الرئيسيةالاخباريوميات عامل .. نجلاء خليلية.. ما بين عمل المزارع ومرارة الطلاق

يوميات عامل .. نجلاء خليلية.. ما بين عمل المزارع ومرارة الطلاق

images

تحصل على 50 شيقلا فقط مقابل سبع ساعات ونصف الساعة من العمل
تحلم أن تمارس يومها كأي امرأة أخرى
مشقة الشغل أرحم من حكي الناس مليون مرة
حياة وسوق – إسلام باسم
–
يزين وجهها المثقل بالهموم “سمرة ” رسمها لها زمن يفاجئها كل مرة بالجديد المرير, تمشي بخطوات متثاقلة في ساحة بيتها الواقع في بلدة جبع قضاء جنين، وعيناها تمتزجان بحزن وألم على حالها وحال أبنائها.
صباح نجلاء خليلية ليس كصباح جميع الأمهات، حيث تستيقظ مبكرا على دقات الساعة الثالثة والنصف فجرا لتحضر نفسها وتجهز سفرة متواضعة لأبنائها، بعد أن تغسل وجهها بماء بارد وتغطي بياض شعرها بوشاح قديم، وتكمل لباسها بجلباب أسود علامات بؤسها واضحة عليه، ثم تنطلق إلى عملها الساعة الرابعة والنصف فجرا لتعود على الثانية والنصف عصرا إلى بيتها تاركة فلذات كبدها وحدهم خلفها.
ركبت السيارة البيضاء المهترئة مع زميلاتها وزملائها في العمل، ووضعت رأسها على النافذة لتحاول أن تكسب دقائق من النوم تستطيع بها أن تقوى على العمل في المزارع هي و”التعساء” مثلها حسب قولها.
تنفست بعمق فالسيارة ستتوقف الآن.. ومن هنا ستبدأ معاناتها بالعمل في مزارع الكفير والنصارية والبقيعة في الأغوار الشمالية التابعة لمحافظة طوباس، فالبطاطا والبندورة والبصل والجزر أعمال نجلاء على مدار العام.
نظرات استغراب تحيط بها “ماذا تفعلين هنا؟”..”وين جوزك؟”.. والكثير الكثير، لتعلق على هذا قائلة: “والله مشقة الشغل أرحم من حكي الناس مليون مرة بس مجبورة وراي أولاد“.
نجلاء في العقد الرابع من عمرها مطلقة ولديها ثلاثة من الأبناء، تركت وحيدة في مقتبل عمرها وهذا ما دفعها للعمل في المزارع مقابل أجر مادي يساعدها في توفير لقمة العيش لأطفالها، لتعاني من مرارة الطلاق أولا والعمل في المزارع ثانيا.
وحول طبيعة عملها حدثتنا نجلاء قائلة: “بدأت عملي هذا منذ ثلاث سنوات تقريبا وأحصل على 50 شيقلا فقط مقابل سبع ساعات ونصف الساعة من العمل ونصف ساعة استراحة فطور، وأيام العمل بالشهر 25 يوما تقريبا ونعطل بأيام الشتاء القارس فقط“.
وأضافت: “حاليا نعمل في (قلاعة) البطاطا حيث نبدأ العمل الساعة السادسة والنصف صباحا حينها يكون الجو باردا جدا والأرض متجمدة وبعض الأحيان نقوم بقلاعة البطاطا بالحفر عليها بــ (عيدان) واقتلاعها من الأرض وأحيانا أخرى تكون هناك (ماكنة قلاعة) تقلع البطاطا من الأرض ونحن نجمعها في صناديق“.
وتابعت: ” الشغل شاق جدا خاصة في برودة الصباح الباكر“.
وبصوتها الهادئ أجابت على سؤالنا حول سبب اختيارها لهذا العمل تحديدا “ما في شغل إلا بالمزارع. صحيح بعمل مع الرجال في المزارع لكن لا يوجد عمل آخر اكسب رزقي من خلاله خاصة لواحدة مثلي ليست متعلمة“.
وتساءلت: “وين أشتغل؟ يعني خالصة!”.
“
هالشغل أرحم من جميلة الناس وصدقتهم. أحيانا بكون مكان العمل منيح ومناسب ما في حد بصرخ عليك ويلا خلصي واعملي هيك ومرات العكس بتشوفي الويل قبل ما تأخدي هالشواقل وتروحي، والمعلم خالد أبوعرة من عقابا هو الوسيط بينا وبين أصحاب المزارع بتابع عملنا طوال اليوم وتعامله منيح معنا، وصاحب الأرض أو أحد أقربائه بروح وبيجي ويتدخل أحيانا بالصراخ علينا إذا كان هناك تقصير من العمال”، قالت نجلاء بصوتها الذي انخفض قليلا.
وعن أكثر موقف عانت منه أثناء عملها في المزارع، حين اتصلت بها مديرة مدرسة ابنتها لتخبرها عن وقوع ابنتها واصابتها، حيث طلبت منها القدوم فورا، لكنها لم تتمكن من ذلك لأنه يتوجب عليها الانتظار حتى تأخذ سيارة من مكان عملها في الأغوار الشمالية لبلدها جبع، وتتذكر ذلك اليوم جيدا الذي كانت تقلع به البطاطا وابنتها تتألم من دونها. وتقول: “انحرق قلبي يومها“.
تغيرت نبرة حديثها واختلط صوتها بصوت ضحكتها وهي تصف لنا أولادها، ابنتها بالصف الرابع بشعرها الأسود وذكائها في دراستها وابنة أخرى لها خاطبة تدرس في جامعة القدس المفتوحة، ومحمد الصبي “المشاغب” بالصف الثالث الذي يقبل يديها قبل أن تخرج للعمل، ” ولادي كبروا قبل أوانهم.. بس ما بدي يصير فيهم مثلي، أنا انحرق عمري لحتى يضوي أعمارهم“.
تحلم نجلاء بأن تستيقظ من نومها على صوت أبنائها لتحضر لهم فطورهم وترتب وتنظف منزلها، وتعد طعام الغذاء لهم، وتستقبلهم أثناء عودتهم من المدرسة، وأن تمارس يومها كأي امرأة أخرى.. “والله مش كثير عليَّ!”.. هنا صرخت نجلاء.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب