كانت طاولة الغداء جاهزة، والى جانبها بضع وثائق وضعت إلى جانب صحون الطعام.
بالاسم هو غداء عمل، لكن الجميع كان متخماً أصلاً بالوجبة الروسية غير المتوقعة. لم يهضم الأوروبيون حتى الآن إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المفاجئ، بالشكل والمضمون، عن إيقاف مشروع «ساوث ستريم» (التيار الجنوبي). سنوات من التحضير لنقل الغاز من روسيا إلى أوروبا، عبر تفادي أوكرانيا تحديداً، رماها الكرملين كما لو أنه زهق من كل هذه اللعبة.
وصل المفوض الأوروبي للطاقة ماروش سيفكوفيتش إلى الاجتماع متأخراً. اعتذر من الوزراء الموجودين، مبرراً بأن المؤتمر الصحافي طال فوق المتوقع. كان ذلك صحيحاً، فالصحافيون أيضاً أصروا على معرفة الموقف الأوروبي من الإعلان الروسي، لكن من دون أجوبة شافية.
ردّد الجميع أنهم عرفوا بالخبر فقط من وسائل الإعلام. حتى مسؤولي الطاقة الايطاليين، أكدوا أن موسكو لم تنسق معهم. يأتي هذا مع أن شركة «إيني» الايطالية هي أكبر شريك في المشروع، بنسبة 20 في المئة، إلى جانب عملاق الغاز الروسي «غازبروم» الذي يمتلك النصف.
أمام هذا الوضع المربك، قررت الدول المنخرطة في المشروع عقد اجتماع مع المفوضية الأوروبية، لتنسيق رد موحد. قال مفوض الطاقة إن ثمانية وزراء ينتظرونه على الغداء لإتمام ذلك: النمسا، بلغاريا، كرواتيا، اليونان، إيطاليا، رومانيا، سلوفينيا، المجر. كلها دول كانت ستستفيد، بطرق عديدة، من ضخّ الغاز الروسي تحت البحر الأسود إلى البوابة البلغارية أولاً، قبل العبور والتفرع إلى بقية الدول المعنية.
لم تكن هذه الدول تنتظر ما حدث، رغم أن بعضها أعلن إيقاف مشاركته تحت ضغط المفوضية الأوروبية. حدث ذلك مرتين هذا العام مع بلغاريا، وتكرر مع دول أخرى، في حين مانعت دول أخرى مثل النمسا وهنغاريا. مَن كان ينتظر ذلك، ويسعى إليه بدأب، هو جوزيه مانويل باروسو، الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية، الذي غادر منصبه آخر تشرين الأول الماضي. قال مصدر أوروبي، متابع للمشروع، لـ»السفير»، إنه تحدث حوله مع باروسو مراراً، موضحاً أن «باروسو قال لي بوضوح إن هدفه هو قتل المشروع. كان يريد استخدام كل الطرق لإيقافه».
المأخذ المعلن هو عدم توافق المشروع الروسي مع القوانين الأوروبية. المقصود هو ما يُسمّى «الحزمة الثالثة للطاقة»، وهي توجيهات أوروبية صممت لكسر احتكار أي طرف لورقة الغاز في أوروبا. وتمنع هذه القوانين أن تكون الشركة منتجة للغاز، ومالكة لمشاريع تصديره، في الوقت ذاته. مشروع موسكو هو كذلك، لأن «غازبروم» هي المنتجة، والمالكة لشبكة الأنابيب بنسبة 50 في المئة.
لكن موسكو تعترض بشدة على هذه المحاكمة. في كل قمة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، في بروكسل وموسكو، كان باروسو يتجادل علناً مع بوتين حول مَن منهما المصيب. كان الزعيم الروسي يهزّ رأسه مستاء، ويقول إنه لا يمكن تطبيق القوانين بأثر رجعي.
ما يقوله بوتين، نظراً للتعاقب الزمني، ليس عليه غبار. مشروع «ساوث ستريم» تم توقيع مذكرته الأولى، بين الشركة الروسية والايطالية، في روما أواخر حزيران العام 2007. حينها لم يكن هناك أي وجود لقوانين أوروبية مانعة، بل أتت قواعد «الحزمة الثالثة» بعد أشهر من التوقيع. مع ذلك، شددت بروكسل على أنه لا يمكن تنفيذ أي مشروع، حتى لو كان موقعاً في السابق، بما يخالف المعايير الأوروبية. طلبت من موسكو تغيير صيغة المشروع، وتخلي «غازبروم» عن حصص نقل الغاز، لكن روسيا لم تقبل ذلك.
ولفت المصدر الأوروبي إلى أن باروسو كان يدرك تماماً أن هدف روسيا هو إخراج أوكرانيا تماماً من اللعبة، وتجريدها من ورقة نقل الغاز، التي استخدمتها بشكل ممتاز لتسوية آخر نزاع لها مع روسيا. الأوروبيون هم أهم زبائن الغاز الروسي، لكن نصف وارداتهم منه تأتي عبر أوكرانيا. لذلك لم تصَب كييف بالرعب، حين قطعت روسيا الإمدادات عنها في حزيران، على خلفية التأخر في سداد فواتير متراكمة. كانت تعرف أن الأوروبيين سيضغطون على موسكو، لأن آخر ما يريدونه هو تكرار سيناريو العام 2009. حينها قطعت موسكو الغاز عن أوكرانيا، فأدّى ذلك إلى تعطّل إمدادات الغاز إلى أوروبا، التي تمرّ عبر شبكة الأنابيب نفسها، مدة أسبوعين في فصل شتاء بارد.
هاجس معارضي تجريد أوكرانيا من أوراق قوتها لم يكن خاطئاً. قبل أيام وقعت روسيا مذكرة أولية لمشروع بديل مع تركيا، الهدف منه نقل 63 مليار متر مكعب وإيصالها إلى أوروبا. إنها تقريباً الكمية نفسها التي كان مقرراً أن ينقلها «ساوث ستريم»، وهي نفسها التي تعبر أراضي الجار اللدود الآن لروسيا. لكن كل شيء لا يزال في مرحلته الأولى، ولا يمكن التنبؤ بالآتي. وزير الطاقة التركي تانر يلديز قال بعد التوقيع بأيام إن العمل جار لإنجاز اتفاقية نهائية، لكن لا يزال من المبكر «نطق الكلمة الأخيرة بشأن هذه المسائل اليوم».
على كل حال، وبعد أن جرى التوقيع في أنقرة، قال مدير شركة «غازبروم» الكسي ميلر إنه حالما يبدأ ضخ الغاز إلى تركيا فإن ذلك سيعني «إلغاء» دور أوكرانيا كبلد عبور للغاز. هذا الإلغاء له أيضاً تكلفة اقتصادية كبيرة، نظراً للمنشآت الهائلة التي أقامتها كييف للنهوض بهذا الدور، ومنها كونها أكبر خزان للغاز في أوروبا.
إذا كان باروسو يضحك في سره، فإن الدول المنخرطة في المشروع الملغى لم تكن كذلك. حضر الوزراء للقاء المفوض الأوروبي، وكان الغداء صعباً، في محاولة للخروج ببيان مفيد. لكن مهلاً. الحاضرون ليسوا ثمانية. هناك وزير مفقود، مع أن المستضيف أكد للصحافيين أن الحضور كامل، وأنها ستكون إشارة قوية على «وحدة الموقف الأوروبي». حين خرج أحد الحضور من الغداء، سئل عن ذلك، فقال لمجموعة صحافيين بلهجة ممتعضة إن «المجر أقصت نفسها».
لم يحضر الوزير المجري. رغم أن ذلك ليس مفاجئاً تماماً، لكن لم يكن متوقعاً بهذه العلنية، وفي اجتماع حساس كهذا. كل هذا لا يعكس إلا مدى الضيق الذي تشعر به المجر تجاه السياسة الأوروبية. رئيس حكومتها فيكتور أوربان له جملة شهيرة في انتقاد العقوبات على روسيا، حين وصف السلوك الأوروبي بأنه «كمن يجدع أنفه كي يغيظ خصمه». مواقف بودابست المتريثة تجاه موسكو أغضبت بروكسل، وحتى واشنطن التي فرضت عقوبات على مجموعة شخصيات مقربة من أوربان. هكذا تكون المجر البلد الأوروبي الوحيد الذي يفرض عليه عقوبات كهذه من الحليف الأكبر.
لكن الأمر لا يتعلق فقط بضيق أوربان، المتهم بأنه يحمل فيروساً روسياً يجهد لشق الموقف الأوروبي. مشاكله معروفة مع بروكسل التي تنتقد بشدة سياساته الداخلية، تحت عنوان مخالفة القيم الديموقراطية الأوروبية. هناك نهج مبني على تنسيق مع روسيا، وشتيمة أن أوربان حليف بوتين لم تعد جديدة عليه.
حالما عاد الرئيس الروسي من تركيا، كان وضع على جدول مواعيده اتصالين مهمين. هاتَفَ أوربان، كما هاتفَ حليفاً آخر هو الرئيس الصربي توميسلاف نيكوليتش. فالأخير بلاده أيضاً تضررت من إلغاء مشروع نقل الغاز، وكانت تعوّل في مجالات عدة على فوائد مروره عبرها. وبحسب المكتب الصحافي للكرملين فقد دعا بوتين مباشرة نظيريه لبحث فرص العمل على مشاريع مشتركة في مجال الطاقة.
لذلك لم يحضر الوزير المجري غداء «الوحدة» الأوروبية. هذه الشعارات لا يشتريها أوربان، اليميني الموصوف بالتطرف، والمهيمن على الحكم مع حزب يمتلك غالبية ثلثي البرلمان. عقد الغداء ناقصاً، والنتائج كانت متواضعة. طلب من المفوضية تمثيل الدول المعنية بالمشروع، لاستيضاح الموقف من روسيا. المعنيون لفتوا في بيانهم إلى غرابة «الصيغة غير الرسمية» لإلغاء المشروع، عبر تعليق جانبي من بوتين.
وجاءت محاولة إظهار الوحدة بالتأكيد أن المشروع الأوروبي البديل مستمر بثقة. إنه خطة إطار تسمّى «تيار الجنوب»، ويضم مجموعة مشاريع غاز، تركز على استقدام احتياطات أذربيجان في بحر قزوين. وشدّدوا أيضاً على ضرورة عدم ترك الدول الأوروبية معزولة، وضرورة ربط شبكات الغاز الوطنية ببعضها البعض، لذلك شكلوا «لجنة رفيعة المستوى» لمتابعة تنفيذ هذه الخطط.
عينُ الأوروبيين مصوبة أيضاً على غاز البحر المتوسط، من ضمن بدائل التخلص من الهيمنة الروسية. هذا ما أعلنه وزراء السبعة زائد المفوضية. اليونان وقبرص تدرسان إمكانية استقدام احتياطات الحوض الشرقي للمتوسط من إسرائيل، لكن مشاريع عملية لم تظهر بعد. هناك تركيز أوروبي أيضاً على أهمية إقامة منشآت لاستقبال الغاز المسال، كي يمكن استيراده بعد عقود من الاعتماد على الغاز الطبيعي فقط.
لكن إلغاء «ساوث ستريم» ليس أكيداً بعد. روسيا عزت ذلك للنهج «غير البناء» من المفوضية ولعوامل سياسية. ما ترك الأمور ضبابية أيضاً هو رد فعل ألمانيا، وإحدى شركاتها منخرطة في تنفيذ المشروع. رجل برلين القوي ونائب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، زيغمار غابرييل قال إن الأولوية الآن لحل أزمة السياسة وبعدها يمكن العودة إلى التجارة والمشاريع. وقال زيغمار، وزير الصناعة والطاقة، حين جاء إلى بروكسل الثلاثاء الماضي، لحضور اجتماع مجلس وزراء الطاقة، إن قرار روسيا «ليس كارثة»، مشيراً إلى أن التوقف يعود لأزمة أوكرانيا، موضحاً أنه «يمكننا فقط أن نأمل أنه حالما يستقر الوضع، بين أوكرانيا وروسيا والاتحاد الأوروبي، يمكننا العودة إلى مباحثات جديدة» حول المشروع.
السفير





