الرئيسيةزواياثقافة وادبأعمال بشار خلف نص لاحق لصياغات سليمان منصور  

أعمال بشار خلف نص لاحق لصياغات سليمان منصور  

20162202212658

عصمت الأسعد / إن انطلاقة الفنان الشاب بشار خلف التشكيلية اللافتة جعلته يسير بخطوات أكثر وثوقا نحو أداءات تشكيلية غريبة بعض الشيء عن ساحة التشكيل المحلية، وعلى قلة مثل هذه التجارب حتى على المستويات الأخرى فبشار خلف اختار تجربة أحد أبرز فناني فلسطين لتكون ساحة تجلياته ليشكل منها مظهراً من تناص تشكيلي يجمع بين تجربتين، (لاحق تشكيلي – سابق تشكيلي) ليكون بعد ذلك حواراً نادراً نشهد من خلاله هذه الأداءات التي نشتمّ منها عبق تجارب سليمان منصور شائعة الصيت كلوحته جمل المحامل التي يجدر أن يطلق عليها المصطلح الفني Masterpiece وغيرها من أعماله الأخرى.
ولكن ما يلفت الانتباه هنا مستوى (المتعلق التناصي) وإخراجه بهذه الرؤية الفنية التي تلمّح أكثر مما تصرح كعلاقة جمع ما بين النص التشكيلي الأصلي (نص سليمان منصور) والآخر المنعكس (نص بشار خلف).
وهنا نتذكر قول Julia Kristeva “من أن كل نص هو تشرب وتحويل لنص آخر” فالمستوى هنا حقيقة (تشرّب) بكل ما تعنيه الكلمة، نلمس ذلك من عملية التذوق اللازمة في هذه الحالة وما أقصده هنا فعل المتذوق وما يبذله من جهد لعمل اختراقات تمكنه من كشف ما بين السطور تلك التي توازي الفراغ التشكيلي عند بشار خلف وهذا ما يثير تساؤلا مشروعا فيما يتعلّق بضرورة استحضار أعمال سليمان منصور (كنصّ سابق) لإنجاح عملية تذوقية واعية لأعمال بشار خلف (كنصّ لاحق) من هنا يأتي ذكاء الفنان في جذبنا نحن كمتذوقين نحو أعماله لإتمام عملية تذوقية ناجحة بمعزل عن (النص السابق).
المقصود هنا أعمال سليمان منصور كطرف في معادلة بشار خلف الفنية هذه، رغم أن اكتمال الحالة الناجحة من التذوق تكون وفق الإمساك بشقيّ المعادلة لضرورة اطّلاع المتذوق على أعمال سليمان منصور كنصّ سابق ومنها تكتمل دائرة التذوق وبسلاسة تحاكي حضور أعمال سليمان منصور كعلامات مهمة في التشكيل الفلسطيني.

ثنائيات تناصّية لقارئ نموذجي
تحيلنا تجربة بشار خلف إذا نحو انزياحات كثيرة منها ما يوجب التسلّح بمعرفة مسبقة لما أطلقنا عليه (نصّ سابق) والمعني به هنا أعمال سليمان منصور طبعاً وما تطرحه هذه التفاعلية مع النصّ السابق من عمليات التحفيز (الذهني /  البصري) للالتفاف على كل ما يحيط بهذه الإحالات البصرية وما تؤديه من فعل مسبق وإرادة واعية لعمليّة مهمّة وهي البحث والاصطياد لأي من الإمكانات التأويلية للنصوص التشكيلية البصرية المنتهية بفعل بشار خلف بحيث لا نغفل نصوص سليمان منصور وما نستقرئه من مثل هذه العملية التذوّقية وما استطعنا فعله إزاء ذلك الربط ما بين شقيّ معادلة (النص السابق والنص اللاحق) وما ينتج عنها من نصّ ثالث نشارك فيه نحن كمتذوّقين بشرط وجود عملية الوعي التذوقي اللازم في مثل هذه التجارب المستفزّة للمتلقي لكي يكون متلقيا نموذجيا أكثر من كونه متلمساً لسطوح التجربة لا أكثر.
وعليه تطرح هذه النظرية علينا إشكالية أخرى ومن نوع آخر والتي نتساءل من خلالها عن أعمال بشار خلف في حالة انعزالها وسلخها عن نصوصها السابقة (أعمال سليمان منصور).
هنا يستوقفنا عمل بشار خلف ذاته عندما يطرح نفسه كعمل مستقل عن أي من النصوص السابقة – على أهميتها في مثل هذه التجربة – ويتأكد لنا هذا الطرح جرّاء أية عملية بسيطة نقوم من خلالها بدراسة أعمال بشار خلف دراسة أكاديمية وما نعنيه هنا إمكانية توظيف عناصر العمل الفني الناجح كصياغات تكوين وصياغات لون وخطوط وفراغ، الخ …، بعد ذلك نقرّ حينها أن متذوق أعمال بشار خلف يستطيع بناء رؤية تذوقية خاصة في أية حالة انسلاخ عن أي من أعمال منصور السابقة، لكن إصرار الفنان بشار خلف على خلق تلك الصلة الجينية ما بين النص السابق لسليمان منصور ونص بشار اللاحق يجعل من منجزه التشكيلي حالة فريدة أرادها الفنان بكل وعي لإظهار حيثيات مقولاته التشكيلية هذه وبإصرار عجيب دفع الفنان إلى أن يضمّن أحد أعماله لشخص الفنان سليمان منصور ذاته كحضور فعلي للنص السابق، وجعل الفنان سليمان منصور شاهدا على هذه التجربة بحضوره التشكيلي المشخّص بتشكلات الطين كإحدى تجارب سليمان التشكيلية المعروفة.

تناصّية جمل المحامل
امتاز التعبير التشكيلي في لوحة جمل المحامل كنص سابق والتي أنجزها الفنان سليمان منصور جاعلا من عنصر الفراغ أحد مقومات العمل على الرغم من أن الفنان كان بمقدوره أن يجعل من خلفية اللوحة Background فرصة سانحة له لأن يملأها برموز القدس من أسواق وشوارع عتيقه وأناس مهمومين بالمكان، الا ان الفنان جعل من ظهر (حمّال القدس) المكان الانسب لاحتواء رموز القدس كمدينة مجروحة وكدلالات ارادها الفنان من جعل هذا الحمّال الطاعن بالسن منارة نستضيء بها نحن الفلسطينيين جميعا ونشاركه بهذه المهمة يوما بعد يوم.
ماذا إذاً عن النص اللاحق وأعني به جمل محامل بشار خلف الذي جعل ايضا من الفراغ عنصراً مهما ومحملاً بمقولاته الدلالية كحالة إتكاء على النص السابق (جمل محامل سليمان منصور) لكن بانعطافات مختلفة هذه المرة.
فعمل بشار خلف جاء بصيغة اربع لوحات ذات فراغ ومتغيرة اللون جاعلاً من احداها الفاتح والاخرى الغامق وثالثة وسطية اما الرابعة فكانت اكثر تلونا.
هنا تعامل بشار خلف مع ثنائية الفراغ واللون كمقولة اساسية عنده والذي اكتفى فيها – بحالة التموضع – لاقدام حمّال القدس مع اختلاف في تأليف النص التشكيلي اللاحق واجراء عملية ابدال واعية ارتضاها بشار خلف لقدمي شاب يرتدي حذاء معاصراً لشاب معاصراً أيضا.
فمقولة العمل هنا مقولة ضدية ما بين النص السابق والنص اللاحق خاصة عندما نتذكر شيخوخة حمّال القدس في النص السابق في مقابل شبابية حمّال القدس في النص اللاحق.
فالمعاني الدلالية هنا كاشفة عن نفسها عند بشار خلف ولعلنا نكتفي بدلاله توصيل حمل الامانة من الاجداد الى الابناء وحملها اينما حلّ الفلسطيني وحماية تلك الامانة من الغول المتربّص بها ليل نهار.
تناصّية تشخّص سليمان منصور من خلال نص سابق
يتذكر متذوقو اعمال سليمان منصور عمله النحتي بالطين المتشقق الذي جاء على هيئة شخص اجلسه سليمان منصور على كرسي اعتيادي من البلاستيك، في حين ان صياغة بشار خلف لهذا العمل جاءت برؤى تناصّية مختلفة اي من غير جنس العمل وجعله على شكل لوحة (النص اللاحق) فقصدية الفنان بشار خلف كانت تركز على الفكرة بشكل أساس الذي بيّن من خلالها قدرته على محاكاة العمل الاصلي وان كان بصياغة مختلفة، فاستضافة وجه الفنان سليمان منصور وتشخّصه كتركيز على الحضور الفعلي في ثنايا العمل آتية اصلا من عمق الفكرة ذاتها، وما تقدمه لنا من خيارات البحث عن الدلالة والقصدية، فإصرار الفنان بشار خلف في نصه اللاحق هذا على اعطاء هوية الشخص وتعريفه في النص اللاحق بأنه هو سليمان منصور ذاته علما أن عمل سليمان النحتي كنص سابق جاء معرفاً فقط بحضوره الفيزيائي كانسان كان قد انتابته حالة من التشقق، وتحويل كل ذلك من قبل بشار خلف إلى شخص تحوّل إلى شاهد عيان على هذه التجربة كما اسلفنا كحالة تناصّية لمرحلة سبقت اعمال منصور السابقة والمنتمية لمرحلة الطين المتشقق فكانت هذه فكرة تناصّ أرادها الفنان بشار خلف ووظّفها فعله التشكيلي هذا قاصّا علينا حكاية من حكايات سليمان منصور التشكيلية المنتمية لثقافة متجذرة عن زمن يزيد على الف ليلة وليلة.

تناصّات الحاجز / الهويّة
هل هناك اصعب من ان يختزل انسان مكتمل بانسانيته بقطعة من الورق المقوّى لا تتعدّى بضع سنتمترات ؟؟؟ لربّما هذا التساؤل طرحه اولاً سليمان منصور من خلال عمله التشكيلي المتمثل بثلاثة من المسارب الاسمنتية الممتلئة بأناس لا حول لهم ولا حرّية وممتلئة كذلك بتقاطعات افقية من قضبان الحديد انتجت هذه كلّها مشهدا بصرياً من مستطيلات احتلّت النصف السفلي من مساحة لوحة سليمان منصور كنصّ سابق وما اوحت به لبشّار خلف في تناصّيته التي جاءت ايضاً بثلاث لوحات حاكى بها المسارب الثلاثة في عمل سليمان منصور.
فثلاثية بشار خلف (النص اللاحق) جاءت بصيغة التصريح لا التلميح.
فاحتواء إحدى ثلاثيات بشار خلف على تقسيمات من المربّعات وضع في كل منها هويّة شخصية كتلك التي ترافق الفلسطيني ليل نهار، فعلى الرغم من سوداوية الدلالة هذه الا ان بشّار خلف جعل من دلالته هذه فعلاً تشكيلياً ذا منحى جمالي جاعلاً من تناوب اللون الاخضر والبرتقالي داخل اطارات لونية بارزة وارضيات من الابيض صانعاً لنا فسحة جمالية جعلتنا ننسى سوداوية الدلالة سابقة الذكر لفترة من الزمن لا تزيد على زمن فعل التذوّق، اما الجزآن الآخران من الثلاثية فجعل منهما بشّار خلف ما يمكن اعتباره نوعا من التأكيد على الفكرة وذلك من خلال وضع مربّع صغير جدا على هيئة شكل الهوية ذاتها متمركزة وسط العمل تدور حولها مساحة كبيرة من الفراغ عجزت بدورها عن عمل أيّ من التوازن ما بين مدلولات الفراغ المريحة وسوداوية سنتمترات الهوية القليلة.

تناصّية الطيف السياسي
هنا أوضح لنا بشار خلف صراحة لا تلميحاً كونه صاحب النص اللاحق لنص سابق للفنان سليمان منصور، اتفق من خلاله النصّان على أن اية مشاركة يقوم فيها الفلسطينيون للتعبير عن آمالهم أو طموحاتهم انما تكون بهذا الشكل الذي عناه اولا سليمان منصور في عمله التشكيلي الذي يصف مجموعة كبيرة من الناس تحمل على اكتافها صليباً بلون العلم يمتدّ نحو افق اللوحة، بهذا الشكل الذي عناه سليمان منصور بيّن من الناحية الدلالية ولو على سبيل الطموحات هذا التنوع الهائل في المشاركة في حمل (الصليب/ العلم الفلسطيني) في مشهد آخر من مشاهد طريق الآلام التي يتنفسها الفلسطينيون يوماً بعد يوم، فالتركيز على فكرة (التنوع) عند سليمان منصور في عمله هذا يميل إلى التلميح اكثر من ميله إلى التصريح بما يخص الانتماءات السياسية لشخوص اللوحة المشاركين في هذا الحشد الممتد في مساحة اللوحة في دلالة على كثرة المشاركين في هذا الحدث وغياب واضح لرموز الطيف السياسي لأبناء الشعب الواحد والاكتفاء برمز يظللنا جميعاً وهو العلم الممتدّ نحو الأفق السابح في أمواج من البشر، هذا فيما يتعلق بعمل سليمان منصور كنصّ سابق أما عند بشار خلف فقد كانت رؤيته التناصّية مع سليمان منصور تضادّية من حيث التصريح والتلميح، فاختيار بشار خلف في رؤيته التناصّية عن طريق رصّ خمس من اللوحات المتشابهة في العرض والطول وكذلك لون الخلفية الداكن متوسطاً كل منها رمز واضح لكل طيف من الأطياف السياسية وبشكل لا يقبل التأويل ابتداءً من الكوفية البيضاء الحمراء والوان الوشاح الأحمر والاخضر والاصفر والاسود، جاء كل واحدة منها ملتفّة حول رقبة شخص افتراضي لا يستدلّ على وجوده إلا بالتفافة الوشاح أو الكوفية حول الرقبة وما تخلّفه من ايحاء للجسد، فغياب الجسد في هذه الحالة يكمّل تضادّية التناصّ عند سليمان منصور وبشّار خلف، بمعنى ان مقابل هذا الحشد الهائل من البشر عند سليمان منصور فإننا لا نجد اي وجود انساني فعلي في لوحة بشار خلف بحيث نلمس توازيا دلاليا بين التجربتين (النص السابق، النص اللاحق) فالحضور عند سليمان منصور والغياب عند بشار خلف لهما الوجهان للعملة الواحدة التي أرادها الفنانان معاً سواء عن طريق أن يبحث المتلقّي عن ذاته في لوحة سليمان منصور بين هذه الجماهير الحاشدة، أو عن طريق افتراض المشاهد نفسه وإحلاله محل الشخص المفترض الغائب عند بشار خلف وذلك لإكمال لوحة (puzzle) من نوع آخر يكون متذوق العمل هو آخر قطعة يتحقق بها اكتمال المشهد.

تناصيّة تكثيف الفكرة
عندما عبّر الفنان سليمان منصور عن حادثة استشهاد طالبة المدرسة لينا النابلسي في عمل تشكيلي لاقى شهرة خاصّة صاغها الفنان وفق رؤية واقعية تمثل مشهداً لفتاة مدماة بردائها المدرسي (المريول) مسجاة على ارضية من الحشائش وأفق يشابه أفول الشمس، مشكلاً بذلك مشهداً لرومانسية الاستشهاد وربط ذلك بمضامين العمل التشكيلي هذا ورصد ضديّة معيّنة لصعوبة تحمل مشهد موت هذه الفتاة من قبل المتذوّق وميل المشهد إلى الجمالية (مشهد الحشائش وغروب الشمس) رغم كل ذلك استطاع الفنّان سليمان منصور في عمله هذا أن يحقق إعجاباً منقطع النظير بتمتع الفنان بمقدرة وضع يده على الجرح كما يقال ونيل عمله التشكيلي هذا شهرة خاصّة جعلت مطبوعة منها تزيّن كثيرا من بيوت الفلسطينيين منذ أعوام السبعينيات إلى الآن.
وما يؤكد ذلك كله هو إقدام فنان شابّ على التأثّر بعمل سليمان منصور هذا وجعل لوحة لينا النابلسي (نصاً سابقاً) لرؤيته مرتكزاً عليها لصياغة أحد أعماله التشكيلية (نص لاحق) ولكن برؤية رمزية مختزلة جداً جاعلاً من الرداء المدرسي للفتاة الشهيدة بؤرة كافية وصادمة بنفس الوقت رغم أن الفنان بشار خلف أخرج عمله هذا بطريقة أسقط فيها من حساباته أيا من رموز لوحة الفنان سليمان منصور كنص سابق من وجود فعلي لجسد الفتاة أو أي إيحاء للمشهد الخلفي (Background) أو أي من التفصيلات الأخرى، مكتفياً بتعليق ثوب لينا النابلسي المدرسي على حبل بوساطة علاقة ملابس خشبية يوحي لنا المشهد بهالة كبيرة من الاحترام لهذا الرداء الذي عطّرته لينا النابلسي يوماً باستشهادها ولعلها رسالة خطّتها لنا بدمها لتصل إلى الأجيال اللاحقة جيلا بعد جيل.
فالاكتفاء بالرداء المدرسي من حيث الدلالة يثير حالة ترميزية مصاغة بخلفية (Background) باللون الداكن يجيء ذلك كنوع من التكثيف الدلالي الذي يساعدنا في إتمام صياغة معادلة تذوّقيّة تعيننا على ربط نص سليمان منصور كنصّ سابق مع نص بشار خلف كنصّ لاحق وفق وعي خاص يمنحنا فرصة لإتمام عمليات تذوّق من نوع آخر.

تناصّ لتكثيف الفكرة مرّة أخرى
في عمل سليمان منصور المتعلّق بموضوعات خاضها الفنان كثيراً طوال مسيرته الفنية الغنية كموضوعات العمل اليومي أو الموسمي لشريحة تمثل الفلاح الفلسطيني بكلً ما تعنيه الكلمة من إخلاص وحب للمكان والبيئة.
كان موضوع قطاف الزيتون واحداً من أبرز هذه المواضيع لما يحمله من معانٍ ودلالات تذهب بنا أبعد من مجرّد موسم سنوي يعيشه الفلاح الفلسطيني كإقرانه في هذا العالم، في الوقت الذي اصبح فيه قطاف الزيتون موسماً سياسياً ونضالياً بلا منازع يتصارع فيه الفلاح وأفراد اسرته مع شجرة زيتون وادعة وقطيع من المستوطنين الواقفين كالشوكة في الحلق.
من هذا البعد الترميزي نرى مشهداً مكتملاً عند سليمان منصور لمجموعة من الفلسطينيين لنساء ورجال واطفال تحتضنهم طبيعة خلابة وسماء اكثر جمالاً، في مشهد يحسد عليه الفلاح وعلى هذا النمط المعيشي على طريقة (ما أحلاها عيشة الفلاح) قبل أن نستفيق سريعاً عندما يقع ناظرنا على تلة مقابلة تحتلّها بيوت غريبة عن المكان وعن الزمان وقطيع من مستوطنين يهاجمون هذا المشهد الريفي الرومانسي ليتحطم تحت أقدامهم ومعاولهم في حفلة ماجنة على أصوات البلدوزرات وينتهي ذلك كلّه بخبر عاجل على شاشة التلفاز.  هذا بالنسبة لما تلمّسناه عند سليمان منصور في نصّه السابق في لوحة (قطف الزيتون) فماذا عن الفعل التناصيّ لبشار خلف كنصّ لاحق لهذا العمل، نلحظ هنا رؤية اختزالية واضحة عند بشّار خلف فعندما يكون مقترحه التشكيلي مقتصراً على وضع رمزين مهمّين وأعني بهما (السلّم وجالون الزيت) كمقابل ترميزي (للوسيلة والمنتج) التي يغنم بها الفلاح في نهاية حفل القطاف، فرؤيته اتضحت ايضاً عند إهمال هذا المشهد الرومانسي للطبيعة الفلسطينية وإحلاله بإيحاء لوني متدرّج من أسفل العمل (الغامق) إلى أعلى العمل المضاء عند نقطة التقاء بأزرق السماء، في مشهد رومانسي مشابه لفعل سليمان منصور من حيث الفكرة ومختلف من حيث الاختزال ليذكّرنا بشار خلف بأعمال السيريالية الواقعية في ايحاء منه في حياة فلاح فلسطيني يشوبها سيريالية من نوع آخر.

الجدار العازل
الإسمنت كمنتج – نص سابق
الاسمنت كخامة – نص لاحق
كنصّ سابق لعمل بشار خلف سعى سليمان منصور نحو إظهار ضخامة القطع المكوّنة للجدار العازل في رؤية تختلف عن الواقع من حيث وضع هذه القطع وترتيبها بطريقة لا تعطيها صفة الجدار مكتمل البناء بل في حالة تحضير له راصداً لنا تموضعات هذه القطع وبطريقة عشوائية نافياً عنها صفة الجدار الفعلي وكأنها قطع وقفت لتلتقط لنفسها صوراً تذكاريّة كشاهدة على زمن أسود فرضه الاحتلال علينا.
في هذه التموضعات لقطع الاسمنت جعلها سليمان منصور تتشابه وناطحات السحاب والابراج المعماريّة الدالّة على التمدّن الكاذب أو في أحسن حالاتها كأحجار شطرنج تتناقلها أصابع غاصب يحلم بالنصر.
أما عند بشار خلف فقد ذهب إلى مساحة مغايرة حين عبّر تناصّياً عن لوحة سليمان منصور كنصّ سابق من خلال فعل أدائي يشبه كثيراً السير إلى الخلف بما يتعلّق بالمنتج الإسمنتي (الجدار العازل) واكتفاء بشار خلف بإخراج عمله على شكل رسم يبيّن صفوفاً من أكياس الإسمنت وهي لا تزال مغلّفة لم تلمسها أيادي العمال في إشارة منه إلى عبثيّة بناء مثل هذه الجدران التي تقف في وجه الحقّ والحرّية.

* فنان تشكيلي وناقد.

الايام

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب