أقلام واراءزوايا

الانتفاضة الثالثة.. مرحلة جديدة في النضال …بقلم: حسين عطوي

MIDEAST-ISRAEL-PALESTINIAN
مع استمرار الانتفاضة الثالثة للأسبوع الثالث على التوالي، وفشل الحزمة الجديدة من الإجراءات الأمنية الصهيونية في قمعها وإخمادها، وعجزها في الحيلولة دون استمرار عمليات الشباب الفلسطيني في طعن ودهس جنود الاحتلال والمستوطنين والسيطرة على سلاح الجنود الصهاينة واستخدامه في تنفيذ هجماتهم النوعية، على غرار العملية الجريئة في محطة حافلات للجنود الصهاينة في بئر السبع، والتي أدت إلى قتل جنديين صهيونيين وإصابة نحو 34 بجراح، واستشهاد الشاب الفلسطيني منفذ الهجوم.
ومع استمرار عمليات الطعن بالسكاكين والدهس بالسيارات للجنود والمستوطنين في القدس والمناطق المحتلة عام 48 وشمولها بعض مناطق الضفة وخصوصاً في الخليل، بدأت تطرح الأسئلة بشأن صيرورة الانتفاضة، وما إذا كانت ستستمر وتدشن مرحلة جديدة في النضال الوطني التحرري الفلسطيني ضد الاحتلال ؟.
– أم سيتم السيطرة عليها واحتوائها وصولا إلى وقفها وإجهاضها ؟.
صيرورة الانتفاضة الجديدة وصعوبة احتوائها وإجهاضها.
من الواضح أن الانتفاضة الجديدة التي تتسم بانتفاضة السكاكين والدهس عمادها الأساسي الشباب الفلسطيني الذي نشأ وترعرع في مرحلة أوسلو، وعايش المفاوضات المذلة، وعانى من الإجراءات التعسفية على الحواجز، ومن تمادي الاحتلال والمستوطنين في استيطانهم وتهويدهم للأرض، وفي اعتداءاتهم الوحشية، وحرق العائلات الفلسطينية في منازلها، والاعتداء على المقدسات، ومن اللافت أن الانتفاضة المتجددة انطلقت شرارتها من قلب القدس المحتلة والأراضي المحتلة سنة 1948، أي المناطق التي لا وجود فيها لأجهزة أمن السلطة الفلسطينية التي تتعاون وتنسق أمنياً مع أجهزة أمن الاحتلال في مناطق سيطرتها في الضفة الغربية، مما أدى إلى إضعاف جذوة المقاومة فيها نتيجة الاعتقالات المتواصلة لكوادر وخلايا المقاومة.
ومثل هذا الوضع يسهم في نمو حركة مقاومة تحت الاحتلال تتميز بالسرية والاستفادة من تجارب المقاومة السابقة، ويجعلها بمنأى عن رقابة أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، الأمر الذي يعزز من استقلاليتها وتبلورها في ظروف أكثر صحية وأصالة وجذرية في خياراتها المقاومة والسياسية في آن، ويبدو من خلال مراقبة ومتابعة مجريات حركة المقاومة التي يقودها الشباب أن الأساليب المعتمدة فيها هي أساليب بدائية، السكين والدهس بالسيارات، لكنها أساليب مبتكرة تندرج في سياق طرائق حروب المقاومة الشعبية التي تولد من رحم الاحتلال، وهو ما يذكر بالأساليب التي استخدمها مقاتلو الفيتكونغ في جنوب فيتنام في مواجهة قوات الاحتلال الأميركي حيث كانوا يدربون النحل على مهاجمة الجنود الأميركيين للاستيلاء على أسلحتهم ومحاربتهم بها.

ومن الملاحظ أن عملية بئر السبع، وقبلها عمليات القدس، تميزت بأساليب شعبية جديدة، لكنها مماثلة من حيث أهدافها لعمليات مقاتلي الفيتكونغ، حيث تمكن منفذو العمليات من طعن جنود الاحتلال والسيطرة على سلاحهم واستخدامه في اكمال عملياتهم وإيقاع أكبر عدد من الإصابات في صفوف العدو، وهو ما دفع وسائل إعلام العدو إلى القول بان الجنود الإسرائيليين يصلحون ليكونوا شرطة سير.
إن مثل هذه الأساليب، وقدرة الشباب على تنفيذ عملياتهم وبلوغ أهدافهم، هو ما يقلق قادة الاحتلال الصهيوني ويجعلهم في حيرة من أمرهم، ومرتبكين في التعامل مع هذا الطراز الجديد من المقاومة الشعبية المقرونة بالتظاهرات والمواجهات الشعبية مع قوات الاحتلال، والتي تستخدم فيها الحجارة وقنابل المولوتوف.
عوامل الصيرورة والاستمرار:
إن هذه المقاومة والانتفاضة إنما تستمد صيرورتها الجديدة من عوامل عدة تقف وراء اندلاعها، وتشكل أساس استمرارها، وتغذيتها من ناحية، وصعوبة احتوائها والسيطرة عليها وإجهاضها من ناحية ثانية.
وهذه العوامل هي:
العامل الأول: عسف الاحتلال والمتمثل في الممارسات القمعية والإرهابية.
العامل الثاني: انسداد أي أفق للحلول السياسية على ضوء تجربة أوسلو.
العامل الثالث: إسدال الستار إسرائيلياً على حل الدولتين لصالح إقامة الدولة اليهودية على كامل أرض فلسطين التاريخية، وتحويل القدس إلى عاصمة موحدة لهذه الدولة، وهذا يعني بان يعيش الفلسطينيون، سكان البلاد الأصليون، كأقلية لا حقوق وطنية لهم.
العامل الرابع: اشتداد التطرف الصهيوني، حكومة ومجتمعا، وتطبيق سياسيات التمييز العنصري بحق الفلسطينيين على غرار ما كان سائداً في جنوب أفريقيا.
العامل الخامس: رفض الشعب الفلسطيني الاستسلام لهذا الواقع، وان يحصل له ما حصل للهنود الحمر في الولايات المتحدة الأميركية.
العامل السادس: عدم وجود أي قوة فلسطينية قادرة على احتواء الشباب الفلسطيني والتحكم بقرارهم، فلا السلطة لها سلطان عليهم، ولا هم تابعون لأي فصيل من الفصائل الموجودة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
من هنا ففي ظل انسداد أفق الحل السياسي، وعدم خضوع الانتفاضة والمقاومة الجديدة لإمرة الفصائل الفلسطينية أو السلطة، فانه يصعب احتواء الشباب الفلسطيني ومنعهم من مواصلة مقاومتهم وانتفاضتهم.
مرحلة جديدة في النضال الوطني الفلسطيني التحرري:
يبدو أن الانتفاضة والمقاومة التي تتجدد اليوم من خلال الجيل الجديد، تؤسس لولادة مرحلة جديدة من النضال الوطني الفلسطيني التحرري، بعد أن تخلت منظمة التحرير الفلسطينية عن الثوابت الوطنية والكفاح المسلح، ووصلت إلى طريق مسدود في خيار أوسلو والمفاوضات، وتحولت إلى سلطة خاضعة لشروط المحتل غير قادرة على الانعتاق منها، وبعد أن عجزت وفشلت فصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى الرافضة لنهج أوسلو في إنتاج بديل لمنظمة التحرير قادر على قيادة مسيرة النضال الوطني ومواصلة النضال المسلح ضد الاحتلال، ودخلت الساحة الفلسطينية في مأزق الدوران في حلقة مفرغة، فيما الاحتلال يستفيد من ذلك لمواصلة استكمال مشروعه الاستيطاني التهويدي لفرض أمر واقع يمكنه من بلوغ حلمه الصهيوني.
والطبيعي أن حركة النضال الوطني ليست حكراً على تنظيم، أو حركة فهي حركة مستمرة ومتواصلة، ويقودها من يحمل راية المقاومة كخط استراتيجي، وليس من يسلك طريق المهادنة، أو يتردد في ذلك، أو يدخل في رهانات خاطئة، ويزج الشعب الفلسطيني في صراعات على سلطة تحت الاحتلال.
في مثل هذا الوضع، من ناحية سلطة تابعة للمحتل، وفصائل عاجزة عن استعادة زمام المبادرة، وفي ظل تمادي المحتل في قمعه وإرهابه وسرقته للأرض وتهويدها لها وسعيه لتصفية القضية، من الطبيعي أن يبحث الشباب الفلسطيني عن تجديد حركة نضالهم الوطني التحرري ضد الاحتلال وأخذ زمام المبادرة لتشكيل قيادة جديدة.
وإذا كان الشكل التنظيمي، والرؤية السياسية لم يتبلورا بعد فان صيرورة الانتفاضة والمقاومة الجديدة ستفضي بالضرورة إلى ذلك، خصوصاً وأننا أمام تطور نوعي ملحوظ في أدائها عبرت عنه عملية بئر السبع، على الرغم من انه لم يمر على اندلاع الانتفاضة الجديدة أكثر من ثلاثة أسابيع، ما يؤشر إلى أننا أمام بدايات ولادة مرحلة جديدة في النضال الوطني التحرري سيكون عمادها الجيل الجديد، وبعض حركات المقاومة الفلسطينية القائمة والقابلة للارتقاء بأدائها والتطور، انطلاقاً من أن الجديد يولد من رحم القديم أيضاً.
عن الوطن القطرية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى