افيغدور ليبرمان ، وزير الخارجية الإسرائيلي ، خرج عن صمته الذي التزمه مؤخرا وأرسل رسالة إلى وزراء خارجية الرباعية ، الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والسكرتير العام للأمم المتحدة ، بان كي مون، يطالبهم فيها بالإسراع للتخلص من الرئيس الفلسطيني محمود عباس .
هذه المرة اجتهد ليبرمان في ضبط نفسه إلى حد ما عندما وضع خطة ” ديمقراطية ” للتخلص من أبو مازن ، فهو يشير على القيادات الدولية بأجراء انتخابات في فلسطين تؤدي إلى خسارة عباس وتأتي برئيس فلسطيني جديد.
بغض النظر عن تفاصيل ما يطرحه هذا الوزير الذي يعتبر الرجل الثالث في أهميته في الحكومة الإسرائيلية بعد رئيسها بنيامين نتنياهو ، ووزير أمنها أيهود باراك ، وسنأتي على ذلك لاحقا ، إلا أن الأسلوب الذي طرح فيه ليبرمان اقتراحه ، يفضح التوجه الكولونيالي العنصري الذي يحكم تفكير وتصرف ليبرمان حتى حين يحاول أن يكون دبلوماسيا.
ليبرمان يتعامل مع المناطق الفلسطينية المحتلة على أنها مزرعته الشخصية أو على الأقل مزرعة إسرائيلية يتحكم فيها ، فيعلن الانتخابات أو يستدعي الدول العظمى لإعلان الانتخابات الرئاسية فيها متى شاء ، وكلما رأى ذلك يصب في مصلحة الاحتلال وحكومته. غير وارد في حسابات ليبرمان رغبة الشعب الفلسطيني وإرادة قيادته ومؤسساته الوطنية أو اعتباراتها والظروف الموضوعية التي تحكم سير الأمور هناك.
ليبرمان يدعي في رسالته التي جرى الكشف عنها أمس الأول أن الرئيس الفلسطيني عباس أصبح عقبة في وجه السلام الإسرائيلي – الفلسطيني وهو يعرقل المساعي الإسرائيلية ، بحسب ادعاء ليبرمان- للعودة إلى طاولة المفاوضات ، بل ينعته بأنه يمارس الإرهاب السياسي .
هذا طبعا كأن الحكومة الإسرائيلية تسعى وتبذل كل الجهود للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين ، حتى أنها أعلنت استعدادها للانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران 1967 وأوقفت جميع عمليات البناء في المستوطنات ، وتقرّ بقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية وتعترف بحق اللاجئين الفلسطينيين بحسب القرارات الدولية ، وعباس وحده الذي يتعنت في رفض كل ذلك ويتمنع عن الجلوس إلى الطاولة التي جرى تحضيرها تاركا المفاوضين الإسرائيليين ينتظرون تحت الرعاية الدولية أن يرضى ويأمر أترابهم من طاقم المفاوضات الفلسطيني العودة.
رسالة ليبرمان لا تتعدى كونها محاولة بائسة لتغطية شمس الحقيقة بعباءة مهترئة من التحريض الأرعن على الرئيس الفلسطيني ، ومن الأكاذيب التي لم يعد يصدقها حتى الرأي العام الإسرائيلي.
ليس غريبا أو جديدا أن يقوم أحد قباطنة دولة الاحتلال بتحميل وزر الجمود السياسي وانسداد الأفق الدبلوماسي للشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية ، هذا ما يقوم به كل من أتيح له النطق فيما يتعلق بالاحتلال واستمراره من صغار وكبار الساسة الإسرائيليين المنضويين تحت هذه الحكومة أو يجولون في أطرافها.
الجديد في رسالة ليبرمان لا يكمن في هذه الادعاءات ولا في التحريض على أبو مازن ، على خطورته ، الجديد هو توقيت هذه الرسالة.
ليبرمان صمت دهرا، أو أشهرا، ونطق كفرا، فلماذا الآن؟ إنّ إعلان القيادة الفلسطينية عن نيتها تجديد طلب الاعتراف بدولة فلسطين في الأمم المتحدة ، هذه المرة عضوا غير كامل الحقوق ، قد حرك شيئا ما في المياه الآسنة للسياسة الليبرمانية الخارجية.
وزارة الخارجية الإسرائيلية على علاّت وزيرها وعماه اليميني المتطرف ليست غبية ، فموظفو الوزارة وخبراؤها يعلمون جيدا أنه في حال تقدمت السلطة الوطنية الفلسطينية بطلب الاعتراف هذه المرة فستحظى به كون الأمر خاضع للتصويت في الهيئة العامة وغير مرتبط بموافقة مجلس الأمن كما هو الحال في طلب الاعتراف بفلسطين دولة عضوا كامل الحقوق.
الجولات الدبلوماسية الفلسطينية تؤكد أن لديها الغالبية المضمونة لإقرار الاعتراف في الهيئة العامة للأمم المتحدة ورسالة ليبرمان تأتي أساسا لدق ناقوس يوقظ من خلاله أعضاء الرباعية لتفعيل الضغط على القيادة الفلسطينية ومنعها من تقديم الطلب في شهر أيلول.
هذا الضغط الذي بدأ منذ أكثر من عام على القيادة الفلسطينية لردعها عن تنفيذ مبادرة أيلول مستمر حتى اليوم ومؤشراته واضحة في التردد الذي تبديه أحيانا بعض الأطراف الفلسطينية، وهو ضغط تتمرس فيه الإدارة الأمريكية ودول مركزية في الاتحاد الأوروبي بمساعدة دول النفط والأنظمة الخليجية التي تمارس في الحالة الفلسطينية ما تمارسه في حالات عربية أخرى من التلويح بالدعم المادي أو حجبه لاقتناص المواقف السياسية.إن الالتفات إلى التوقيت الذي أصدر فيه وزير خارجية حكومة الاحتلال رسالته هام في فهم الأهداف قصيرة المدى المرام تحقيقها في هذه الحالة، إلا أنّ تتبع المضمون يجعل الصورة أوضح فيما يتعلق بالأهداف بعيدة المدى لرسالته. هذه الرسالة هي حلقة واحدة ضمن سلسلة من التصريحات التحريضية ضد الرئيس الفلسطيني أبو مازن سبقتها تصريحات المأفون ليبرمان بعد الخطاب التاريخي الذي ألقاه أبو مازن في أيلول الماضي في الأمم المتحدة لدى تقديم طلب الاعتراف بدولة فلسطين عضوا، عندها اعتبر ليبرمان أبو مازن ” عقبة في طريق السلام يجب إزالتها ” وانه يعرقل أية إمكانية لإحلال السلام ” .
هذه الحملة شبيهة وتذكر بالحملة التي شنّها السياسيون الإسرائيليون من ضمنهم شارون ضد القائد الراحل ياسر عرفات ، حين استعملوا الخطاب الذي مأسس لفكرة أن عرفات أصبح عقبة في وجه السلام ، إلى أن أزالوا في عملية اغتيال ما زال التحقيق جاريا فيها حتى اليوم أبو عمار من طريقهم.
نتنياهو من طرفه وباراك سارعا إلى التنصل من تصريحات وزير الخارجية وأكدا أنها لا تمثل بأي حال السياسة والنهج القائم في الحكومة. أمر مثير للسخرية والشك أن يعتقد رئيس حكومة أن وزير خارجيته لا يمثل سياسة حكومته في قضية القضايا السياسية ولا يقوم بأي رد فعل غير التنصل من هذه التصريحات.
حكومة تحترم نفسها وبرنامجها السياسي ، وأنا لا أدعي أن هذه الحكومة الإسرائيلية اليمينية هي كذلك ، لا تكتفي بذلك وإنما على الأقل تقوم بخطوات أكثر حسما لتوضيح الموقف السياسي الحقيقي بأن تعزل مثلا الوزير “المتمرد”، الذي قدم أكثر من سبب لخطوة كهذه حتى الآن ، وان تطالبه بسحب رسالته والتراجع عن مضمونها علانية على الأقل .
هل سيحدث ذلك ، لا أعتقد أن أيا من هذه الخطوات ستنفذ بحق ليبرمان ، وذلك لأسباب عديدة من ضمنها الحسابات الائتلافية لضمان ثبات هذه الحكومة ، والاهم كون هذا الموقف الذي أعلن عنه ليبرمان حقيقة ليس بعيدا عن موقف هذه الحكومة الرافض لأية خطوة في اتجاه إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية .
بعد هذا التحريض وإزاء هذا الموقف ورغم الوعي التام للضغوط التي تمارس على القيادة الفلسطينية لردعها عن القيام بأية خطوة جدية تخرج القضية برمتها من حالة الركود هل يملك الرئيس الفلسطيني والشعب الفلسطيني خيارات أخرى سوى التقدم إلى الأمام؟ فعندما تأتي النيران على خط الرجعة وتبقى مستعرة لا يملك الأسنان أو الشعب الذي يناضل أن يراوح مكانه وإلا افترسته النيران وقضت على ما بقي من مساحة مستقبلية.
- عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي – رئيسة تحرير جريدة ( الاتحاد ) الحيفاوية





