى ما أطلق عليه “كي الوعي ” ثم الى استخدام فائض القوة الهائل والتدمير الشامل ,لتحقيق الهدف الآخير , وهو “هدوء مقابل هدوء “, وسط التهديد باعادة احتلال القطاع .(4). أو شن حرب استنزاف تتسبب بانتهاء سلطة ” حماس ” وتسليم القطاع الى السلطة الفلسطينية ,عبر تحالف دولي واقليمي (5), بعد أن كان ضرب حكومة الوفاق الوطني من الأهداف الأولى المعروفة لللحرب .

و شكل هذا كله اخفاقا في عملية الدخول الى الحرب وتحديد أهدافها الاستراتيجية , واخفاقا في معرفة طريقة الخروج منها . في المقابل أصرت المقاومة على أهدافها , ونجحت في صياغة ورقة فلسطينية موحدة تتضمن مطالبها رفع الحصار, واعادة بناء الميناء والمطار, وتوسيع المدي البحري للصيد , ورفض اي حديث بشأن سلاحها , أو ربط رفع الحصار بالهدوء الأمني .

———————————–

2- ميزان القوى

من العبث الحديث عن ميزان قوى جدي بين الطرفين , اذ بينما قامت اسرائيل بتجنيد 82 الف من قوات الأحتياط الذين استلموا مواقع الوحدات المقاتلة على بعض الجبهات , كي تتمكن قوات النخبة من ” غولاني ” و “جبعاتي ” و “ايغوز ” و “المظليين ” من القيام بالعمليات الرئيسية , فضلا عن وحدات الدروع والمدفعية وسلاح الجو , كانت قوات المقاومة تقدر بنحو ,20,000 مسلحين بأسلحة خفيفة , وبعض الأسلحة المضادة للدبابات مثل ال ” أربي جي 7 “وال ” أر بي جي 29 “, وصواريخ الكورنيت الروسية الصنع , وبعض مدافع الهاون , اضافه الى نحو10,000 صاروخ غالبيتها من تصنيع محلي , وبعضها ذو منشأ روسي وكوري وايراني وسوري . و مما لا شك فيه أن المقاومة قد طورت قدراتها التصنيعية , كما استفادت من انهيار النظام الليبي في تهريب كميات كبيرة من مخلفات الجيش الليبي الى قطاع غزة عبر مصر . وعقدت دورات تدريبة لكوادرها في سوريا ولبنان وايران وغزة .

أما من حيث قوة النيران فقد أطلقت المدفعية الاسرائيلية 36718 قذيفة , و14500 قذيفة دبابه, اضافة الى 15736 قذيفه من البوارج , و8210 غاره جويه ونفذت طائرات f16 وطائرات الاستطلاع 8210 غارة جوية .. في حين بلغ نصيب كل مواطن غزي 4 رصاصات من الأسلحة الرشاشة التي استخدمت خلال أيام الهجوم البري المحدودة . امام قوة النار الهائلة هذه فقد كان معدل اطلاق القذائف والصواريخ بعياراتها المختلفة من الجانب الفلسطيني , ما يقارب 120 قذيفة يوميا (6) , اي ما يصل الى نحو 4500 مقذوف طيلة أيام المواجهة ومن هنا فان أي مقارنة رقمية للسلاح والمعدات وقوة النار , أولعدد القوات المقانلة من كلا الطرفين , تصبح نوعا من العبث . غير أن الجانب الفلسطيني هذا الفارق الكبيرة بالصمود والاصرار وادامة القتال وروح المبادرة .

————————————————

3-الاستخبارات.

كان فشل جهاز الأمن الداخلي “الشاباك” وجهاز الاستخبارات العسكرية “أمان” واضحا خلال هذه الحرب , اذ كانت التقديرات الاستخباراتية متفائلة بشأن امكان سحق المقاومة واستعدادها للفبول بهدنة تضع اسرائيل بنودها . كما أن المعلومات الاستخباراتية عن قواعد اطلاق الصواريخ وأماكن تخزينها وعددها و المدى الذي تصل اليه , كانت جزئية . وتباينت التقديرات أيضا حول الانفاق وأماكنها ومخارجها وعددها ومدى الخطر الذي تمثله , ولم يتم التنبه الى هذا الأمر الا في عاشر أيام الحرب , و بعد احدى عمليات التسلل خلف خطوط الجيش الاسرائيلي . وتمثل الفشل الاستخباراتي أيضا في عدم القدرة على اغتيال قادة الصف الأول عند بداية الهحوم , كما أنه لم يحقق سوى نجاح جزئي بعد انهيار الهدنة.

وفي المحصلة , يمكن القول أن المؤسسة الأمنية الاسرائيلية فشلت في الكشف عن قدرات المقاومة القتالية وواقعها التنظيمي والخلفية النفسية والمعنوية لمقاتليها وقادتها , وهي أمور لا يمكن التوصل اليها عبر الوسائل الاستخبارية التقليدية (7) .

—————————————–

4- الصواريخ

على مدي 51 يوما بلغ عدد الصواريخ التي أطلقتها المقاومة على اسرائيل 4000 صاروخ تقريبا , وتشير تقديرات العدو الى أنه بقى لدى المقاومه عند وقف اطلاق النار 3000 صاروخ تقريبا , منها 2000 يصل مداها الى 20 كم , وبضع عشرات منها تستطيع الوصول الى السهل الساحلي والقدس (8).

و يمكن تقسيم المخزون الصاروخي للمقاومة من حيث المدى الى ثلاثة أقسام :

1- صواريخ قصيرة المدى يتراوح مداها من 10 الى 40 كم , وتمثل المخزون الصاروخي الأكبر , مثل : ” قسام ” المصنع محليا , و “غراد ” الروسي , و107 الكوري , وأنواع أخرى من تصنيع فصائل المقاومة , وهي مخصصة لضرب ما يعرف ب “غلاف غزة ” .

2- الصواريخ متوسطة المدى : مثل” سجيل 55 ” محلي الصنع و مداه 55 كم , و خصص لقصف منطقة بئر السبع والنقب .

3- الصواريخ البعيدة المدى : مثل ” فجر5″ , و ” M75 ” (مقادمه) , وبراق 70 , و براق 100, و “R160 ” (رنتيسي) الذي يبلغ مداه 160 كم , و “J80 ” (جعبري) الذي زود بأجهزة توجيه لتضليل القبة الصاروحية , و ” M302 “وهو صاروخ سوري يتراوح مداه بين 90 و 200 كم بحسب الرأس المتفجر الذي قد يصل الى 145 كغم , و سبق للاسرائلين أن اعترضوا باخرة تحمل شحنة منه قبل 4 أعوام (9).

وحقق استمرار القصف الصاروخي مفاجئات عديدة على المستوى التكتيكي , فسلاح الجو لم يتمكن من تدمير مخزون الصواريخ ومنصات اطلاقها , بعدما كان قائد هذا السلاح قد صرح بأنه يحتاج الى 8 ساعات فقط لتدمير المخزون الصاروخي في غزة , و الى 3 أيام لتدمير مخزون حزب الله في لبنان . و أظهرت بعض أشرطة الفيديو التي بثت عن وجود قواعد هيدروليه مخبأة تحت الأرض ومموهة جيدا , ويتم توجيه الصواريخ واطلاقها عن بعد , وبالقرب من كل منها يوجد مخبأ صغير يستوعب 20 صاروخا . (10)

و تتمثل المعجزة التي حققتها المقاومة في أن وتيرة اطلاق الصواريخ لم تنخفض حتى اللحظة الأخيرة . وانما استمرت , وبالتركيز ذاته على المدن والمستعمرات , بما فيها تل أبيب والقدس وحيفا وديمونا , وفي الأيام الأخيره جرت محاولة لاستهداف منصات الغاز في عرض البحر . فضلا عن نجاح الصواريخ في ارباك حركة النقل الجوي , وتسببها باغلاق مطار بن – غوريون لأيام , واجبار 5 ملايين اسرائيلي على البقاء في الملاجئ أو قربها , وحظر التجمعات البشرية في أرجاء الكيان .

و لعل المعجزة تلك تكمن في استمرار القصف في ظل سيطرة جوية اسرائيلية كاملة على مدى ساعات اليوم , وفي رقعة جغرافية ضيقة مثل قطاع غزة .وقد حقق القصف الصاروخي عدة مفاجئات , من حيث المدي والدقة والمحافظة على الوتيرة العددية والتوزيع , والتدرب على تكتيكات لمواجهة منظومة القبة الحديدية , والمحافظة على سرية مستودعاته ومنصات الاطلاق , بل واستخدام الصواريخ كسلاح معنوي حبن تم تحديد ساعات قصف تل أبيب والقدس بشكل مسبق ,

ادعى الجيش الاسرائيلي أنه قد دمر ثلث المخزون من الصواريخ وهي على الأرض , اي 3000 صاروخ , وأن القبة الحديدية أسقطت 17%من مجموع الصواريخ التي أطلقت , وهذه النسبة على ضآلتها , لا تعتبر فشلا للمنظومة التي ما زالت بحاجة للتطوير . لكن السبب في ذلك يعود الى تقص في عدد وحدات المنظومة , و الى انتشار غالبية منصاتها في مركز البلد بالقرب من المدن الكبرى والمطار . ومع ذلك سقطت على هذه المدن العديد من الصواريخ , وساهم الانفجار الذاتي لصواريخ القبة الحديدية في مضاعفة عدد الانفجارات .

كما زعم العدو أن 80 % من الصواريخ سقطت في أماكن فارغه , وأن 3% فقط سقطت في أماكن مبنية , وادت الى مقتل 4 أشخاص واصابة الف بجروح وحالات هلع . لكن المستغرب أنه وبعد هذه الاحصائيات والتكتم على حجم الخسائر , عاد العدو واعترف بأن 71 شخصا جرحوا 26-8 وحده . وربما جاء اعترافه هذا لتبرير قصفه الممنهج للايراج السكنية ————————————————

5:- القيادة والسيطرة .

بالرغم من القصف المجنون والأعمى والدمار الهائل في المنازل وفي البنية التحتية في قطاع غزة , ونهجير نصف مليون مواطن تقريبا من بيوتهم , وآلاف الجرحى الذين تكدسوا في المستشفيات . مع ما يعنيه ذلك من عبء انساني كبير , فان منظومة القيادة والسيطرة في المقاومة تميزت بشكل كبير, وظهر ذلك من خلال تمكنها من الحفاظ على زمام المبادرة و القيام , في أوج المعارك بعمليات هجومية, وخلف خطوط العدو , في البر, وعبر الأنفاق , وعبر البحر في اتجاه القاعدة البحرية الاسرائيلية في زيكيم .وكان واضحا حجم الاستعداد المسبق للمعركة دفاعا وهجوما , اذ تواصلت عمليات القصف والعمليات الهجومية المخطط لها مسبقا ضمن توقيتات دقيقة .

وفي المقابل بدا العدو في تقدمه البري مرتبكا في تقدمه البري , و من دون خطة مركزية مسبقه , معطيا صلاحيات أوسع للقادة في الميدان . وبدلا من تحقيق الأهداف المقررة , انشغل بمعالجة المهمات الطارئة ومنع خطف الجنود عبر تطبيق بروتوكول ” هنيبعل ” السري, الذي يخول الجيش الاسرائيلي استخدام قوة نارية هائلة , أو أي اجراء آخر , لمنع أسر أحد الجنود , حتى لو أدى ذلك لمقتل الجندي . وفي مرحلة اخرى بدى وكان القيادة الاسرائيلية فقدت قدرتها على اتخاذ القراربالتقدم البري , ازاء الاستمرار في استخدام مفرط ومجنون للقوة .

——————————————————–

6- سلاح الجو

كان لسلاح الجوالاسرائيلي القوة النارية الأكبر والأكثر دقة في هذه المعركة , وفي المقابل امتلكت المقاومة وسائل محدوده للغاية , أو تكاد تكون معدومة في مواجهته . وتمكنت المقاومة من اطلاق بضعه صواريخ “سام 7 ” المحمول على الكتف تجاه الطائرات الصهيونية , الأمر الذي اضطرها الى اطلاق البالونات الحرارية . وفي مناسبة اخرى اعلنت المقاومة أنها أصابت طائرة من طراز F16 وطائرة استطلاع دون طيار , لكن لم يتوفر أي تأكيد لذلك من الجانب الاسرائيلي . غير أن ظهور سام7 اجبر العدو على عدم الزج بطائراته المروحية الهجومية الا في حالات محدده .

تدخل سلاح الجو بفعالية شديده في الحرب البرية , ففي 20 تموز/ يوليو عندما واجه لواء ” جولاني ” مقاومة شديدة في حي الشجاعية , هاجم سلاح الجو 126 هدفا خلال 50 دقيقة بقنابل زنة الواحدة منها طنا واحدا (11) . علما بأن سلاح الجو الاسرائيلي نفذ 8210 غارات حتى نهاية الحرب منها 4762 غاره حتى 5آب/ أغسطس (12) .

ان معضلة مواجهة سلاح الجو وقدرتة النارية الفائقة وقذائقه الذكية المزودة بنطام متابعة Global Positioning System / GPS ستبقى قائمة في المواجهات القادمة , وسيتعذر على المقاومة بناء أنظمة دفاع جوي ثابته و قادرة علي مواجهته , وسيبقى الحل ألأمثل هو استخدام الوسائل التقليدية في التموية والاتصال, للحيلولة , ما أمكن , دون كشف مواقع المقاومة ومقارها , ومحاولة الحصول على صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف من جيل أكثر تطورا من ” سام 7 ” . كما أنه ربما يكون من الأجدى في مرحلة لاحقة وضمن تطوير المنظومة الصاروخية , ضرب مطارات العدو وقواعده العسكرية لشل قدراته الجوية أو اعاقتها على الأرض . علما بأن اخفاء المواقع والنزول تحت الأرض ونقص المعلومات الاستخبارية , والاشتباك القريب , والخوف من خوض الحرب البرية , جعلت من السيطرة الجوية قوة نارية تستخدم ضد الأهداف المدنية .

ويجب الاشارة أيضا الى نجاح المقاومة في تصنيع ثلاثة نماذج لطائرات من دون طيار اطلقت عليهم اسم ” ابابيل ” ذات مهام استطلاعية , وكذلك هجومية عبر القائها شحنة متفجرات تحملها, او عبر الانقضاض مباشرة على الهدف, و نفذت خلال الحرب 3 طلعات , وفقدت طائرتين تم اسقاطهما بصواريخ باتريوت المضادة للصواريخ (13). وهّا جهد يبدو أنه ما زال في بداياته .

7- الأنفاق والحرب البرية :-

دمر الجيش المصري 1960 نفقا تربط ما بين قطاع غزة ومصر, منها 30 نفقا دمرت خلال الحرب الأخيرة , وعلى الرغم من الضرر الشديد الذي ألحقه ذلك بقدرة القطاع على ادخال الحاجات المدنية وغير المدنية , فان الخبرات التي تراكمت من خلال تقنيات حفر ألأنفاق المدنية وفرت للمقاومة مئات الكوادر المجربة التي تحولت الى بناء الأنفاق العسكرية والمستودعات ومقرات القيادة ومنصات الصواريخ . ولا تزال الأنفاق في غزة أحد أسرار المقاومة الكبري .

و ادعى الجيش الاسرائيلي أنه دمر 32 نفقا هجوميا , تمتد أو تتجه الى داخل السياج الحدودي , وبعضها يسمح بخروج أكثر من سرية مقاتلين خلف الخطوط , و القيام بهجوم واسع , غير أن هذا ليس أكثر من رأس جبل الجليد . أن أحد المكونات ألأساسية لقوة المقاومة , والذي يمكن أن يشكل مقابلا للتفوق الاسرائيلي في مجال تكنولوجيا الاستخبارات , والقدرة النارية الهائلة , يكمن في تلك المنظومة الكاملة التي بنتها تحت الأرض والتي تشمل قدرات ودفاعية وهجومية واسعة النطاق . (14)

وبينما ادعى الجيش الاسرائيلي أنه كان يعلم بوجود الأنفاق , وأنه درب بعض وحداته على مواجهتها . فان الوقائع كشفت أنه لم يبدأ بالعمل ضد الأنفاق , الا بعد أن تسلل 13 مقاتلا خلف الخطوط قرب مستوطنة صوفيا , واضطراره الى شن عملية برية في 17-7 وبعمق 2-3 كم فقط . (15) , في محاولة لمنع تكرار عملية صوفيا .

و لم تكن الحرب البرية التي وقعت في الاسبوع الثاني من القتال نزهة سهلة , ففي كل متر حاولت وحدات النخبة التقدم فيه , واجهت الألغام والعبوات البرميلية من طراز كليمور والتي سبق وأن استخدمها حوب الله في سنة 2006 , و كذلك الأشراك الخداعية , وصواريخ الكورنيت , ونيران القناصة وقذائف الأر بي جي , والمنازل التي أخلاها المدنيون كي تفخخها المقاومة .

على أن الانجاز الأبرز كان في عشرات او مئات المقاتلين الذين يخرجون من فتحات الأنفاق المموهة , من داخل المباني والحدائق والشوراع والاراضي الزراعية , ولم يكن هدف الأنفاق التسلل خلف خطوط العدو فقط , بقدر ما كان جزءا من خطة دفاعية كامله فاجئت العدو ومنحت المفاتلين حرية في الحركه , وبعدا عن عيون طائرات الاستطلاع ووسائل المراقبة الالكترونية .وهو قتال كانت الغلبة فيه لمن هم تحت الأرض على الذين فوقها ويحلقون في سمائها .

وذكرت القناة العاشرة في التلفاز الاسرائيلي , أنه جرى خلال هذا القتال جرت ثلات عمليات لأسر جنود انتهت, بحسب المصادر الاسرائيلية بقتل الجنود خلال القصف الجوي والمدفعي الذي اعقب العمليات وفق ” بروتوكول هنيبعل ” . وتقول اسرائيل أن حماس تحتفظ بجثت جنديين , في حين لم تقدم حماس أي معلومات نهائية عن أسرى العدو , كورقة ضغط في المفاوضات المقبلة بشأن الأسرى , واكتفت باعلان اسمائهم .

وعملا “ببروتوكول هنيبعل ” , فان الجيش الاسرائيلي يعتبر الجندي القتيل خير من الجندي الأسير . ويفوض البروتوكول القوة العسكرية المنتشرة الرد الفوري , و الاستعانة بجميع الوسائل القتالية والاسناد الجوي والمدفعي , مرتكزا على فرضية أن كل تأخير في الرد سيفضي الى أمر واقع , والى عدم القدرة على احباط عملية الأسر . و أدي تطبيق هذا البروتوكول الى ايقاع خسائر فادحة في صفوف المدنيين الفلسطينيين , اذ استشهد 150 فلسطينيا تقريبا في منطقة رفح خلال ساعات عند محاولة احباط خطف الضابط هدار جولدين من لواء غفعاتي . وذلك عندما عمد الجيش الاسرائيلي وسلاحا الجو والمدفعية الى قصف جميع الطرق والمباني وحتى المستشفيات في المنطقة , كما أن بطاريات المدفعية أطلقت 1000 قذيفه خلال 3 ساعات , وهوجم 40 هدفا من الجو (16) ,الأمر الذي حول المنطقة بأسرها الى كومة من الركام .

و اعتمدت المقاومة في هذه العمليات أسلوب قيام مجموعتين بالاشتباك مع العدو : الأولى تلتحم معه وتضعه تحت قوة نار كبيره , أو تقوم بتفجير انتحاري , بينما تحاول الثانيه أسر أحد الجنود وسحبه في اتجاه أحد الأنفاق . وجرى تعميم مفهوم جديد للاشتباك المباشر مع الوحدات المتقدمة , وهو الاشتباك من مسافه صفر , حيث تنعدم المسافات بين الطرفين , ويتفاجأ العدو بظهور المقاومين أمامه أو خلفه , فيفقد القدرة على الاستعانة بأسلحة الاسناد من الجو أو البر , ويخسر بذلك ميزة قوة النار الهائلة التي يتمتع بها .

و في محاولة الأسر الأولى كانت الخسائر فادحة في صفوف الجنود الاسرائيليين , اذ أطلقت مدفعية جيش الاحتلال 600 قذيفه في اقل من ساعه , فيما يعرف بنار الانقاذ ( 17 )أو نار تخليص الأرواح , كما هاجمت الطائرات 120 هدفا في المنطقة خلال 50 دقيقة , واستغرق سحب الناقلة المحترقة المحملة بأشلاء الجنود من أرض المعركة عدة ساعات ,وخلال عملية السحب انقلبت وتناثر بعض الأشلاء على الأرض , ولم تفطن قيادة الجيش الى اختفاء أحد جنودها الا بعد اعلان ” حماس ” أنها أسرته , على رغم من وجود نظام جديد معتمد في الوحدات الفتالية يرتبط فيه كل الجنود بنظام لتحديد الموقع عبر اسوارة في القدم , ويستطيع نائب قائد السرية بواسطتها متابعة تحركات الجنود من خلال جهاز الحاسوب الخاص به , بل ان المندوب الاسرائيلي في الأمم المتحدة نفي حدوث عملية الأسر , وبرر الجيش هذا الارباك بأن الجنود كانوا اشلاء , وأنه يلزمه وقت لاجراء فحص ال DNA لتحديد هوياتهم .

و ازداد اعتماد الجيش الاسرائيلي ,في الحرب الآخيرة , على التكنولوجيا الحديثة وعلى قوة النار الهائلة التي يمتلكها . لكن وكما هي الحال في حرب تموز 2006 في لبنان , فان الدبابة والطائرة والصاروخ لا تحتل ارضا , ولا تنهي مهمة أو حربا . فعلى الأرض يحتاج الجيش الى جندي المشاة الذي علية أن ويغادر مدرعته كي يقوم بعمليات البحث والتطهير والاشتباك القريب .

و منذ حرب 2006 في لبنان والانتقادات تتوالى على الجيش الاسرائيلي بسبب تراجع المستوى القتالي للجيش , والتركيز على استخدام التقنيات العاليه , التي تجعل القائد يدير المعركة وهو جالس خلف جهاز الحاسوب , بعيدا عن جنوده في ميدان المعركة . كما اهتم الجيش بزيادة قوة النار على حساب تدريب واعدلد وحدات المشاة . ويرى بعض المحللين الاسرائليين أن وحدات المشاة ارهقتها الانتفاضتان الأولى والثانية عندما تحول الجيش الى قوة شرطة تطارد الشبان في الشوارع , وعلى الرغم من التوصيات التي اعقبت المواجهات السابقة حول دور ألوية المشاة , الا أن شيئا منها لم يتم العمل به , و بالتالي عجز الجيش عن حل هذه الثغرة الخطيرة في صفوفه . بل ان الوية المشاة قد وصلت الى الجبهة منهكة بعد عمليات المطاردة والتفتيش التي قامت بها في الضفة الغربية في اثر عملية خطف المستوطنين . وفي الخلاصة فان الجيش الاسرائيلي لم ينجح في التوفيق بين التطورات التقنية العالية وقوة النار الهائلة والاتصالات الحديثة وبين علم الحرب فيما يتعلق بالقوات البريه .ان اهمال في هذا الجانب ومن دون شك سيخضع مجددا للفحص والتحقيق في المستقبل القريب (18).

ومرة أخرى أثبت الجهد الطويل الذي بذلته المقاومة في الاعداد للدفاع وبأعلى درجات السرية , تفوق الدفاع على الهجوم , ونجاح المقاومة في التصدي للتوغل المحدود . وحسبنا هنا أن نشير الى نقطتين :

أولا, انسحاب القوات الاسرائيلية الى خلف الحدود فور دخول الهدنة حيز التنفيذ تاركة ورائها بعض معداتها المدمرة , وهي المرة الأولى في الصراع العربي الاسرائيلي التي تنسحب فيها القوات الاسرائيلية فورا و من دون قيد أو شرط من الأراضي التي احتلتها , على عكس عادتها ياستغلال ساعات ما قبل الهدنة لاكتساب اراض جديده , ومن ثم الدخول في مفاوضات طويلة بشأنها .

ثانيا, تردد قيادة الجيش الكبير في الدخول الى قطاع غزة بعد انهيار الهدنة , والذي بدلا من ذلك لجأ الى استخدام سياسة فائض القوة من اجل ردع المقاومة , عبر توجيه ضربات قوية الى البنية التحتية (19), وقدرت أن دخول القطاع , والقضاء على المقاومة , سيكون عملية مكلفة وطويلة , وقد تستغرق من 6 أشهر الى عام .(20)

8 :- خسائر الحرب

حسب مصادر وزارة الصحة الفلسطينية و ” المرصد الأورومتوسطي لحقوق الانسان ” فقد سقط في الجانب الفلسطيني 2174 شهيدا , منهم 1743 مدنيا ” أي بنسبة 83% ” و340 مقاوما ” بنسبة 17% ” , بينما بلغ عدد الجرحى 10870 شخصا . ودمرت قوات الاحتلال 17132 منزلا , و خمسة أبراج سكنية , في حين تضرر 39500 منزل آخر . وتم تدمير محطات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والمصانع وعدد كبير من المساجد .(21)

الخسائر في الجانب الاسرائيلي بلغت 72 قتيلا منهم 66 جنديا , بينما اصيب 720 جنديا بجروح . وهؤلاء بأغلبيتهم سقطوا خلال عملية التوغل البري المحدود , مما ينبئ بعنف القتال الذي دار في هذا الشريط الحدودي . لكن مراجعة متفحصة للرتب العسكرية لقتلى الجيش الاسرائيلي تشير الى وجود خلل ما , اذ اعترف الجيش بمقتل ضابط برتبة مقدم , 3 برتبة رائد , 5 برتبة نقيب , 6 برتبة ملازم أي 15 ضابطا و47 ضابط صف و3 جنود فقط !!

—————————————————-

9- ملاحظات أخرى

1- شكل العبء الانساني عامل ضغط كبير على المقاومة , حوالى نصف مليون هجروا من منازلهم , كما حدث نقص فادح في االحاجات الطبية , وتم تدمير البنية التحتية بشكل شامل . ولعل ذلك ما قصده الاسرائيليون بعملية كي الوعي , التي تفترض أنن على قادة المقاومة أن يحسبوا خطواتهم المقبلة بدقة , عنما يروا آثار التدمير الشامل قبل الاقدام على أي خطوة تصعيدية . و معالجة هذا الموضوع تتطلب الحفاظ على موقف فلسطيني موحد , و على مجموعة من الخطوات السياسية والجماهيرية التي تقنع الجمهور العريض بأن تضحياته لم تكن عبثا . وربما يمكن تحقيق نموذج ما يجمع ما بين السلطة والمقاومة .

2- خلال الحرب حصلت اسرائيل على تعويض عن الذخائر من مستودعات الجيش الأمريكي , وفق اتفاقية تجيز التعامل من جيش لجيش دون المرور على القنوات السياسية . وعمد البيت الأبيض والخارجية الأمريكية الى وقف هذا الاجراء المتبع في ضغط ضمني للحد من استخدام القوة المفرطة , والاتزام بالحد المسموح به من القوة . وهذه نقطة ينبغي الاهتمام بها ومتابعتها مستقبلا . كما أن متابعة قادة الجيش عبر محكمة الجنايات الدولية أوالمحاكم ذات الاختصاص الدولي, أو عبر اللجوؤ الى آليات دولية أخرى مثل مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة , وحملات تقوم بها منظمات حقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني لدى الرأي العام الغربي , قد تساهم في وضع بعض القيود على الاستخدام المجنون والمفرط للقوة ضد المدنيين

3- تعول اسرائيل على عدم قدرة المقاومة على تعويض مخزونها في الصواريخ والأسلحة , أو في اعادة ورش التصنيع التي دمرت , والحصول على قطع الغيار اللازمة للتصنيع . ويدرك الاسرائيليون أن هذا الأمر لا يعتمد على قوة الردع الاسرائيلية , بقدر ما يعتمد على استمرار الحصار والرقابة المصرية . لذا ثمة تركيز اسرائيلي على محاولة ايجاد دور لها ضمن المحاور العربية .

4- فشلت اسرائيل في تقليص كمية الصواريخ المطلقة , كما فشلت في توجيه ضربات حاسمة لقيادة المقاومة , او في انهاء البنية التحتية لمنظومة الأنفاق , مما خلق فجوة كبيرة بين اتوقعات الحرب و نتائجها لدى المجتمع الاسرائيلي . وسيكون لهذا الأمر تأثير بالغ في السياسة والاستراتيجيا الاسرائيلييتين في المستقبل .

5- نجحت المقاومة في تقييد حركة 5 مليون اسرائيلي , و في تهديد مفاعل ديمونا ومطار بن- جوريون , والوصول الى المدن الكبرى , وادامة المعركة 51 يوما دون أن تظهر عليها بوادر الضعف أو الانكسار .

6- تفوقت المقاومة على اسرائيل بما سماه البروفسور يحزقيل درور عضو لجنة فينو جراد “التفكير العسكري الابداعي “, في حين فشل الجيش بالتفكير خارج الصندوق . وما زال الجيش الاسرائيلي يعاني من مشكلة كبرى في اداء قواته البرية .

7- انهت هذه المعركة كليا نظرية الحرب الخاطفة التي كان يعتنقها الجيش الاسرائيلي , واثبتت امكانية مواجهته أشهرا طويلة ,من طرف قوى اقل منه عددا وعدة وتطورا , ولم تعد الجبهة الداخلية الاسرائيلية خارج دائرة المعارك . أي أن هذه الجبهة , وفي أي معركة مقبلة , ستكون أساسيا من المعركةا .

8- الجولة القادمة ينبغي أن تكون منسقة على اكثر من جبهة , وبالذات الجبهة الشمالية وجبهة الضفة الغربية . ان اشتعال هذه الجبهات في آن واحد وبحرب طويلة الأمد من شأنه أن ينهك اسرائيل ويجعلها بأسرها تحت النيران الكثيفه . بحيث ينحو الصراع العسكري العربي الصهيوني نحو مرحلة جديدة . وفي ظل التطورات التي تجتاح المنطقة وتجعله بأسرة على رماد ساخن , فانه يجب اعادة توجيه البوصلة باتجاه العدو الصهيوني , الأمر الذي قد يشكل أجواء اكثر ثورية وأكثر بعدا عن سياسات المحاور والتقسيم المذهبي والطائفي .وقد يساهم في انتشال المنطقة من أزمتها المستعصية .

1- عاموس يادلين مدير مركز دراسات الأمن القومي . مباط عال عدد 571 9-7-2014

2- تصريح لنتنياهو . يسرائيل هيوم 25-7

3- ليبرمان . معاريف 13-8 -2014

4- معاريف 13-8- 2014

5- معاريف 13-8-2014

6- عاموس هرئيل وغيلي كوهن . ها ارتس 15-8-2014 وكذلك أنظر المرصد الأورو متوسطي لحقوق الانسان .

7- بروفسور

8- يوسي ميلمان . البحث عن مخرج . معاريف 24-8-2014

9- يواف ليمور. يسرائيل هيوم 11-7-2014

10- المصدر السابق

11- ها ارتس 7-8

12- بديعوت أحرنوت 6-8

13- معاريف 14-8

14- عاموس يادلين . مصدر سابق

15- يوسي يهوشع. أين الجرأة . معاريف 24-8-2014

16- عاموس هرئيل مصدر سابق

17- عاموس هرئيل مصدر سابق كذلك أنظر أهارون بريغمان . هل سمعت ببروتوكول هانيبال الاسرائيلي 20-8-2014 ترجمة صحيفة الغد الأردنية 30-8-2014

18- يوسي يهوشع المصدر السابق

19- غابي سيبوني . باحث في مركز دراسات الأمن القومي . موقع والاه الاكتروني 12-7-2014

20- يسرائيل هيوم 24-7-2014

21- راجع تقرير المركز الأورومتوسطي عن خسائر الطرفين على موقعه الالكتروني

بقلم: معين الطاهر

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى