الأربعاء, أبريل 29, 2026
spot_img
الرئيسيةالاخبارالمهاجرون الضروريون

المهاجرون الضروريون

index
برلين- إنه لشعور مبهج حقاً ذلك الذي يتملك المرء عندما يصل إلى ألمانيا، حيث يحمل مشجعو كرة القدم لافتات ترحب باللاجئين من الشرق الأوسط الذي مزقته الحرب. لقد أصبحت ألمانيا أرض الميعاد الجديدة بالنسبة لليائسين والمسحوقين، الناجين من الحرب والنهب والسلب.
وحتى الصحف الألمانية الشعبية، التي ليس من عادتها أن تتصرف وكأنها جهة خيرية، أصبحت تشجع الرغبة في تقديم المساعدة. وفي حين يفتعل الساسة في المملكة المتحدة وغيرها من البلدان مشاعر الحزن والأسى ويشرحون للناس لماذا يشكل أقل تدفق من السوريين، أو الليبيين، أو العراقيين، أو الأريتيريين إلى أراضيهم خطراً مهلكاً يهدد النسيج الاجتماعي لمجتمعاتهم، وعدت “ماما ميركل” بأن ألمانيا لن ترفض أي لاجئ حقيقي.
من المتوقع أن يدخل ألمانيا هذا العام نحو 800 ألف لاجئ، في حين يثير رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ضجة حول أقل من 30 ألف طلب لجوء ويحذر بشدة من “أسراب من الناس” التي تعبر بحر الشمال. وعلى عكس ميركل، كان كاميرون مسؤولاً بشكل جزئي عن تأجيج واحدة من الحروب (في ليبيا) التي جعلت الحياة لا تطاق بالنسبة للملايين من البشر. ولا عجب أن ميركل تريد من البلدان الأوروبية الأخرى أن تستقبل المزيد من اللاجئين في إطار نظام إلزامي للحصص.
الواقع أنه على الرغم من الخطاب المهموم الذي يقوله ساستها، فإن المملكة المتحدة تمثل مجتمعاً أكثر اختلاطاً على المستوى العِرقي، وربما أكثر انفتاحاً في بعض النواحي من ألمانيا نفسها. وتتسم مدينة لندن بقدر من العالمية لا يقارن ببرلين أو فرانكفورت. وفي الإجمال، استفادت بريطانيا إلى حد كبير من الهجرة. بل إن هيئة الخدمات الصحية حذرت من أن قبول عدد أقل من اللاجئين قد يؤدي إلى كارثة، ومن شأنه أن يجعل المستشفيات في بريطانيا تعاني من نقص شديد في العاملين.
ربما كان المزاج في ألمانيا المعاصرة استثنائياً. ذلك أن استقبال اللاجئين، أو أي مهاجرين، لم يكن قط بالمهمة السياسية السهلة. ففي ثلاثينيات القرن العشرين، عندما كان اليهود في ألمانيا والنمسا في خطر مميت، كانت قِلة من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة الثرية، على استعداد لاستقبال أكثر من حفنة من اللاجئين. وسمحت بريطانيا بقدوم نحو 10 آلاف طفل يهودي في العام 1939 في اللحظة الأخيرة، وإنما فقط شريطة أن يكونوا تحت رعاية كفلاء محليين وأن يتركوا آباءهم وراءهم.
أن نقول إن هذا المزاج السخي في ألمانيا اليوم يرتبط كثيراً بالسلوك الإجرامي للألمان في الماضي لا يعني الانتقاص منه أو الاستخفاف به. فاليابانيون أيضاً يحملون عبء جرائم تاريخية، ولكن سلوكهم في التعامل مع الأجانب في وقت المحنة أقل ترحيباً إلى حد كبير. وحتى على الرغم من أن قِلة من الألمان ربما تكون لديهم أي ذكريات شخصية مرتبطة بالرايخ الثالث، فإن كثيرين منهم ما يزالون يشعرون بالحاجة إلى إثبات أنهم تعلموا من تاريخ بلادهم.
غير أن التركيز بشكل شبه كامل من الساسة ووسائل الإعلام على أزمة اللاجئين الحالية يحجب قضايا أوسع نطاقاً تتعلق بالهجرة. ذلك أن صور أسر اللاجئين البائسين وهم ينجرفون في البحر تحت رحمة المهربين الجشعين ورجال العصابات والأمواج يمكن أن تستحضر بسهولة مشاعر الشفقة والرحمة (وليس فقط في ألمانيا). ولكن أغلب الناس الذين يعبرون الحدود الأوروبية بحثاً عن عمل وبناء حياة جديدة لا ينتمون إلى فئة اللاجئين.
عندما قال مسؤولون بريطانيون إنه لمن “المخيب للآمال بوضوح” أن نحو 300 ألف شخص قدموا إلى بريطانيا زيادة على أولئك الذين رحلوا عنها في العام 2014، فإنهم كانوا في الأساس لا يتحدثون عن طالبي اللجوء. ذلك أن غالبية هؤلاء القادمين الجدد كانوا من بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي، مثل بولندا، ورومانيا، وبلغاريا.
ويدخل بعض هؤلاء كطلاب، وبعضهم يبحثون عن وظيفة. أي أنهم لا يتركون ديارهم من أجل إنقاذ حياتهم، وإنما من أجل تحسينها. والجمع بين طالبي اللجوء والمهاجرين الاقتصاديين يؤدي إلى التشكيك في الفئة الأخيرة، وكأن أفرادها يحاولون إقحام أنفسهم على بلداننا بحجج واهية.
من المفترض على نطاق واسع أن المهاجرين من داخل أو خارج الاتحاد الأوروبي هم في الأساس فقراء تركوا ديارهم لكي يعيشوا على أموال الضرائب التي يدفعها أناس أثرياء نسبياً. والواقع أن أغلبهم ليسوا متطفلين. إنهم أناس يريدون العمل بكل بساطة.
من السهل أن ندرك الفوائد التي قد تعود على البلدان المضيفة من المهاجرين: فالمهاجرون الاقتصاديون يعملون عادة بقدر أعظم من الجدية في مقابل قدر أقل من المال مقارنة بالعاملين المحليين. وقد لا يصب هذا في مصلحة الجميع بكل تأكيد: فالإشارة إلى الفوائد المترتبة على العمالة الرخيصة لن تقنع الأشخاص الذين قد تتأثر أجورهم سلباً. ومن الأسهل في كل الأحوال أن نلتمس الرحمة للاجئين من قبول المهاجرين الاقتصاديين، حتى في ألمانيا.
في العام 2000، كان المستشار الألماني جيرهارد شرودر راغباً في إصدار تأشيرات عمل لنحو عشرين ألف خبير في مجال التكنولوجيا الفائقة، وكان كثيرون منهم قادمين من الهند. وكانت ألمانيا في احتياج شديد إليهم، ولكن شرودر قوبِل بمعارضة سريعة ومفاجئة. حتى أن أحد الساسة صاغ شعاراً يقول “الأطفال بدلاً من الهنود”.
ولكن الألمان، مثلهم في ذلك كمثل غيرهم من مواطني البلدان الثرية، لا ينجبون العدد الكافي من الأطفال. وتحتاج هذه البلدان إلى المهاجرين الذين يتمتعون بطاقة الشباب والمهارات اللازمة لشغل الوظائف التي قد لا يتمكن أو لا يرغب المحليون في شغلها لأي سبب كان. ولا يعني هذا أن كل الحدود لابد أن تكون مفتوحة للجميع. ولابد من تطبيق فكرة الحصص التي طرحتها ميركل على المهاجرين الاقتصاديين أيضا.
ولكن الاتحاد الأوروبي لم يخرج حتى الآن بسياسة متماسكة بشأن الهجرة. فبوسع مواطني الاتحاد الأوروبي أن ينتقلوا بحرية داخل الاتحاد (تريد بريطانيا أن توقف هذا أيضاً، وإن كان من غير المرجح أن تنجح في ذلك). ولكن الهجرة الاقتصادية من البلدان خارج الاتحاد الأوروبي، في ظل ظروف تُدار بعناية ودقة، تظل مسألة مشروعة وضرورية. وليس هذا لأن المهاجرين يستحقون التعاطف من قِبَل الأوروبيين، بل لأن الأوروبيين يحتاجون إليهم.
لن تكون المهمة سهلة. فيبدو أن استمالة أغلب الناس أسهل كثيراً من خلال استثارة العواطف -والتي قد تقودهم إلى القتل الجماعي أو الرحمة الدافئة، تبعاً للظروف- مقارنة بالحسابات الهادئة للمصلحة الذاتية العقلانية
أيان بورما
.

*أستاذ الديمقراطية وحقوق الإنسان والصحافة في كلية بارد. وهو مؤلف للعديد من الكتب، منها “موت فان جوخ وحدود التسامح”، وآخرها “السنة صفر: تأريخ للعام 1945”.
*خاص بـ”الغد”، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”، 2015.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب