الإرهاب ملة واحدة، من الصهيونية إلى داعش مرورا بالقاعدة.قتل أي إنسان ـ باستثناء الدفاع عن الأرض أو العرض ـ مدان بمقاييس الأخلاق والقانون في بعده الكوني، لا كما يشرع له ويلوي عنقه جبابرة الكرة الأرضية.
قتل صحافيي “شارلي إيبدو” جريمة في حق الإنسانية.لا نقاش.فالرد على الفكرة يكون بالفكرة، ودحض الأطروحة يكون بأطروحة مضادة.
لكن هل يؤمن العالم “المتمدين” حقا بهذا المنطق؟ لا أظن.
دعونا نفترض أن الإسرائيليين اقتحموا مقر صحيفة فلسطينية وصفوا كل من فيها بدم بارد وأمام الكاميرات، ما الذي كان سيحدث؟ تقريبا لا شيء: بيانات إدانة باردة وتبرير من قبل امبراطورية “مردوخ” الإعلامية أن الصحافيين يدعمون حماس والإرهاب..ثم صمت دولي أو فيتو أمريكي حتى.
واقعة اغتيال صحافيي ورسامي “شارلي إيبدو” تعيد إلى من له ذاكرة اقوى قليلا من ذاكرة الدجاج في أمة العربان اغتيال الرسام اللامح الفلسطيني ناجي العلي في لندن.
في فرنسا عرفنا من خلال إعلامهم في بضع ساعات هوية منفذي العلمية ولكننا منذ ثمانينات القرن الماضي إلى اليوم نجهل تماما الجهة التي أقبرت برصاصة غادرة موهبة عربية إعلامية فذة ضاقت بها صحف العرب، باستثناء القبس الكويتية التي تحملته قليلا قبل أن يضطر للرحيل إلى لندن.
ففي لندن بتاريخ 22 يوليوز عام 1987 أطلق مجرم إرهابي النار على ناجي فأصابه تحت عينه اليمنى، ومكث في غيبوبة حتى وفاته في 29 غشت من العام نفسه ، ودفن ابن مخيم عين الحلوة في انجلترا بعيدا عن أهله وأرضه.
ولأن الدم العربي والإسلامي رخيص عند أهله وعند العالم بالنتيجة، فقد طوي ملف اغتيال صاحب حنظلة إلى الأبد.
ما الفرق بين قتلة رسامي شارلي إيبدو ومن اغتال ناجي العلي؟
اعتقد أنه لو كانت منظمة التحرير الفلسطينية وراء العملية لما ترددت بريطانيا ومن ورائها “الموساد” في توظيف الفضيحة ولو بعد سنوات.
مرة أخرى: من قتل ناجي العلي؟
سيخرج ربما ملايين المتظاهرين ـ من الرباط إلى باريس ـ نهاية الأسبوع الحالي للتظاهر تضامنا مع ضحايا شارلي إيبدو، فليث شعري هل فكر أحدهم في رفع صورة لناجي العلي؟
سؤال آخر يجب طرحه على الضمير العالمي المتناقض المنافق: كم صحافيا عربيا مسلما قتله الصهاينة إبان حرقهم غزة بمن فيها؟
سيقولون إنها الحرب، هذا إن أعاروا المسألة أهمية من أساسها.
“شارلي إيبدو” ضحية نوع من حرية التعبير، واقول “نوعا” من حرية التعبير لأن حرية الإعلام في الغرب ليس مطلقة ولا مثالية، إلا عندما تكون ضد العرب والمسلمين.
لنعد إلى حروب الغرب على العرب خلال العقدين الأخيرين لنلحظ أي “نوع” من حرية التعبير ساد وسائط الإعلام الأمريكية والغربية، لقد توحدت النغمة لشيطنة العراق وباقي الخضارات التي قرروا تدميرها بحقد لم تعرفه البشرية من ذي قبل.
ولأن العرب والمسلمين خاصة صاروا أرخص من النفط الموجود تحت أقدامهم فمن الطبيعي أن تصبح مقدساتهم التي هي دينهم ونبيهم عليه الصلاة والسلام مادة لسخرية رسامي الكاريكاتير في هذا الزمن الأغبر.
حاشاني أن أتشفى في الزملاء بـ “شارلي إيبدو”، وأعتقد أن من يسعد بقتلهم إما مريض أو مشكوك في إنسانيته أصلا، لكني أنا العربي المسلم أعلن أني لا أكن أي احترام ولا تقدير للخط التحريري لهذه الصحيفة حينما تتطاول على ديني ونبي.
لقد عشت في الغرب سنوات وأعرف جيدا كيف يلصقون الإرهاب بالإسلام من خلال مخطط إعلامي وسياسي محبوك.هذا الضغط ـ فضلا عن حروب الغرب على الأمة الإسلامية ـ يولد ردود أفعال أبرزها التمسك بالهوية حتى في أبعادها التقليدانية أو اللجوء إلى التطرف المسلح.
تلكم هي النتيجة التي تريدها أوساط حاقدة: الضغط أكثر للدفع نحو تطرف أكبر من أجل ترسيخ أقوى لتهمة الإرهاب وتعميمها لخدمة مخططات جهنمية آنية وقادمة.
لقد أصبح كثيرون يخشون الدفاع عن هويتهم الإسلامية مخافة أن يحسبوا على الأصوليين وبالتالي “ضياع المصالح” وفقدان اللمعان الحداثي.
ثمة وصفة أخرى وهي أن تكون مسلما معتزا بدينك وحداثيا تعيش روح عصرك، وروح العصر هي العلم وسعة الإطلاع والانفتاح الفكري والتكنولوجيا والتسامح غير الخانع.الحداثة ليست الحرية في “الأوساك” والمخذرات والجنس البهائمي، ولا هي الدعوة إلى السحاق واللواط وإفطار رمضان جهرا والاستهزاء بكل متمسك بدينه.
هذه عاهات نفسية لمن عجز أن يكون ذا هوية فهو في ضياع محزن. ليغضب مني من في نفسه منها “حتى” فلن أبالي.
لو كان الله سبحانه منحني موهبة الرسم مثل الكبير ناجي العلي لكنت قصفت رسامي “شارلي إيبدو” برسوم أكثر سخرية، لي اليقين أنها أقوى وأجدى من الرصاص الذي صفاهم به المجرمان اللذان رآهم العالم في شريط فيديو.
رحم الله ناجي العلي.ليسقط الإرهاب ولتسقط معه العنصرية ومعاداة الإسلام في كل مكان.
مارك تلغراف – المغربية





