الرئيسيةالاخبارأوروبا والإسلام السياسي: قرطاج، روما، وأبعد

أوروبا والإسلام السياسي: قرطاج، روما، وأبعد

فهرس

بالنسبة للحكومات الأوروبية، ثمة معضلة قائمة منذ وقت طويل، والتي أصبحت أكثر حدة في الآونة الأخيرة. هناك صعود الجماعات الإسلاموية المتشددة المتطرفة، من أشباه “الدولة الإسلامية”، التي تهدد بمهاجمة مصالح هذه الحكومات من جهة، والتي تمتلك قدرات مطردة على تجنيد مواطنيها من جهة أخرى. وإذن، كيف ينبغي أن تكون ردة فعل الدول الأوروبية، في هذا المشهد الذي يزداد قتامة، على المنظمات التي تتقاسم في نهاية الأمر وجهة نظر “الدولة الإسلامية”، من أن الإسلام يقدم الشكل المثالي للحكم -وإنما يصر أتباعها أيضاً على أنهم يريدون أن يكونوا مواطنين صالحين، منخرطين في السياسات المحلية، ومعارضين للإرهاب العدمي؟ أو بعبارات أخرى، كيف يجب أن تتعامل هذه الحكومات مع منظمات موجودة على أراضيها، والتي تنطوي على تقدير لإيديولوجيا وممارسات جماعة الإخوان المسلمين؟
أصبحت الأمور أكثر إحراجاً في الأيام الأخيرة عندما نشرت حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة قائمة لما اعتبرته جماعات “إرهابية”. وقد شملت القائمة 80 أو نحو ذلك من المنظمات التي تستحق بشكل واضح تلك التسمية، مثل بوكو حرام في نيجيريا، وغيرها من المنظمات التي يُعد أفرادها مواطنين محترمين -بقدر أو آخر- في مختلف البلدان الغربية. وتعد الكثير جداً من المجموعات المدرجة في هذه القائمة مقربة من فكر جماعة الإخوان، رغم أن من الصعب إثبات ذلك أو دحضه.
تسببت هذه القائمة ثقيلة اليد في إثارة قدر كبير جداً من الذعر في أوروبا. وعلى سبيل المثال، عبّر اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، الذي يضم 250 من المجموعات الأصغر وينظم مهرجاناً واسعاً خارج باريس كل عام، عن مشاعر “الغضب” و”الدهشة” من تضمينه في هذه القائمة. واحتجت الحكومة النرويجية على حقيقة تسمية واحدة من أكبر الجماعات الإسلامية في ذلك البلد في القائمة. ولا بد أن الحكومة البريطانية، التي كلفت بإعداد تقرير -ولكنها لم تنشره- عن أنشطة الإخوان المسلمين، تشعر بحرج مضاعف الآن؛ وهي تواجه ضغوطاً من حكومات العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لاتخاذ إجراءات صارمة ضد جماعة الإخوان ووكلائها، ولكنها تبدو مترددة في استخدام كلمة الإرهاب أو الإقدام على حظر نشاط الجماعة. وقد يقول البعض إن خلط الإخوان، ووضعهم في خانة واحدة، مع الجهاديين الذين يخرجون ويدخلون في دول أوروبا هو أسوأ من مجرد خطأ؛ إنه يمكن أن ينفر الناس إلى درجة الدفع بهم إلى المخيم الجهادي في نهاية المطاف.
إذن، ما الذي ينبغي أن تفعله الحكومات الأوروبية؟ ثمة أحد أبرز المراقبين الأكاديميين للإسلام الأوروبي، جوناثان لورانس، والذي لديه اقتراح بهذا الخصوص. ينبغي لتلك الحكومات أن تراقب عن كثب ما يحدث في تونس لمعرفة ما إذا كانت الحركة الإسلامية يمكن أن تصبح لاعباً إيجابياً يحترم القانون في شؤون دولة ديمقراطية متعددة الأحزاب.
مقارنة بنظرائه في الدول الإسلامية والعربية الأخرى، يبدو الحزب الإسلامي في هذا البلد، النهضة، معتدلاً وقادراً على ضبط النفس. وكما ذكرت مجلة الإيكونوميست في تقاريرها، فقد عانى الحزب من بعض النكسات الانتخابية مؤخراً، وقبِل بهذه النكسات بروح طيبة على ما يبدو، في حين أنه ما يزال يأمل في الحصول على حصة في حكم البلاد.
يجادل السيد لورنس، وهو أستاذ في كلية بوسطن، بأن حزب النهضة ربما يكون بصدد عملية إجراء “تسوية تاريخية” مماثلة لتلك التي أجراها الشيوعيون الإيطاليون في السبعينيات. وتماماً كما يأمل “الحُمر” في إيطاليا بتحصيل الشرعية من خلال قطع علاقاتهم مع الكتلة التي تقودها الأحزاب السوفييتية اللينينية، ربما يكون إسلاميو تونس على استعداد لاكتساب الاحترام عن طريق قطع الاتصالات مع الدعاة الأكثر تشدداً للإسلام السياسي، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين. وإذا فعلوا ذلك، فإنهم يفترض أن يستحقوا فرصة لإثبات صدقهم وحسن نيتهم.
كما قال لي السيد لورانس، الذي هو أيضاً زميل في معهد بروكينغز، فإنه يمكن أن يكون لحدوث نتائج جيدة في تونس تأثير الضربة القاضية الحميدة في أوروبا:
“إن الدول الأوروبية لا تواجه الإسلام كظاهرة انتخابية محلية. لكنَّ وجود الشبكات ذات المنشأ الإخواني، وانتشارها في أماكن العبادة وبين الأئمة، يشكلان مصدراً مستمراً للتوتر. ويمكن لسيادة روحية تصالحية تونسية أن تتخلل وتحرك المشهد الديني الأوروبي، حيث يشتبك العلمانيون والإسلاميون حالياً حول قضايا مثل التعليم الديني، والحجاب وتدريب الأئمة، ويحتاجون إلى تذكيرهم بأعدائهم المشتركين الحقيقيين الذين يقومون بتجنيد المقاتلين لـ”الدولة الإسلامية” من بين شبابهم. ومن شأن حدوث تسوية في تونس أيضاً تبرير تبني مناهج براغماتية (بدلاً من نهج المواجهة) في مقاربة منظمات جماعة الإخوان المسلمين، التي أصبحت تخسر شعبيتها بسبب تصلبها الديني وسياساتها الجندرية المحافظة.
هل يكون السيد لورانس محقاً في مقارنته إسلاموية القرن الحادي والعشرين بالشيوعية الأوروبية في القرن العشرين؟ نعم، بالمعنى التالي. لقد قبِل بعض الماركسيين الأوروبيين الديمقراطية الليبرالية بشكل كامل، وأصبحوا -على سبيل المثال- الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني. وبعضهم لم يفعلوا؛ وإنما استمروا في الإعداد للثورة العنيفة، في حين أخفوا أجندتهم الحقيقة نصف إخفاء، وأقاموا التحالفات الصورية مع “الحمقى المفيدين”. ولم يكن من الممكن التنبؤ دائماً ومسبقاً بكيف ستتصرف كل جماعة ماركسية مخصوصة. ويشكل هذا حجة لصلاح الاحتفاظ بعقل مفتوح، وإنما حذر، لدى مراقبة تطور الإسلام السياسي في الدول الديمقراطية، سواء كان ذلك في أوروبا أو خارجها.

الغد الاردنية

تقرير خاص – (الإيكونوميست)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب