الإثنين, أبريل 27, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءعن الديموقراطية و«الربيع العربي» ...بقلم:فؤاد السنيورة

عن الديموقراطية و«الربيع العربي» …بقلم:فؤاد السنيورة

index
إنّ للاختلالات الموجودة والمتنامية، التي تسبّبتْ في المخاضات العربية، أسباباً يعرفها السوادُ الأعظمُ منا. ولقد حصلت وما زالت تحصل من أجل إزالة هذه الاختلالات، حراكاتُ العام 2011 في سائر أنحاء العالَم العربي. وإذا ما كانت تلك الموجةُ الموَّارةُ قد انكفأت لأسبابٍ نعرفُها جميعاً، فستتلوها حتماً موجةٌ ثانيةٌ وثالثةٌ في الوعي والواقع، إذا لم يجرِ التنبه إلى ضرورة الاستماع إلى تلك المطالب والعمل على التلاؤم مع المتغيرات، بهدف التقدم على مسارات إزالة تلك الاختلالات.
فلنلتفتْ إلى الأسباب. فالجمهور العربي التواق للمشاركة في ثقافة العالم وتقدمه ما كان محظوظاً في القرن العشرين المنقضي. فبعد تواري الدولة العثمانية، جاء الاستعمار، وتعاظمت النضالات من جانب المثقفين والسياسيين والجمهور من أجل الخلاص منه. وعلينا أن نتذكر أنه حدثت إنجازاتٌ كبرى في حقبة النضال ضد الاستعمار، إذ نشأت سلطاتٌ شعبيةٌ ودستوريةٌ ومؤسساتٌ تمثيليةٌ حديثة. ثم جاءت ظروف الضيق والتضييق في الحرب العالمية الثانية التي أجهضت جهود النهوض والاستقلال والتنمية باحتلال الصهاينة لفلسطين، ثم انقلابات العسكريين في الدول غير النفطية الذين بنوا شرعية وجودهم على ما أعلنوه من إرادة في العمل على استرداد الأرض والكرامة، وإلى إعادة الاعتبار للإنسان كمواطن، وتحقيق الحريات العامة والخاصة والوحدة، والتقدم الاقتصادي والاجتماعي. لكنْ وخلال عقود عدة، ما استُرجعت الأرض، بل خسرنا أراضي جديدة، ولا استُردت الكرامة للإنسان بشتى أشكالها، فلقد تعرّض عدد من بلداننا لنكسات ولاجتياحات وانقلابات وصدامات وخلافات وفتن تميزت بالعنف، وأضعنا بذلك جملةً كبيرةً من القدرات والإمكانات والفرص نتيجة إساءة استعمال السلطة وسوء إدارة الحكم والشأن العام. كما فقدنا الحكومات التمثيلية، وانتُهكت الدساتير الحافظة للحريات العامة والخاصة ولحكم القانون، مع زيادة التهميش للمواطنين وللجمهور بسبب عدم مشاركتهم في الحياة السياسية، وتمادي التراجع في الأوضاع المعيشية بسبب سوء إدارة الحكم والشؤون العامة، فازدادت حدة التردي في جميع المؤشرات الإنسانية والتعليمية والصحية والاجتماعية والمشاركة في الحياة العامة. أما في بعض الدول النفطية، فقد حدثت وفرةٌ لا يمكن اعتبارها كلها ممارسةً تنمويةً، بل كانت في بعضٍ منها ستّارةً لبعض الأخطاء، ولغياب السياسات القادرة على إحداث التقدم النوعي، والتنمية المستدامة، ولجهود تنويع اقتصادات تلك الدول وتخفيض مستويات اعتماد اقتصاداتها على النفط، ما أبقى تلك الاقتصادات والى حد كبير اقتصادات ريعية.
الواقع أنه وخلال هذه العقود الماضية التي تعرَّض فيها العديد من شعوبنا العربية للقهر الذي مارسه الاحتلال الإسرائيلي وقبله وخلاله الاحتلالُ الأجنبي والأنظمة الدكتاتورية المستبدة، قام عقدٌ اجتماعيٌّ وسياسي في عددٍ من الدول العربية كأمر واقع – حيث أن الإرغام لا يسمى عقداً – على أن تتولى الأنظمة الديكتاتورية والشمولية، التي استمرت في الحكم طوال عقود عدة بتأمين الأمن والاستقرار السياسي لمواطنيها. ولقد تم ذلك على حساب المشاركة والديموقراطية، وكذلك على أن تتولى تلك الأنظمة تأمين الاستقرار الماكرو – اقتصادي ضمن الإطار العام. لقد تمّ ذلك كله على حساب الإصلاحات البنيوية العميقة التي كانت تحتاجها تلك الدول العربية لتأمين نِسَبٍ أعلى من النمو والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية. كما أن ذلك لم يترافق أيضاً مع مستويات مقبولة من الإصلاحات البنيوية الضرورية لتحسين مستويات إدارة الحكم وقضايا الشأن العام لتعزيز ثقافة الإنتاج ورفع مستويات التنافسية والإنتاجية والشفافية والإفصاح والمشاركة وتقليص الفساد، وبما يُقْدِرُ تلك البلدان على تأمين مستويات التنمية والنمو الضروري الذي تحتاجه في مواجهة الزيادة الكبيرة والمتنامية في عدد السكان، وبالتالي إلى إيجاد فرص العمل اللازمة للملايين من الشباب الذين كانوا يحتاجون ويتوقون للانضمام إلى سوق العمل على مدى العقود الثلاثة الماضية.
كلفة الاستقرار
لقد أدرك قسم كبير من أولئك الشباب أن كلفة الاستقرار الهشّ، بشقيه السياسي ـ الأمني والاقتصادي، كانت مرتفعة جداً على صعيد الخسارة الواقعة في مجالات الحريات والعدالة والكرامة بشتى أشكالها. كما أنه أدرك أيضاً أن هذا الاستقرار الهشّ لم يؤد في الواقع إلى ترجمة ما تحقق على الصعيد الماكرو – اقتصادي، إلى اختراقاتٍ تُذكرُ في ما يختص بتحسين أداء ونمو القطاعات الاقتصادية المختلفة. وبالتالي لم يؤد ذلك كله إلى قفزة نوعية على صعيد إيجاد فرص العمل وتحسين مستويات ونوعية العيش، ولجهة تقليص بؤر الإقصاء وعمليات التهميش والمنع من المشاركة. لقد أدى ذلك الاستقرار الماكرو ـ اقتصادي الهش القائم قبل الانتفاضات إلى تعزيز موقع أولياء الحكم مادياً، بالإضافة إلى ما كانوا يتمتعون به على الصعيد السياسي، وهو الأمر الذي أدى إلى أن يشكلوا مع أقربائهم وأنسبائهم طبقة جديدة تتمتع بالغنى الفاحش.
ولقد عبَّرت مبادرة بائع خضار متجول إلى إحراق نفسه في تونس بدقة عن انتهاء صلاحية هذا العقد الاجتماعي والسياسي القائم بحكم الواقع في العقدين الأخيرين.
وجاءت حركات «الربيع العربي» تعبيراً عن رفض الشعوب العربية لهذا الواقع المرير ورغبتها بإعادة صوغ العقد الاجتماعي والسياسي القائم بحكم الواقع والذي ارتكزت عليه بعض الأنظمة العربية على مدى العقود الثلاثة الفائتة.
وعلى ذلك دخل العالم العربي في مرحلة مضطربة بنتيجة قيام بعض الأنظمة بعسكرة تلك الانتفاضات عبر اللجوء إلى العنف المفرط ما أدى في المحصلة، إلى حلولِ ظروفٍ فوضوية تشبه الحروب الأهلية في عدد من البلدان العربية. وهكذا شهدنا تبخر الاستقرار بجوانبه السياسية والأمنية والاقتصادية، من دون أن يؤدي ذلك إلى مكاسب على صعيد الإصلاحات السياسية أو الاقتصادية البنيوية.
فمعدلات النمو في الفترة ما بين 2011 و2015 انخفضت من معدل 5 في المئة قبل بدء الانتفاضات إلى معدل 2,5 في المئة بعدها، وزاد العجز في الموازين التجارية وفي الموازنات العامة ليبلغ حدود الـ15 في المئة من الناتج المحلي بعدما كان بحدود 5 في المئة قبلها. كما ارتفع التضخم من 5 في المئة إلى 10 في المئة وتدهورت الاحتياطات بالعملات الأجنبية، ما أثر على قيمة العديد من العملات الوطنية، فترك أثره على القيمة الشرائية للطبقات ذات الدخل المحدود ومستويات ونوعية العيش لديها.
خلط الدين بالسياسة
وقد ترافق ذلك كله مع تحولات كبرى على صعيد اختلاط الأمور السياسية بالدينية، ولجوء بعض المتطرفين إلى العنف الذي بدأ يتخذ أبعاداً إرهابيةً خطيرة، أسهم في إطلاقها عدد من الأنظمة، وقبلها تراكُمُ المشكلات السياسية والاجتماعية على مدى عقود، والتي ظلت من دون حلول حقيقية دائمة، ما أسهم في زيادة حدة انسداد الافق وتراجع الثقة بالمستقبل لدى المواطنين، لا سيما لدى الفئات الشابة. كما ضاعفت تلك التراجعات من الآثار السلبية لتلك المشكلات لا سيما استمرار القضية الفلسطينية من دون حلول عادلة ودائمة، وكذلك زيادة حدة التدخلات الاجنبية والإقليمية، ما دفع أعداداً من الأفراد والجماعات إلى الانكفاء أو التقوقع أو الانغلاق الموصل إلى تعميم وتبرير ثقافة رفض الآخر، يدفعهم إلى ذلك، فكر مريض ترعرع بداية في رحم تجربة أفغانستان المدمرة، وبعدها في رحم الأنظمة التي مارست مختلف صنوف الاقصاء، والتي غذّتها كلها مناهج التعليم الديني غير المتدبر حقاً للقرآن ولتعاليم الإسلام السمحة. ولقد أسهم ذلك كله في تخريب عقول بعض الناشئة الذين أعطوا لنفسهم صلاحية التفتيش في ضمائر المؤمنين أو في تكفيرهم، وبالتالي فقد أسهم ذلك كله في لجوء البعض إلى استعمال العنف المتفلت من اي رادع ديني أو أخلاقي إلى الوقوع في لجّة التحول إلى الإرهاب.
لقد كان من نتيجة ذلك كله أن دخلت المنطقة العربية في مرحلة بالغة الخطورة، حيث فقدت تلك البلدان الاستقرار الأمني، من دون أن تكسب في الحريات، وخسرت الاستقرار الاقتصادي والسياسي من دون أن تكسب في الإصلاح البنيوي والمؤسسي، وازدادت حدة التشدد والتعصب الديني واللجوء إلى العنف والارهاب بدلاً من السعي إلى إعمال العقل وفتح الآفاق للانفتاح والاعتدال والتسامح.
لقد مرّ جمهورنا خلال السنوات الخمس الماضية بدروسٍ قاسية. فشبابنا وجمهورنا أراد التغيير ويريده. لكنّ أحداث السنوات الماضية بعثت على مخاوف كبيرة. فقد قوبل الكثيرون من مريدي التغيير بالإقصاء والتهميش وبالعنف المفرط. وقد أدى ذلك كله وفي المحصلة إلى انهيار كيان الدولة في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن والصومال.
وكان من نتيجة تلك الصدمات الخطيرة والمتلاحقة أن أصبح الجمهور العربي أمام تخوفّين: الأول، انّ مطالب التغيير انقلبت إلى الضد. وفي الوقت نفسه، فإنّ العودة للأوضاع السابقة أصبحت غير ممكنة وغير معقولة. والثاني، انّ انهيار الدولة بالمطلق، لا يترك بدائل للعمل عليها، وقد يقود للاستكانة وإلى تعميق حال من اليأس المؤدي إلى التطرف واستسهال اللجوء إلى العنف. ولذلك فقد أصبح على السياسيين والمثقفين والناشطين في مسائل وقضايا الشأن العام أن يضعوا في اعتبارهم هذين الأمرين الواقعيين، وهم يحاولون التفكير بالمستقبل أو التخطيط له، حيث لا يصح ولا يجوز أن نبقى أسرى الموقف الراهن المتردي للجهتين، ولا بد من تغيير إيجابي إذا صحّ التعبير بتفكيرٍ جديدٍ وبديل، وبعملياتٍ تضعنا بالفعل على طريق الخروج من هذه المآزق المتكاثرة نحو المستقبل الآخر، الذي تنفتح فيه الآفاق لأولئك الشباب مستفيدين من هول هذه التجارب الأليمة.
في ما خصّ مواجهة التيارات المتطرفة، فإنه قد أصبح واضحاً ومحتماً في آن، أنه لا بد من إنقاذ الإسلام واسترجاعه ممن يحاولون اختطافه، وبالتالي إنقاذ العالم العربي من الوقوع في محن صراع الأصوليات القاتلة، وذلك من خلال التصدي للحركات الإرهابية المتطرفة والمبادرة إلى القيام بجهود مصممة لخوض غمار الإصلاح الديني، وإعداد البرامج الهادفة لإصلاح التعليم الديني الذي نقدمه لناشئتنا. وينبغي أن يتوجه هذا الاصلاح أيضاً إلى رجال الدين الذين عليهم أن يكونوا رواداً في الدعوة للانفتاح والتحديث والتأكيد على أهمية الاعتدال والانفتاح والتسامح والحرص والحفاظ على احترام حقوق الإنسان وحرياته العامة والخاصة. إنّ هناك حاجةً ماسةً لتشجيع التفكير النقدي في مجتمعاتنا، من أجل تغيير الرؤية للعالم لدى الأجيال القادمة، خاصةً بعد عقودٍ من استتباع الأنظمة العسكرية والأمنية للمؤسسات الدينية. لقد آن الأوان ليُسهمَ المسلمون على اختلاف جنسياتهم في مهمة الإصلاح الديني الإسلامي بإثراء المنظور الديني وتعميقه عبر إعادة الاعتبار للعلم والمعرفة وتأكيد المطالبة بتوفير حقوق الإنسان والانفتاح على العالم على قاعدة أُخوّةِ البشر وتعارُفهم وتعاوُنهم في المشتركات والمصالح الكثيرة والكبيرة التي تجمعُهُم في الحاضر والمستقبل.
أما في ما خص التقدم على مسارات عملية البناء، فإني أبدأ بالقول إنه لا بُدَّ من التوافق من أجل التوصل إلى وضع عقد اجتماعي وسياسي جديد، تنجزه المجتمعات المدنية والسلطات الحكومية معاً مع الشباب وبمشاركتهم القوية. فلقد أصبح واضحاً أنه لا حاجة ولا فائدة ولا مصلحة من اللجوء إلى العنف من أي طرفٍ، لأنّ العنف يؤدي للمزيد من التدمير وإلى ضياع المزيد من الفرص في الحاضر والمستقبل. إنها شراكةٌ جديدة تتأسس على عقدٍ مستأنَف، كما يقول ابن خلدون، اي أنه تجديدٌ لتراثٍ عريقٍ من التضامن والتجانُس والمصالح المتبادلة والاعتماد المتبادَل بالدواخل العربية. إنه بناءٌ للإنسان الفرد، وللإنسان الجماعة، تبرز فيه قياداتٌ مستنيرة مؤمنة بالإصلاح الحقيقي، وتكون عُرضة للمحاسبة على أساس الأداء من خلال ممارسة صحيحة وصادقة للأصول الديموقراطية.
* جانب من كلمة بعنوان « الديموقراطية في القرن الحادي والعشرين» ألقاها رئيس الحكومة اللبنانية الأســـبق فؤاد السنـيورة في «مكتبة الإسكندرية للنشر»

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب