الرئيسيةزواياأقلام واراءالقومية الدينية تجد لها موطئ قدم في الشرق الأوسط ...بقلم:بريان كاتلوس

القومية الدينية تجد لها موطئ قدم في الشرق الأوسط …بقلم:بريان كاتلوس

فهرس

 

 (الواشنطن بوست) – لعل أحد الجوانب الأكثر مأساوية في الانفجار الحالي لما يسمى “الدولة الإسلامية” في سورية وشمال العراق، هو التطهير العرقي-الديني الذي يجري ارتكابه في ظل هذه “الخلافة” السنية التي نصبت نفسها بنفسها. ويردد هذا الاتجاه أصداء القمع الأخير للأقباط المسيحيين في مصر تحت حكم جماعة الإخوان المسلمين والهشاشة المتزايدة للأقليات الدينية في سورية، بما فيها المسيحيون والدروز والنخبة العلوية الحاكمة.

في العديد من التقارير التي تصف هذا العنف، ترد نعوت مثل “بربري” و”من العصور الوسطى”، إلى جانب الإيحاء بأن هذا النوع من التعصب وعدم التسامح هو سمة مخصوصة للإسلام، ومتناقض مع علمانية الغرب المستنيرة والعقلانية.

لكنه بالقدر الذي ربما يكون عليه هذا العنف بالغ الوحشية، فإن الحقيقة هي أن هناك الكثير جداً من الأقليات في الشرق الأوسط، والتي تقف شاهدة على حقيقة أنه رغم العداوات طويلة الأمد، فإن الجماعات العرقية والطوائف الدينية التي لا حصر لها في الشرق الأوسط لم تكن ناجية فقط، بل إنها شهدت قدراً كبيراً من الازدهار في هذه المنطقة عبر نحو 1500 عام من الهيمنة الإسلامية. ويتسم ثراء الثقافة، حيث العديد من الطوائف القديمة واللغات الغامضة -التي عادة ما تعيش في مجتمعات صغيرة شديدة المحلية- والتي تسبق المسيحية والإسلام، وحتى اليهودية، بأنه ثراء ثقافي لا نظير له في أوروبا. وعلى سبيل المثال، تعود العقيدة الأيزيدية في الزمن إلى حضارة ما بين النهرين؛ كما يستمر التحدث باللغة الآرامية، لغة المسيح، في مجموعة من القرى بجوار دمشق.

لا يعني هذا القول إن الشرق الأوسط الإسلامية كان مدينة التسامح الفاضلة؛ فقد تخللت تاريخه حالات اندلاع للعنف العرقي-الديني. لكن هذه الانفجارات ظلت نادرة، بل وكانت أقل ندرة من حيث درجة فتكها بالمجتمعات المعنية. وقد ساد الزواج المتبادل بين طائفتي السنة والشيعة لآلاف السنين، كما ازدهر العلويون والدروز، الذين يعتبرهم السنة هراطقة. وبخلاف نوبات محلية متباعدة من الاضطهاد، ازدهرت اليهودية في الشرق الأوسط المسلم حتى أوقات حديثة جداً فقط، كما تتمتع المسيحية هناك بتنوع ليس له نظير في أي مكان آخر في العالم.

على الجهة الأخرى، في أوروبا الغربية الحديثة، حيث اتخذت فكرة القومية شكلاً وحيث ظهرت الديمقراطية الشعبوية، تأسست الفكرة القائلة إن لكل أمة لغة واحدة، وشعبا واحدا ودينا واحدا. وقد أقام الحكام الأوروبيون شرعيتهم على اعتناقهم للسلطة الأخلاقية العالمية والعقيدة الدينية. وبالاستطراد، تم اعتبار كل أولئك الذين لم يكونوا متشددين دينياً مشتبهاً بهم، وجرى اضطهادهم، بل والقضاء عليهم في بعض الحالات. وقد تم استهداف الجاليات المسلمة واليهودية في أوروبا بالاستئصال؛ وتم القضاء على الجماعات المسيحية المهرطقة؛ وأفضى الانقسام البروستانتي-الكاثوليكي إلى سلسلة طويلة من الحروب الدموية. ولم تكن الإيديولوجيات العلمانية التي ظهرت في القرن الماضي، مثل الستالينية والفاشية، أكثر تسامحاً.

في الشرق الأوسط وشرق المتوسط الإسلامي، تأسس التنوع منذ زمن طويل وشكل جزءاً من ثقافة المنطقة كضرورة عملية، إن لم يكن كفضيلة في حد ذاته. وقد تم تصور الدولة هنا تقليدياً على أنها مجموعة من الطوائف العرقية والدينية المتمايزة، حيث تكون إحدى المجموعات مهيمنة وتكون مجموعات أخرى تابعة رسمياً. وقد تمتعت المجتمعات الذميّة في هذه المنطقة، تاريخياً، بحقوق منصوص عليها في القانون، وبوجود أنظمتها العدلية الموازية الخاصة. كانت المجموعة العرقية-الدينية، بدلاً من الفرد، محمية ومتمتعة بالامتيازات. وفي الوقت الذي ربما تكون فيه الحريات الشخصية مقيدة، فإن الاستقرار الاجتماعي كان المكافأة. وكانت فكرة العدالة، أكثر من المساواة، هي المطمح في مثل هذا الترتيب، لأن العدالة هي التي تضمن بقاء المجتمعات الضعيفة. وهكذا، لم يقتصر واقع الأقباط المسيحيين المصريين على النجاة والديمومة فحسب، وإنما احتفظوا أيضاً بتماسكهم، وهويتهم، وحتى بنفوذهم في قطاعات الإدارة والتمويل حتى يومنا هذا.

يعكس ذلك نموذجاً مختلفاً تماماً من التسوية السياسية عن ذلك الذي تم تطويره في الغرب، والذي ربما يبدو رجعياً في نظرتنا نحن الغربيين. ولكنه ترتيب تطور عضوياً وظل عاملاً طوال نحو 14 قرناً.

وإذن، لا يشكل انهيار التسامح الديني والتعددية في الشرق الأوسط اليوم مظهراً من مظاهر نوع من الهمجية الإسلامية بشكل خاص، أو دليلاً على العودة إلى العصور الوسطى. كما أنه غير ناجم عن حافز ديني، رغم أنه قد يكون كذلك من حيث التعبير. إنه في الحقيقة عرَض من أعراض ما نسميه بالتحديث، وإطاره السياسي: القومية.

لم يتم فرض القومية من النمط الأوروبي على الشرق الأوسط؛ وقد تطلعت الطبقات السياسية المحلية الناشئة إلى القومية كنموذج منذ أواخر القرن التاسع عشر فصاعداً بسبب ارتباط المفهوم بالحداثة والازدهار. وفي واقع الأمر، وتماماً عن طريق الصدفة، عملت الحدود التعسفية لدول المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى على كبح الحركات الوطنية عن طريق رسم القوى الاستعمارية حدوداً لم تتطابق مع “أمم” متجانسة عرقياً، وهو ما أفضى بالتالي إلى ضمان أن تبقى العديد من الدول الجديدة متنوعة في تركيباتها.

اليوم، يبدو أننا نشهد عملية إعادة ترتيب قومية في باقي دول الشرق الأوسط -عملية قمنا نحن بمسارعتها منذ العام 2002 عن طريق زعزعة استقرار وتقويض تلك الدول التي كان قد تم تخليقها اصطناعياً، والتي كانت تركة الاستعمار الأوروبي. وإذا كان هذا هو واقع الحال، فربما يمكننا أن نتوقع قدراً أكبر بكثير من “بربرية القرون الوسطى” -خلال المدى المتوسط على الأقل. ولكن ما هو البديل؟ هل يجب علينا دعم الأنظمة الاستبدادية، وهي تكوينات قمعية في حد ذاتها؟ نحن نقول إننا نريد الدول العربية الإسلامية أن “تتقدم”، ولكن هل نريد شرقاً أوسط تستعمره النخب الوهابية؟

ليست الدروس المستخلصة من ماضينا في الغرب مشجعة بشكل خاص. فقد استغرق الأمر أوروبا 500 سنة (والعد ما يزال مستمراً) حتى تؤسس حدودها الوطنية -نصف ألفية من الحرب والإبادة الجماعية واسعة النطاق. وحتى الآن، يبين استمرار اتجاهات كراهية الأجانب والعنصرية ومعاداة السامية وكراهية الإسلام أن مجتمعاتنا لم تنجح بالكامل في عبور تحديات التنوع. ومهما يكن الشر الكامن في قلب الدولة الإسلامية، فإنه يبقى من نفس نوع الشر الكامن الذي يتربص في قلب البشرية جمعاء.

ربما يكون كل ما يمكننا القيام به في الشرق الأوسط الآن، هو تشجيع تطوير المؤسسات على أساس الشمولية، وإنما التي يتردد صداها ويتناغم مع ثقافات تلك الأراضي، بدلاً من محاولتنا أن نفرض عليها نماذج غير المتمسكة بالكمال، والمتجذرة في تجربتنا الخاصة، والتي سوف لا يشعر أهل تلك المناطق تجاهها بأي تقارب أو جاذبية. يجب أن نفعل ذلك، ونعد أنفسنا لاستقبال الأسوأ.

القدس دوت كوم

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب