الاخبارشؤون عربية ودولية

الإمارات .. شراكات استراتيجية لضمان توازن التجارة العالمية

2598843281-300x141
شهد حركة التجارة العالمية تغيرات متسارعة مع تزايد عدد أفراد الطبقة الوسطى في آسيا، الذين أصبحوا المحرك الأساسي لانتقال الثروة من الشمال إلى الجنوب، وتمثل دولة الإمارات النقطة المحورية في مشهد إعادة التوازن لتدفق الحركة التجارية العالمية. وقد استشرفت قيادتنا الحكيمة ملامح التغيرات المستقبلية المتعلقة بحركة التجارة العالمية فوضعت الخطط المناسبة لها، وبدأت بتعزيز روابطها الاقتصادية مع القوى الصاعدة والمؤثرة في الاقتصاد العالمي، حيث شهدت الفترة الماضية زيارتين رسميتين لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى كل من الهند والصين، وذلك في خطوة استراتيجية تعكس تجاوب الدولة مع المتغيرات في مشهد التجارة العالمي، خاصة مع تطور العلاقات التجارية لدولة الإمارات مع الهند والصين اللتين أصبحتا أكبر شريكين تجاريين للدولة مع نمو حجم التبادل التجاري مع كل منهما ليصل إلى نحو 60 مليار دولار سنوياً. وتشكل الطبقة الوسطى المحرك الرئيسي لهذا النمو في حجم التبادل التجاري.
وتتوقع الدراسات زيادة عدد أفراد الطبقة الوسطى ليصل إلى 5 مليارات بحلول عام 2030، علماً بأن ثلثي هذه الزيادة ستكون في الهند والصين. وتتطلع الإمارات إلى دعم هذه الفرصة لإعادة توزيع الثروة وتشجيعها بما يتماشى مع قيمنا الوطنية التي تستند إلى تعزيز السلم والسلام والتسامح والتنمية المستدامة والازدهار في المنطقة والعالم.
وانطلاقاً من قناعة الإمارات الراسخة بأن التنمية الاقتصادية تعد من أهم دعائم ترسيخ السلم والاستقرار، فإننا نعكف على تعزيز النمو الاقتصادي محلياً وإقليمياً وعالمياً مستفيدين من الموقع الجغرافي الاستراتيجي والبنية التحتية المتطورة التي نمتلكها، والتي أصبحت الدولة معها مركزاً لوجستياً أساسياً يربط آسيا مع إفريقيا وأوروبا والأميركيتين. ومن المؤشرات على الدور اللوجستي للدولة أن موانئها تعد من أكثر موانئ منطقة الشرق الأوسط نشاطاً وأسرعها نمواً، فميناء جبل علي هو الأكبر في المنطقة، فيما سجّل ميناء خليفة العام الماضي زيادة بنسبة 32% في مناولة الحاويات التي جاء معظمها من الصين.
وفي مجال النقل الجوي، نلمس مؤشراً آخر على تغير اتجاه التجارة العالمي، حيث تبوأ مطار دبي الدولي المرتبة الأولى عالمياً لحركة المسافرين الدوليين في عام 2014، متفوقاً على مطار هيثرو في لندن. وبنظرة أعمق، يتبين أن جزءاً مهماً من هذا النمو يعود إلى الزيادة الكبيرة في حركة الطيران حيث يفوق عدد الرحلات من الهند إلى دبي عدد الرحلات من الهند إلى أي مكان آخر في العالم، وتعمل طيران الإمارات على زيادة رحلاتها هذا العام إلى الصين بنسبة 40%، كما تعزز الاتحاد للطيران أسطولها وتوسع من وجهاتها، فيما تتواصل أعمال التوسعة الشاملة والمتميزة من نواحي التصميم والاستدامة في مطار أبوظبي الدولي لتستوعب الزيادة المطردة في حركة المسافرين والشحن. ولا شك بأن هذا النمو غير المسبوق في حركة المسافرين والبضائع سيكون محركاً دافعاً للتنمية الاجتماعية، وسوف يساهم في الحدّ من عوامل عدم الاستقرار في المنطقة والتي تتغذى على الفقر.
إن الاستراتيجية بعيدة المدى لدولة الإمارات والتي أرسى دعائمها الوالد المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والتي تستمر قيادتنا الحكيمة بانتهاجها، تركز على توثيق العلاقات والتعاون مع المجتمع الدولي، لاسيما مع البلدان التي تمتلك نظرة مشتركة مثل الهند والصين، حيث تهدف مبادرة الرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى تعزيز التجارة على امتداد طريق الحرير التاريخي، فيما تهدف مبادرة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي «اصنع في الهند» إلى توسيع قدرات التصنيع في بلاده. وسيؤدي نجاح هذه المبادرات إلى تعزيز الاستقرار وتوسيع آفاق الازدهار ليشمل شعوب تلك البلاد وجيرانها، وهي المبادئ التي تكمن في صلب سياسة دولة الإمارات.
إن التزام دولة الإمارات بالشراكة الاستراتيجية مع الهند والصين يعكس قوة الروابط المتينة مع البلدين، وهذه الروابط لها جذور عميقة لا يمكن اختزالها بمعادلات مالية واقتصادية، إذ يقيم في دولة الإمارات قرابة مليوني هندي وهم يشكلون أكبر جالية في الدولة ويسهمون بدور إيجابي في تحقيق التنمية الاقتصادية، كما تحتضن الدولة نحو مئتي ألف من الرعايا الصينيين. وتعود علاقاتنا الثقافية والتجارية مع البلدين الصديقين إلى عقود من الزمن.
وكخطوة عملية على طريق تحقيق الرؤية الاستراتيجية لقيادتنا في تنويع الاقتصاد، أنشأت دولة الإمارات مناطق اقتصادية خاصة بالقرب من مراكزنا اللوجستية ما شكّل عامل جذب لآلاف الشركات الصينية والهندية. واختارت هذه الشركات مزاولة أعمالها انطلاقاً من دولة الإمارات كونها توفر لهم مجموعة متكاملة من الميزات، بما في ذلك منصة ملائمة لإنجاز الأعمال، وموقع جغرافي فريد يساعد في تحقيق أهدافها سواء في الأسواق الحالية، أو تمكينها من دخول أسواق جديدة في أفريقيا.
ويساهم نشاط مجتمع الأعمال الهندي والصيني المقيم في دولة الإمارات بتحقيق سياستنا في تنويع الاقتصاد. وبالتالي، تمثل هذه العلاقات نموذجاً فعلياً لتحقيق المصالح المشتركة استناداً إلى الروابط التاريخية والثقافية القائمة على الصداقة والثقة. وتماشياً مع النظرة الحكيمة لقيادتنا بالسعي الدائم لتوثيق العلاقات والتعاون مع كل شركائنا التجاريين في كافة أنحاء العالم، فإن تعزيز علاقاتنا الاستراتيجية مع الصين والهند سيتيح تحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية إيجابية تسهم في ترسيخ السلم والأمن وتعزيز معدلات النمو بما ينعكس إيجاباً على الجميع، سواء بالنسبة لاقتصاداتنا المحلية أو لدول المنطقة والعالم عموماً.
إن الجهود التي تبذلها قيادتنا الرشيدة من خلال هذه الزيارات المهمة والنتائج العملية الملموسة التي نتجت عنها من مبادرات ومشاريع مشتركة وتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم، جاءت في التوقيت المناسب لتسهم في ترسيخ العلاقات الاستراتيجية لدولة الإمارات مع البلدان الصديقة، وتوطد الشراكات التاريخية معها بما يسهم في ضمان مستقبل آمن ومستقر ومشرق لأجيال الغد.
د. سلطان أحمد الجابر
نقلا عن جريدة الاتحاد

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى