الرئيسيةزواياأقلام واراءسياسات بوتن: سلسلة من النجاحات ...بقلم : ريتشارد فايتز

سياسات بوتن: سلسلة من النجاحات …بقلم : ريتشارد فايتز

فهرس
تشنجدو – منذ غزت روسيا شبه جزيرة القرم في الصيف الماضي، اعتمد الغرب على استراتيجية العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية لإجبار الكرملين على سحب دعمه للمتمردين في شرق أوكرانيا. ولكن سلسلة النجاحات التي أحرزها الرئيس الروسي فلاديمير بوتن في الآونة الأخيرة، وخاصة مع إيران وكوريا الشمالية وباكستان، أبطلت فعالية هذه الاستراتيجية.
لا شك أن بوتن كان موضع تجاهل في قمة مجموعة العشرين التي انعقدت في بريسبان مؤخراً، وقد وبخه مضيفوه الأستراليون وزعماء الغرب في اجتماعات ثنائية على انتهاكه سيادة أوكرانيا وخلق صَدع مع شركائها الاقتصاديين في الغرب. وغادر بوتن الاجتماع مبكراً، معلناً أن العقوبات الغربية تضر بالاقتصادات الأوروبية أكثر مما تضر بروسيا على أي حال.
لكن بوتن لم يرتدع، فشرع في إطلاق مبادرات كبرى مع بلدان ذات أهمية أمنية حيوية بالنسبة للغرب، وهو ما من شأنه أن يدعم نفوذ روسيا الدبلوماسي ويعزز قيمتها بالنسبة لشريكتها الأكثر أهمية -وإن كان ذلك ما يزال يجري على استحياء- الصين. وكما أعلن بوتن في مقابلة أجريت معه مؤخراً، فإن حكومته ملتزمة بضمان أن لا تصبح روسيا دولة معزولة دولياً خلف ستار حديدي جديد.
مع إيران، أنشا الكرملين بنكاً مشتركاً يهدف إلى تمكين الشركات الروسية من توسيع التجارة الثنائية دون الاضطرار إلى استخدام العملات الغربية أو القلق بشأن العقوبات المالية الغربية. وتقوم هذه الصفقة على اتفاق “النفط في مقابل السلع” الذي أبرِم هذا الصيف، والذي تحصل روسيا بموجبه في مقابل سلعها على ما قد يصل إلى 500 ألف برميل من النفط الإيراني يومياً.
كما تقدم التعاون الأمني الثنائي بين البلدين أيضاً، فنفذت البحرية الروسية تدريباً بحرياً دام ثلاثة أيام مع الأسطول الإيراني في بحر قزوين. وحتى الآن، منيت الجهود الرامية إلى إضعاف علاقة روسيا مع إيران – ناهيك عن حليفتها الرئيسية الأخرى في الشرق الأوسط، سورية- بالفشل المتكرر. وفي تشرين الأول (أكتوبر)، انتقد سفير روسيا إلى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، المبادرة التي قادتها الولايات المتحدة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” لأنها لم تُشرِك إيران وسورية، الدولتين اللتين وصفهما بأنهما “حليفتان منطقيتان في مكافحة الإرهاب في المنطقة”.
وعلاوة على ذلك، وقّعت روسيا اتفاقية من شأنها أن تضمن استمرار شركاتها كلاعب أجنبي مهيمن في قطاع الطاقة النووية المدنية في إيران، حتى إذا أدى الاتفاق النووي المرتقب إلى رفع العقوبات التي تفرضها القوى الغربية على إيران. وبموجب شروط هذه الاتفاقية، تساعد روسيا إيران في بناء مفاعلين نوويين إضافيين على الأقل، وقد يصل العدد إلى ثمانية مفاعلات.
سوف تكون هذه المحطات النووية الجديدة، شأنها شأن أول مفاعل إيراني بنته روسيا في بوشهر، خاضعة لمراقبة الهيئة الدولية للطاقة الذرية، ولن تستخدم غير الوقود النووي الروسي الصنع، والذي من المقرر أن يُعاد إلى روسيا لتخزينه لمنع إيران من تطوير تكنولوجيات نووية خطِرة. ومع ذلك، وافقت روسيا على تدريب المزيد من الخبراء النوويين الإيرانيين، وربما تسمح لإيران بتصنيع بعض مكونات قضبان وقود اليورانيوم بنفسها.
وفي كوريا الشمالية، أحرزت الدبلوماسية الروسية تقدماً أكبر. ففي الصيف الماضي، أعفى بوتن كوريا الشمالية من 90 % من ديونها المستحقة لروسيا منذ الحقبة السوفاتية، والتي بلغت قيمتها 11 مليار دولار أميركي، وأعلن أن المليار دولار المتبقية قد تستخدم كجزء من برنامج “الدين في مقابل المساعدات”، وتمويل مشروعات الصحة والطاقة والتعليم في كوريا الشمالية.
وقد فتح هذا الطريق أمام مشاريع تنموية جديدة وزيادة الاستثمار الثنائي والإقليمي. وعلى سبيل المثال، تخطط الشركات الروسية للمساعدة في إعادة بناء شبكة السكك الحديدية في كوريا الشمالية في مقابل الحصول على الموارد المعدنية غير المستَغلَّة في البلاد.
كما استضافت روسيا عدداً من قادة كوريا الشمالية أكثر من أولئك الذين استقبلهم أي بلد آخر هذا العام، بما في ذلك تشوي ريونج هاي، المبعوث الخاص للزعيم المنعزل كيم جونج أون، وهو أحد كبار المسؤولين في حزب العمال الحاكم، والذي قضى أسبوعاً كاملاً في عقد لقاءات مع قادة روس سياسيين واقتصاديين. والواقع أن مسؤولين روس أشاروا إلى أن بوتن على استعداد ليصبح أول رئيس دولة يلتقي بكيم، الذي يرغب بشدة في تعميق العلاقات مع روسيا للتعويض عن العلاقة المتعثرة مع الصين.
كان تشرين الثاني (نوفمبر) أيضاً شهراً طيباً للدبلوماسية الروسية في باكستان، حيث أصبح سيرجي شويجن أول وزير دفاع روسي يزور باكستان منذ العام 1969. وخلال فترة إقامته في إسلام أباد، وقع شويجن ورئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف اتفاقاً غير مسبوق، والذي قد يؤسس إطاراً للتدريبات العسكرية المشتركة، والزيارات المتبادلة، فضلاً عن حوار واسع النطاق حول القضايا الأمنية الإقليمية.
بالإضافة إلى ذلك، خفف الكرملين من معارضته لحصول باكستان على العضوية الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون، مع الصين وكازاخستان وقيرغيزستان وروسيا وطاجيكستان وأوزباكستان. كما وافقت الحكومة الروسية على بيع باكستان عشرين طائرة مروحية هجومية ثقيلة لمساعدتها في مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات.
حتى الآن، كانت روسيا ممتنعة عن بيع معدات عسكرية متقدمة لباكستان، من أجل تجنب إفساد علاقتها بالهند. ولكن، مع ازدياد العلاقات الاستراتيجية بين روسيا والهند قوة، بما في ذلك من خلال إنشاء آلية مشتركة لشراء وتسليم الأسلحة الروسية للحكومة الأفغانية، اكتسب بوتن الثقة الكافية لتعزيز التعاون مع باكستان. ويشير الإعلان عن العديد من الاتفاقيات الثنائية الأخرى أثناء زيارة بوتن الأخيرة إلى الهند إلى أن ثقته كانت في محلها.
من الممكن أن يزيد كل ذلك من نفوذ روسيا مع الصين، التي لديها مصلحة في زيادة نفوذها على إيران، وكوريا الشمالية، وباكستان، ولكنها سعت بمهارة إلى استغلال عزلة روسيا. وتمثل ثروة روسيا الهائلة من الغاز الطبيعي أيضاً إغراءً قوياً بالنسبة للصين، التي مررت صفقة صعبة في اتفاق توريد الغاز الذي أبرِم مؤخراً بين البلدين بقيمة 400 مليار دولار على مدى ثلاثين عاماً.
لقد نجحت المناورات الروسية الأخيرة في تعقيد الجهود الدبلوماسية الأميركية إلى حد كبير من خلال إعطاء الجهات الفاعلة الإقليمية البدائل عن الإذعان للضغوط الأميركية بشأن قضايا مثل منع الانتشار النووي ومكافحة الإرهاب. وعلى الرغم من أن بوتن لم يخرق الإجماع الدولي حول هذه القضايا، فإنه قادر على عرقلة التقدم من أجل إرغام الولايات المتحدة على تغيير سياساتها تجاه أوكرانيا وسورية، وبلدان أخرى. ونتيجة لهذا، فإن الوضع الأمني العالمي الخطر قد يصبح أشد خطورة.

*زميل رفيع ومدير مركز التحليلات السياسية-العسكرية في معهد هودسون.
*خاص بـ “الغد”، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب