
ثلاثة حوادث وقعت في أكوان موازية:
وقعت الحادثة الأولى في برشلونة، صيف 1909. سلفادور دالي، ابن الخمس سنوات، يرافق صديقه على جسر خشبي. سلفادور يمشي بمحاذاة صديقه الذي يركب العجلة، سلفادور يقرّر أن يدفع بصديقه والعجلة من فوق الجسر، ينظر حوله، لا أحد. يرمي الصبي على الصخور الرمادية القابعة تحت الجسر، يسيل الأحمر من رأس الصبي. يركض سلفادور ليخبر أهله بما حصل. طوال النهار يراقب سلفادور سطول الدم الأحمر الخارجة من غرفة الصبي. وحده، جلس سلفادور على كرسيه الهزاز كملك، يراقب الدم ويفزر حبات الكرز بين يديه قبل أن يأكلها أمام شباك غرفة الصالون في برشلونة. يدوّن سلفادور بعدها أنّه عند وقوع هذه الحادثة لم يشعر بذرة ذنب.
وقعت الحادثة الثانية في اهدن، ربيع 2016. أنا، ابنة الرابعة والعشرين، أرافق أمي على تلال اهدن، ألمح شجرة كرز من بعيد وأنتبه الى أنّها المرة الأولى التي أرى في حياتي الحالية شجرة كرز أحمرها مكتنزٌ على الغصون. أفلت من أمي وأركض باتجاه الشجرة، أقفز كي أطال الكرز، يغريني الأحمر فلا أنتبه للأسلاك الشائكة المحيطة بالشجرة. جرح طفيف على خدي الأيسر، ألمسه. دم خفيف بلون الكرز. أتذكر سلفادور الطفل.
وقعت الحادثة الثالثة في دبي، صيف 2015. نعمت وأنا في غرفة بيضاء. تخبرني أنّها أمضت أياما تحاول أن تعيد نفسها إلى رحم أمها، وأنّها استطاعت أخيراً أن تتذكر بما شعرت آنذاك. قالت إنّها شعرت بالذنب، وبينما كانت تفيض كلاماً كنت أرى أحمرَ أمامي، أحمرَ في رحم أمي، وظهرت في رحمها أشجار كرز كثيفة. زهرة ونطفة، من ثم جسدي وكرزة.
بين هذه الحوادث الثلاثة أحمر يحتوي ذنباً، وذنبٌ يحتوينا، وكرزٌ يلغي المحتوى.
سلفادور الذي سبقني إلى التلاحم مع الكرز سبقني إلى فهم الجنون، وبالتالي إلى فهم الحياة. نعمت التي سبقتني إلى الرجوع إلى رحم أمّها، سبقتني إلى فهم انطلاقة التكوين. وأنا، زرعت كرز دالي في رحمَي أمّينا، أنا ونعمت، كي نصل إلى جنون دالي. للكرز فلسفته الخاصة في فهم الموت والانبعاث، وفي فهم ما بينهما من ذنوب ثقيلة أخطأنا في فهمها. الكرز يعلم الغيب، ولا يرى إلّا الجمال من حوله. يعرف أنّ بطء موت الأشياء يولّد أشياء أخرى، ويعرف أنّ بعد كل غياب انبعاثا جديدا. يعرف أن يترفع عن الأنانية والذنب عند موته، ويعرف أنّ زهرة الكرز الجميلة التي قتلها هو، عن سبق علم وإصرار، ستولّد أحمرَ مجنوناً يضيء البساتين. الكرز لا يحرم جماله عن البساتين والأرواح الهائمة إلا ليفاجئ المحيط بجمال أكبر. الكرز هو الرضوخ للرغبة، رغبة الجمال، رغبة اللحظة، رغبة الخلود، رغبة الحب، ورغبة التكاثر. لا أحد يعرف فعلاً مقولة الموت حق أكثر من الكرز، هذا الذي يتجمع على الغصن ويذوب مع غيره انتظارا للموت العظيم. يغيب كي يخلق نفسه مجدداً، وفي كل مرة أجمل ممّا كان.
لو أكلنا كلّنا الكرز في أرحام أمّهاتنا لما شعرنا بالذنب منذ بداية التكوين. لو تمنّع آدم عن أكل الثمرة التي يعتقد البعض أنها كانت التفاح، وذهب مع حواء إلى شجرة الكرز لخرجا من الجنة بإرادتهما. لكانا لم يحمّلا البشرية كل هذا الذنب الثقيل. التفاح يتشرّب الذنب ليكبر، أمّا الكرز فيتغذى من عالم بعيد عن هذا الكوكب فيفيض جمالاً. مع موت زهرة الكرز يمسي الرثاء نقيض نفسه، والـ “إفيميرا” السريعة الزوال تولّد بطءاً جمالياً يثقل الذاكرة. حزن الزهرة العميق أثناء موتها يخيّط فضاءً أشد حقيقيةً ممّا نعتقد.
أنا الآن أعرف تماماً لمَ ركضت بجنون إلى شجرة الكرز، ولمَ بقي سلفادور هادئاً في رأسي. عند رؤيتي شجرة الكرز رأيت أياماً سابقة من الدوران حول اللاشيء وأياماً لاحقة من الارتكاز على معقل نفسي، رأيت المنفذ لفهم هذا الكون العجيب. عند رؤيتي الكرز فلتّ من أمي وركضت نحو رحمها إلى الجهة الأخرى من الطريق، كي تنبعث من خدي بقعة حمراء مكان الجرح، بقعة حمراء بلون مسبّبها. ولا زال سلفادور عالقا على هذا الكرسي، يخاطب الكون، يفزر الكرز بين يديه علّه يبعث هذا الكوكب من جديد، ولا زلت أرسم اللامنتهى، أقطف الكرز من وجهي كي ينبعث زهراً، فأدور وأصل وأسقط وأرقص بالأحمر.
السفير




