الرئيسيةالاخبار«المدنية والإسلام» ... أطروحات في الترقي والفكر النهضوي

«المدنية والإسلام» … أطروحات في الترقي والفكر النهضوي

 00f36a9bc4c74189bb1c850fbfff752d

 الحياة اللندنية / المدنية والإسلام قضية رئيسية ومهمة مطروحة على ساحة النقاش، تزيد أهميتها في ظل ما يشهده العالم العربي من حراك ثوري وتداعيات خطيرة جراء تصاعد وتيرة عنف جماعات الإسلام السياسي. من هنا أهمية كتاب «المدنية والإسلام» للعلامة محمد فريد وجدي، تقديم معتز شكري، الصادر أخيراً في طبعة جديدة عن «دار الكتاب المصري» في القاهرة، ومكتبة الإسكندرية، ودار الكتاب اللبناني في بيروت، بعد 114 عاماً من صدوره للمرة الأولى العام 1898.

ويعد محمد فريد وجدي من القلائل بين رواد الفكر الكبار من دون أن يكملوا تعليمهم النظامي. فهو وضع كتابه الأول «الفلسفة الحقة في بدائع الأكوان» عندما كان في السابعة عشرة من عمره، ثم كتابه «المدنية والإسلام» وهو في العشرين. وفضلاً عن كونه واحداً من رواد الصحافة في مصر أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين محرراً ومؤسساً للصحف ورئيساً للتحرير حيث أصدر مجلة «الحياة» عام 1899، وصحيفة «الدستور» يومية سياسية في عهدها الأول أواخر 1907 وكان أيضاً من الرواد في علوم اللغة العربية، ومن القلائل الذين أسهموا بإجتهاد واضح في فن المقامة من خلال مقاماته المعروفة بـ «الوجديات». كما كان من أوائل المهتمين بتفسير القرآن الكريم عموماً ومن رموز التفسير العلمي للقرآن خصوصاً.

في فاتحة الطبعة الأولى من الكتاب يوضح وجدي مغزى عمله «تفهيم الأوروبيين حقيقة الدين الإسلامي وماهيته، وإثبات أنه ضامن للإنسان نيل السعادتين وكافل له راحة الحياتين». أما وجه كونه ضرورياً ولا مناص منه «فهو أن الغربيين أصبحوا بجدهم ونشاطهم أصحاب السلطان والنفوذ على معظم العالم الإسلامي، وما داموا جاهلين بحقيقة الإسلام ومعتقدين ما يهذي به بعض كتابهم ضده».

ويرى وجدي أن الأوروبيين معذورون في تصديق التهم ضد الإسلام والمسلمين ولهم الحق في العمل ضدها ما داموا لا يرون أمام أعينهم من مظاهر الدين إلا البدع التي اخترعها صغار العقول، وقبلها منهم العامة، وزادوا عليها أشكالاً من الأوهام والأضاليل تنفر منها الطباع البشرية وتنافي أصول المدنية.

ومعروف أن مؤلف الكتاب وسائر الكتاب المنتمين إلى مدرسة محمد عبده، اهتموا بأمرين: الإسلام حقائقه وشرائعه الموحى بها من الله، والمدنية بقوانينها المكتشفة بفضل علم الإجتماع، لكن ما العمل عندما يظهر تناقض بين الاثنين؟ وأجاب محمد عبده على هذا بقوله: «إن المدنية الحقيقية مطابقة للإسلام». أما في كتاب وجدي – وحسب ما يرى ألبرت حوراني – فإننا نرى تغيراً دقيقاً في اللهجة واختلافاً في نواحي التشديد يؤديان ضمناً إلى القول بخلاف ذلك، أي أن الإسلام الحقيقي مطابق للمدنية، فوجدي يقر أوروبا على اكتشافها قوانين التقدم والسعادة الاجتماعيين، لكنه يذهب إلى القول إن هذه القوانين هي أيضاً قوانين الإسلام.

لكن ما هو الإسلام في نظر محمد فريد وجدي؟ «هو قبل كل شيء وجود علاقة مباشرة بين الانسان وخالقه بمعزل عن توسط الكهنة واستبدادهم»، لكن هذا ليس كل الإسلام، فهو أيضاً المساواة بين البشر ومبدأ الشورى في الحكم، وحقوق العمل والعلم، ووجود نواميس طبيعية ثابتة للحياة الإنسانية، والتطلع الفكري إلى معرفة نظام الطبيعة، وحرية المناقشة والرأي، ووحدة الجنس البشري العملية على أساس التساهل المتبادل، وحقوق الإنسان في ميوله ومشاعره، والإعتراف بخير الإنسان ومصلحته كغاية نهائية للدين وكمبدأ للتقدم.

أطروحات فكرية عدة، يتضمنها الكتاب، ويشير إليها معتز شكري، صاحب التقديم، من بينها: ما يتعلق بمسألة الدين والعلم، حيث يلفت وجدي إلى أن ما سمّاه (المنابذة) بين رجال الدين ورجال العلم «ليست بقريبة العهد بل تعود إلى أزمان بعيدة جداً».

ويدلل وجدي على صحة أطروحته بقوله: «كثير من فلاسفة الأمم حكم عليهم بالإعدام بالسم أو الحديد أو النيران لمحض كونهم قاموا ينيرون عقول مواطنيهم من الأوهام التي تحط بشأن العقل». ويستعرض نماذج من أقوال فلاسفة معاصرين للبرهنة على مناوأة علماء أوروبا للأديان الموجودة وينعي على بعضهم تعميم حكمه السلبي على الأديان جميعاً بما فيها الإسلام مع أنهم إن «درسوه ولو درساً سطحياً لتحقق قبل كل شيء أنه ليس فيه أسس تناقض العلم كما يتهم به سائرها».

ويوضح المؤلف في فصل عنوانه «الناموس الأعظم للمدنية» أن تاريخ الإنسان كله حافل بالحروب والفتن والمصائب الأسرية والمفاسد الأخلاقية، ولكنها جميعاً «نواميس (ثانوية) تابعة لناموس أصلي هو: كل نازلة مهمة ألمت بالعالم في عصر من عصور التاريخ جلبت معها فائدة عظمى».

ويتحدث عن ضرورة «الإجتماع» التي أحس بها الإنسان بعد مقومات حياته الشخصية مباشرة، وكيف أنه مضى دائماً في صراع بين حريته الشخصية وبين احتياجاته للإجتماع بغيره والتنازل عن بعض من هذه الحرية.

وفي تناوله لقضية الحرية في الإسلام قدم فريد وجدي فصلاً بعنوان «جهاد الإنسان لنيل الحرية»، وتساءل: «ما هي تلك الحرية التي جاهدت أوروبا في سبيلها جهاد الأبطال وبذلت لتحقيقها كل رخيص وغالٍ؟ هل هي بعيدة عنا بُعد السماء عن الأرض أو بُعد إجتهاد أوروبا عن خمول الشرق؟ ما هي تلك الحرية التي يقول عنها المسيو (د.فيو): «الحرية هي أفضل سعادات الدنيا»، والتي يقول عنها (باشيا): «الحرية هي أصل كل الرقي الإنساني».

ويرى وجدي أن الإنسان حر بطبعه ولا يحتاج إلى من يرشده إلى الحرية لأنها من العواطف شديدة التأثير عليه… «ولما كانت الحرية المطلقة، أي حرية الحيوانات تبطل عمل كثير من الخصائص المودعة في الإنسان والتي لا تتم إلا بالإجتماع، رضخ الإنسان لأن يضحي بقليل من تلك الحرية في سبيل ممارسته تلك الخصائص».

ويتناول كيف أن الإسلام جاء في وقت كانت الدنيا بأسرها خاضعة لدولتين عظيمتين: هما دولة الفرس ودولة الرومان، ويشير إلى أن الأولى كانت القلاقل الداخلية والخارجية تزعزع بنيانها وتقوض جدرانها، وينقل عن موسوعة (لاروس) كيف أن الثانية كانت نظمها إجمالاً هي عين الوحشية والقسوة في صورة قوانين، فقد كانت العظمة والفضيلة في روما هي عبارة عن إعمال السوط والسيف والحكم على أسرى الحروب بالتعذيب، وعلى الأطفال والشيوخ بجر عربات النصر.

ويرمي المؤلف من ذلك، بحسب ما أورد معتز شكري في تقديمه «إلى أن يرى القارىء مبلغ المدنية في ذلك الوقت عند أعظم أمم الأرض؛ ليتحقق من أن كل ما سيراه من أساسات الإسلام الظاهرة ليس بالأمر المستعار من أية أمة من الأمم الأخرى، كما عسى أن يتوهمه بعض القاصرين.

ولا يغفل فريد وجدي التعرض إلى جانب مهم ورئيس في حياة الإنسان «الواجبات الشخصية»، ويبين كيف راعى الإسلام أن الإنسان جسم وروح، وأنه لا بد من تلبية ما يتطلبه كلاهما من مقومات الوجود والرضا، وأن تربية النفوس وحفظها من الأمراض وطريقة جعلها صالحة لتأدية وظيفتها، لا سبيل إليه إلا بأربعة أمور: تطهيرها من أدناس الأوهام، وتهذبيها بالمعلومات الصحيحة، وتعويدها على مكارم السجايا، ثم تصحيح اعتقادها.

وفي شيء من التفصيل يعرض فريد وجدي للأصول التي دعا إليها الإسلام ومن بينها: التخليص بين الإنسان وخالقه (بمعنى عدم وجود وساطة) تقرير المساواة العامة، وتعليق السعادة والشقاوة في الحياة الأخرى على الأعمال والصفات الذاتية، لا على الشفاعات والقربات، والإعتراف بحقوق العقل والعلم والمؤاخاة بين الدين والمدنية والإعتراف بناموس الترقي، وفيه يوضح المؤلف كيف خالف الإسلام الأديان كافة في إعترافه بناموس الترقي وإعتباره الإنسان مسوقاً لغايات من المدنية بعيدة لم ينلها إلى اليوم، وهو لأجل تقرير هذا الأصل في أذهان متبعيه قطع كل علاقة بينهم وبين الأمم السابقة إلا من وجهة تاريخية، فلم يعلق تعاليمه على حادثة ماضية ولم يبين أصوله على أمر سبق الزمن الذي نزل فيه.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب