الاخبارشؤون عربية ودولية

على أردوغان التوقف عن التدخل بدوامة العنف المجاورة

index

يُظهر التفجير الذي قتل 28 جندياً في تركيا يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي في أنقرة مدى عمق انزلاق تركيا في دوامة الفوضى المستعرة تحت حدودها في سورية والعراق. وقبل خمس سنوات فقط، كانت حكومة أردوغان تأمل في أن تكون نموذجاً لجيرانها العرب المسلمين، وفي أن تتمكن من تشكيلهم وفق توجهاتها الإسلاموية الجديدة الخاصة. والآن، أصبحت تركيا نفسها تعرض التصدعات الطائفية-العرقية نفسها التي تعرضها الدول الفاشلة إلى الجنوب منها. والآن، أصبحت محصلة نفوذها في سورية تساوي صفراً، وهي تواجه خطر فقدان السيطرة على أراضيها الخاصة. ويبدو أن الرئيس أردوغان الغاضب من روسيا وسورية، والولايات المتحدة وحلفائها من الميليشيات الكردية التي تتقدم عبر شمال سورية، قد أصبح في حاجة ماسة إلى إجراء تقييم عميق ومراجعة للحقائق.
هذا الأسبوع، قال زميل سابق لأردوغان في مجلس الوزراء لإحدى الصحف إنه كان قد حاول تحذيره من مغبة الانحياز إلى طرف في سورية في العام 2011، عندما تحولت الانتفاضة ضد عائلة الأسد إلى حرب أهلية. وقد أجاب الرجل الذي كان رئيساً للوزراء آنذاك بأن الأمر كله سينتهي في غضون ستة أشهر. وليس هناك أي دليل على أنه أصبح أكثر تقبلاً للمشورة الآن، وقد أصبح رئيساً يتمتع بسلطات مطلقة أدت إلى استقطاب تركيا. ومن المؤكد أن المخاطر قد أصبحت أعلى من ذلك بكثير في هذه الآونة.
تحللت سورية وأصبحت مقسمة بحكم الأمر الواقع مع سيطرة جهاديي “داعش” على نصف مناطق البلد وعلى ثلث أراضي العراق. وبينما كان أردوغان يسعى إلى الإطاحة بربيبه السابق، بشار الأسد، فإنه سمح باستخدام تركيا كخط أنابيب ينقل المتطوعين الجهاديين الذين يدخلون المعترك السوري. وبينما عكف هؤلاء الجهاديون على إنشاء شبكات في داخل تركيا، اندفعت روسيا إلى داخل سورية في أيلول (سبتمبر) من أجل دعم وتوسيع دويلة الأسد. ويقوم بوتين الآن بالقضاء على كل شيء بين النظام و”داعش”، قاطعاً طريق إمداد تركيا للثوار المفضلين لديها، ومتسبباً بموجة جديدة من اللاجئين إلى تركيا -ثم أوروبا في نهاية المطاف.
الآن، تهدد تركيا، الدولة العضو في حلف الناتو، بإرسال قواتها إلى داخل سورية، وهو ما قد يجر حلف الأطلسي إلى صراع مع روسيا. ويقف أردوغان مسبقاً على خلاف حاد مع بوتين، المعجب السابق به، بعد أن أسقطت تركيا طائرة روسية قالت إنها دخلت مجالها الجوي في العام الماضي. وقال بوتين إن (أردوغان) سوف يتعلم أن “يندم على ذلك أكثر من مرة”. وبالإضافة إلى ذلك، تتشكل سورية الآن على نحو يجعلها أشبه بأفغانستان أخرى على ساحل المتوسط -ويبدو أن ذلك التحول يتسرب إلى تركيا التي يمكن أن تبدأ بأن تشبه باكستان هي الأخرى.
هل يبدو هذا التصور مستبعداً؟ لقد جاء تفجير أنقرة الأخير في أعقاب سلسلة من الهجمات التي كان أكثرها سوءا هجوم “داعش” الانتحاري على مسيرة سلمية للأكراد واليساريين في العاصمة التركية في تشرين الأول (أكتوبر)، والذي قتل أكثر من 100 من الناشطين. وفي ذلك الوقت، ادعت الحكومة بطريقة يصعب إخفاء خطئها، أن ذلك الهجوم كان مؤامرة من الإرهابيين الأكراد واليساريين، وبالتواطؤ مع الجهاديين. وكان الصحفيون الأتراك قد حددوا مسبقاً خلية “داعش” المسؤولة عن الهجوم بعد أن فجرت تلك الخلية مركزاً ثقافياً كردياً على الحدود السورية في تموز (يوليو). وقد أفضت تلك الحادثة، بعد أن فقد الحزب الحاكم (العدالة والتنمية) أغلبيته في حزيران (يونيو)، إلى إعادة إذكاء حرب كانت مستمرة على مدى 30 عاماً مع متمردي حزب العمال الكردستاني. وكان أردوغان قد عمل على إنهاء تلك الحرب، لكنه عاد فتحول إلى قومي متطرف من أجل الكسب الانتخابي. وبدلاً من قصف “داعش”، شرع في قصف حزب العمال الكردستاني الذي وقع في مصيدته فأقدم على قتل رجال شرطة وجنود. واستعاد له البلد المستقطب أغلبيته في تشرين الثاني (نوفمبر). ومنذئذٍ، أمطر أردوغان بالقصف المتواصل مجموعات المقاتلين الأكراد السوريين المتحالفين مع حزب العمال الكردستاني، والذين كانوا عاكفين على توحيد وتعزيز مناطقهم إلى الجنوب من تركيا.
تخشى أنقرة الآن أن تؤدي هذه التطورات وتقدم الأكراد غرباً عبر شمال سورية -بينما تقوم روسيا بمطاردة الثوار السنيين من غير “داعش”- إلى تأجيج النزعة الانفصالية الكردية في داخل تركيا نفسها. ويجب على أوباما إقناع أردوغان بأن ما يجري الآن ضروري من أجل منع “داعش” -الذي يشكل التهديد الأكبر بكثير- من ملء الفراغ. لكن ذلك يمكن أن يعمل فقط إذا استطاعت الولايات المتحدة كبح جماح طموحات حلفائها الأكراد، ومحاولة خلق تناغم جديد بين أنقرة والأكراد. ومع أن تحقيق ذلك صعب بالتأكيد، فإنه يظل أقل صعوبة من البدائل الأخرى.
افتتاحية – (فايننشال تايمز)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة.

*نشرت هذه الافتتناحية تحت عنوان: Erdogan should take a reality check on Syria
ala.zeineh@alghad.jo

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى