إن تشهد مدينة رام الله وهي ‘العاصمة المؤقتة’ للسلطة الوطنية مظاهرات شعبية خلال يومين أوصلت الى استخدام قوات الأمن أسلحتها ورصاصها وعصيها وكل ما لديها مخزونا من أدوات قمع، قبل أن تصل دفعة جديدة من الأسلحة بعد موافقة سلطة الاحتلال، ظاهرة تستحق أن يتم التفكير بها بشكل ‘سياسي’ وليس البحث عن ‘حل أمني’ أو حصرها بمجرد ‘زوبعة شبابية’ ستنتهي سريعا..
وبعيدا عن أرقام المشاركين بالمظاهرات التي أنتجت مصابين برصاص يقبعون في مشفيات رام الله بعضها خطيرة، ومعتقلين في سجون السلطة وبالأدق الشرطة والأمن بينهم صحافيين، فالدلالة الأهم هي لماذا خرجت هذه الفئة العمرية دون غيرها، السؤال الذي يجب التوقف أمامه بعيدا عن نصائح ‘أهل السوء’ أو ‘أسلوب أهل الاستبداد’، كما حدث تكرارا لمشهد حراكي عربي سابق.. بدأ بمظاهرة شبابية في يوم 25 يناير بمصر لتنتهي باسقاط رأس النظام ولم تهدأ بعد رغم فوز مرشح الاخوان برئاسة مصر..وفي رام الله، بدأت مجموعة ترفض زيارة لـ’مجرم حرب’ لأرضها كونه المسؤول الأول عن عدد من ‘الجرائم’ بدأت باغتيال قادة ونشطاء خلال ‘المواجهة الكبرى’ للعدوان الاسرائيلي – الأمريكي عام 2000 ضد السلطة الفلسطينية ارضا ومؤسسات وزعيم، وكان مشاركا رسميا في حصار فاغتيال القائد الخالد ياسر عرفات، كان طبيعيا أن يخرج رافضالهذه الزيارة، مئات من شباب لا زالت ‘الكرامة الوطنية’ نقية بداخله، لم يصاب بأمراض ‘الشيخوخة السياسية’ المنتشرة راهنا في المشهد القائم في ‘بقايا الوطن’..
تحرك الشباب وكان لهم أن يكونوا سندا للقيادة الفلسطينية والرئيس عباس،خاصة بعدما تحدثت قيادة فتح قبل أيام عن وجود ‘مؤامرة دولية’ ضد الرئيس، بل أن تصريحات ليبرمان رآها بعض قيادات السلطة مؤشرا مضافا لـ’المؤامرة’، كان لشباب يختزن عنفوان الوطنية الصادقة أن يكون رأس حربة في التصدي للمؤامرة تلك، ولكن ما حدث جلب ‘عارا سياسيا’ بأن تطلق اجهزة الأمن رصاصها على شباب فتي لم يكن مسلحا أو ‘مخربا’ أو ‘متآمرا’، انطلق الرصاص من اجهزة دون أن تدرك أن النهايات المأساوية تبدأ من تصرفات طائشة.. واعتقدت قيادة ‘الامارة الأمنية’ أن الصمت سيكون ‘سيد الموقف’ ضد تصرفاتهم.. دون تفسير لهذا الاعتقاد، باعتبار أن صمت بعض وسائل اعلامهم يكفي لـوأد الحراك’.. سقط جرحى واعتقل من اعتقل..
وبدلا من الادراك السليم لخطأ ما حدث قبلا، تكرر ذات النهج بشكل اكثر دموية، مع حراك الشباب ثانية رغبة في الذهاب لمقر الرئيس ( المقاطعة) للمطالبة باطلاق سراح من اعتقل من زملائهم ومحاسبة من أطلق الرصاص عليهم، ولأن ‘أمراء الأمن’ بات لهم سطوتهم الخاصة فوق أرض ‘بقايا الوطن’ في جناحية المكسورين، تكررت المواجهة العسكرية فاطلق الرصاص وضربت الفتيات خاصة، بعنف غير مسبوق، وجرح من جرح واعتقل من اعتقل.. تكرر مشهد ‘المواجهة’ بتطور سياسي قاده هتاف لأول مرة في سماء فلسطين: ‘يسقط يسقط حكم العسكر’.. ولقائد الشرطة قالوا ‘أرحل’.. هتافات تتماثل مع هتاف شباب مصر الذي أسقط الاستبداد.. ولم ينحصر الخبر في نطاق ضيق كما اعتقد ‘أمراء الاستبداد الجدد’، وكانت الأخبار عالمية لتنشر ما قال شباب فلسطين، فلم تجد السلطة خيارا من تشكيل لجنة لتبحث ‘أحداث’ رام الله، وصف يشكل تقزيما للدم والضرب والاعتقال الى ‘أحداث’ هي بداية خاطئة لمواجهة الحقيقة..
حراك لن يدخل الجحور تحت سيف ‘المؤامرة’، وقبل أن يذهب الحراك بعيدا يجب اتخاذ قرار فوري بعزل كل مسؤول عن اطلاق الرصاص من ‘أمراء الاستبداد الجدد’، ومحاسبة كل من اصدر أمرا باطلاق رصاصة على شباب المستقبل الوطني، مسألة لا تحتاج لتشكيل لجنة خاصة.. فالقرار بيد الرئيس عباس وليس غيره ليرسل رسالة آمان وعد بها يوما، انه سيترك موقعه يوم أن يخرج ضده عشرة مواطنين، ولأن الظرف العام وتعقيدات القضية السياسية لا تسمح بالوفاء بهذا ‘العهد’ المتلفز قبل اشهر، فالمطلوب فقط احترام مطالب اقالة من اطلق الرصاص فورا، ومحاسبته بما يليق وقطرات دم زكية سالت في شوارع رام الله بالقرب من ‘المقر الرئاسي – المقاطعة -‘..كي لا تصبح ‘اسما على مسمى’..!
وبعد الاقالة والمحاسبة يجب تشكيل ‘لجنة سياسية’ لدراسة مسببات الغضب الشعبي، الذي تجسد في حراك مئات قد تتعمق لو لم يتدارك الرئيس جوهر الأزمة، والتي قد تتسع جدا لو لم يتم التعامل المسؤول مع جوهرها، بعيدا عن ‘نظرية المؤامرة’ التي يقول بها بعض ‘الفاشلين’ جدا.. ولولا خوف بعض الفصائل من قطع الأرزاق لخرجت تشارك، ولولا ‘انتهازية’ حماس السياسية وحساباتها التنظيمية وخوفها من ضربة احتلالية لخرجت ايضا.. العلاج السريع هو الداء.. والانتظار أو المماطلة مصيره ظاهر فيما يحيط بنا..
لطرد كل من أطلق الرصاص وفورا يدخل السجن بدلا من شباب حر يبحث عن تحرر وطنه..خيار لا يحتاج لتردد مهما اعتقد ‘مستشاري السوء’ أن حراك ‘العشرات’ ليس سوى ‘زوبعة’ تنتهي برصاصة أو عصا على جسد فتاة.. الدماء التي سالت فوق طرقات رام الله ليست ‘مياه صرف’، ولعنتها لن تطول..حذار من استمرار الاستخفاف بطاقة أهل بقايا الوطن..
ونعتذر للكاتب الكبير احسان عبد القدوس في استعارة اسم روايته وزجها في أحداث لم تكن على بال شعب يبحث حريته وتحرره..
ملاحظة: اعادة الربط بين تحديد موعد الانتخابات الفلسطينية وتشكيل الحكومة التوافقية رسالة غير مفهومة.. الاتفاق التنفيذي الأخير كان واضحا جدا.. حكومة لفترة أقصاها 6 أشهر.. وإن لم تتمكن من الانتخابات تتشكل ‘حكومة دائمة’.. ليش العك السياسي!
تنويه خاص: سلاح ‘الراتب’ يبدو أنه بات ‘سلاحا’ قهريا.. يستخدم ‘زمن التمرد’ السياسي !




