
لا تكف منظمة الأمم المتحدة عن عرض وجه قبيح في تعاملها مع بعض من أكثر القضايا العالمية إقلاقاً للسلم والاستقرار. وتأتي القضية الفلسطينية بين هذه القضايا -من حيث طول الفترة وجسامة التداعيات واتساع مداها على الأقل. وعلى الرغم من صدور عدة قرارات أممية اعتبرت ما تدعى “إسرائيل” دولة احتلال تنتهك القانون الدولي ليل نهار، إلا أن الأمم المتحدة لم تفعل أي شيء لفرض تطبيق قراراتها، أو وقف الظلم التاريخي الذي يلحق بالشعب الفلسطيني كل هذا الوقت. وعلى عكس كل المارقين الآخرين الذين تعاقبهم هذه الهيئة بشتى السبل، فإنها تركت كيان الاحتلال متمتعاً بحصانة كاملة في توسيع مشروعه الاستعماري مع ارتكاب جرائم الحرب وممارسة العنصرية وكل الموبقات.
كان آخر تجليات الازدواجية وخيانة المبدأ القانوني والإنساني؛ “إسرائيل” رئيساً للجنة الشؤون القانونية في الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويشبه ذلك بالضبط خارجا شهيرا عن القانون، ومجرما متسلسلا مدانا رسمياً في أكثر من مناسبة، رئيساً لأعلى محكمة في بلد ما! وحتى لو لم تكن للوظيفة المعنية قيمة عملية، فإن فكرة ربط خارج عن القانون بمؤسسة تتصل بالقانون، هي فكرة تنطوي على مفارقة محزنة -سوى أن أداء الأمم المتحدة مليء بالمفارقات من هذا النوع، حتى لم يعد في سلوكها ما يثير الدهشة.
من المعروف أن هذه الهيئة الدولة مرهونة بالكامل للأقوياء والذين يملكون النقود. ومن المفارقات الكثيرة فيها أن نشاطاتها المتعلقة بالإغاثة والرعاية الإنسانية، تفرض عليها الرضوخ للممولين الذين يتسببون هم أنفسهم بالكوارث الإنسانية وإفقار الآخرين. فإذا أرادت الولايات المتحدة أو الدول الغنية الأخرى محو ملفاتها الجرمية في حق الإنسانية، فإنها تشتري إخفاء الملف بالمال الذي تحتاجه الأمم المتحدة لتمويل مشروعاتها الإنسانية! وفي علاقاتنا نحن بهذه الهيئة، لم نلاحظ أنها انتصرت لقضايانا العادلة يوماً أو استمعت لاقتراحاتنا واحتجاجاتنا. ولا يملك المرء سوى التساؤل عما تفعله دولنا في ذلك المكان الذي يضفي الشرعية على الكثير من الأعمال التي تُلحق بنا الضرر من كل الأنواع. وجاء حدث التعيين الغريب لدولة الكيان في المنصب الجديد، برغم احتجاجات كل الدول العربية والإسلامية، كحلقة فقط في سلسلة طويلة من النوع نفسه.
يفكر المرء، من باب التفكير المتمني الذي لم نعد نمتلك سواه، بما كان ليحدث لو أن الدول العربية والإسلامية انسحبت من هذه الهيئة بدلاً من مجرد الاحتجاج الذي لا يستمع إليه أحد، ولو أنها أقامت لنفسها هيئة عاملة منظمة تدير بها شؤونها في معزل عن الأمم المتحدة المباعة سلفاً. لكنَّ أحوال هذه الدول معروفة لنا، وأعمالها سببٌ في هدر حقوقنا وكرامتنا. ولا أعرف صحة ما يتردد عن دعم دول عربية لترشيح كيان الاحتلال المارق وصياً على القانون، لكن هذا غير مستغرب في السياقات الأخيرة، بل إنه يبدو متساوقاً مع منطق -أو لامنطق- الأمور.
يحيل هذا الواقع، بكل طبقاته، حتماً إلى حقيقة فلسطينية تثبتها الخبرة كل يوم، والتي لخصها الراحل محمود درويش في جملة واحدة: “كم كنتَ وحدك يا ابن أمي.. يا ابن أكثر من أب، كم كنتَ وحدك”. وعندما يرى الفلسطينيون الآن جلادهم الوحشي وهو يُكافَأ برئاسة لجنة أممية ترمز إلى القانون الدولي الذي ينتهكه، فإنهم يجب أن يستحضروا الحقيقة الأساسية: إن أداءهم السياسي والنضالي الخاص فقط هو الذي يمكن أن يجلب لهم شيئاً في يوم من الأيام.
إذا كان الأداء على هذه المستويات رديئاً كما هو؛ حيث القيادة تبرع فقط في تقديم التنازلات ومسخ الرواية الفلسطينية، وحيث يبرع القادة الفصائليون التقسيميون في إدارة الاقتتالات الداخلية وتمزيق وحدة شعبهم وتشتيت جهوده وإحباطه، فإنه لا ينبغي لوم الآخرين. وإذا كان الفلسطينيون سيحصّلون شيئاً من الأمم المتحدة أو غيرها، فإن عليهم الاجتراء على تنظيف بيتهم الداخلي وتوحيد القصد، علَّهم يجترحون وسيلة للضغط على الاحتلال وامتلاك شيء يجعل لهم صوتاً. وسيحيل ذلك حتماً إلى المقاومة، والمقاومة بكل شيء ووسيلة لإجبار العدو المتجبر على التخلي عن الغطرسة. وربما تستمع الأمم المتحدة لصوت غير صوت الرجاء الكسير، كما فعلت ذات مرة عندما منحت الفلسطينيين المنبر، عندما كانوا يقاومون بغير النحيب!




