
بعد مرور 70 عاماً، ربما أصبحت الذاكرة بصدد الأفول. فقد أصبح الناجون في الثمانينيات من أعمارهم الآن، ولم يعد بوسع الكثير من اليابانيين الشباب ذكر التواريخ، عندما أحرقت القنابل النووية الأميركية كلاً من هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين. لكن النقاش يصعد إلى السطح ثانية مع كل ذكرى، حماسياً، عاطفياً ومعقداً كما هو شأنه على الدوام.
لا خلاف مطلقاً على الوحشية الرهيبة حين أودت قنبلتان بحياة أكثر من 200.000 شخص في المدينتين في آب (أغسطس) من العام 1945، ومعظمهم من المدنيين، والكثيرون عاشوا في عذاب لا يوصف. كما ليس هناك أي شك في أن تلك القنابل افتتحت حقبة أصبح فيها بقاء الجنس البشري نفسه رهينة للنزاعات الجيو-سياسية. والأسئلة التي ما تزال ماثلة، والتي لا يمكن حلها أبداً، هي ما إذا كانت تلك التفجيرات ضرورية أو أخلاقية من الأساس.
لقد أصبحت هيروشيما وناغازاكي مزارات للسلام، وتعبيراً سلمياً يعلن أن الأسلحة النووية ليست سوى شر مطلق. وقد انضم عشرات الآلاف من الناس إلى رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي والسفيرة الأميركية في اليابان، كارولين كينيدي، في هيروشيما يوم الخميس الماضي لإحياء الذكرى السنوية للحظة التي انفجرت فيها القنبلة المكناة “الولد الصغير” فوق المدينة.
هذه الاحتفالات، مع دعواتها السنوية المتكررة لنزع السلاح النووي، يمكن أن تبدو هادئة وواضحة لا لبس فيها. لكن السرد والسياسة تحت السطح ما تزال مضطربة. وتشكل حرب المحيط الهادئ، وذنب اليابان وقابليتها للوم، وتلك التفجيرات نفسها، كلها، شؤوناً تقع في صلب سياسة السيد آبي. وقد أثار رئيس الوزراء قلق اليابانيين السلميين بميله إلى رفع بعض من قيود ما بعد الحرب عن الجيش الياباني، كما أثار حفيظة ضحايا نزعة العسكرة اليابانية في زمن الحرب، وخاصة من الكوريين والصينيين، لدى إشادته بقتلى الحرب اليابانيين الذين تم إحياء ذكراهم في ضريح ياسوكوني، وهم مجموعة تضم أشخاصاً مدانين بارتكاب جرائم حرب.
في الولايات المتحدة، يقول السرد السائد إن القنابل الذرية كانت ضرورية لجعل اليابان تركع على ركبتيها من دون غزو كان ليتسبب بوقوع قدر أكبر بكثير من الضحايا، سواء من الأميركيين أو اليابانيين. وهناك الأطروحة التي تقول إنها كانت هناك حاجة إلى استخدام تلك القنابل للحد من الطموحات السوفياتية بعد الحرب العالمية الثانية. لكنه لا يمكن أبداً إثبات أي من الحجتين.
وراء كل هذه المناقشات تكمن الحقيقة الغامرة، وهي أنه بعد 70 عاماً من ظهور غيوم الفطر فوق هيروشيما وناغازاكي، ما تزال الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي استخدمت ذلك السلاح.
لم يكن هاري ترومان، الرئيس الذي أمر بشن ذلك الهجوم، قد شك مطلقاً في وجاهة قراره -بالنسبة إليه، كانت القنبلة الذرية “مجرد سلاح قوي آخر في ترسانة الخيِّرين”. لكن أولئك الذين صنعوها لم ينظروا أبداً إلى الأمر بنفس تلك الطريقة. وقد اقتبس جيه. روبرت أوبنهايمر، الفيزيائي الذي لعب دوراً مركزياً في تطوير القنبلة الذرية، قوله المشهور من الكتاب الهندوسي المقدس بعد إجراء الاختبار النووي الأول: “الآن أصبحتُ أنا الموت، ومدمر العالم”.
ليس هذا إرثاً سهلاً وتركة يمكن حملها. وكان هذا واضحاً في المناقشات الموسومة بالقلق البالغ حول قرار عرض “إينولا غاي”، الطائرة من طراز “بي-29” التي ألقت القنبلة على هيروشيما، بعد تجديدها، في المتحف الوطني للطيران والفضاء، في الذكرى الخمسين للقصف.
وسوف تستمر النقاشات والأسئلة، وينبغي أن تفعل. إن العالم لم يعد هو نفسه منذ سقطت القنابل على هيروشيما وناغازاكي، و-كما تبين الجهود المبذولة للحد من برنامج إيران النووي- فإن التهديد بسلاح نهاية العالم ما يزال حاضراً معنا إلى حد كبير.
سيرجي سكيمان – (نيويورك تايمز)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Remembering Hiroshima, and How It Changed the World




