ثقافة وادبزوايا

الناقد والأكاديمي المصري يرى أن للثقافة الفلسطينية حضوراً عربياً كبيراً

20162106075442


د. محمد الشحات لـ«أيام الثقافة»: لا يكمن دور الناقد
في تنصيب نفسه وصيّاً على النصوص الأدبية وأصحابها
– الكتابات النقدية التي لا تخلو من مجاملات قد تُعلي من قدر أنصاف الموهوبين
– لا فارق بين العمل الروائي الأول والأخير .. الرواية المتميزة هي رواية متميزة
– النهوض الثقافي يتطلب ناقداً ومبدعاً وناشراً ومحرراً ومؤسسة وأكاديميات
حاورته بديعة زيدان:

يعتبر د. محمد الشحات، الناقد والأكاديمي المصري، واحداً من أبرز النقاد والأكاديميين المختصين بالنقد، ليس في جمهورية مصر العربية، بل على المستوى الإقليمي والعربي، حتى بات اسماً يرافق أهم المؤتمرات الأكاديمية والمتخصصة بالنقد، وأسئلة الكتابة على مختلف محاورها، وتفاعلاتها.
ومع بروز ظواهر أدبية جديدة في الساحة العربية، منها ما يتعلق بفعل الكتابة وفضاءاتها، ومنها ما يتعلق بالنقد، و”كتاب الفيسبوك”، و”الرواية الأولى”، و”الشاعر الناقد”، وغيرها، بات مهماً وضرورياً الوقوف معه أمام العديد مما يدور في أذهان المتلقي والمبدع في آن .. معه كان لـ “أيام الثقافة” الحوار التالي:

• هناك سؤال يرافق عامة المبدعين في علاقتهم مع النقاد وتتعلق بفكرة تنصيب النقاد أنفسهم أوصياء على المشهد الثقافي من جهة، ومن جهة أخرى يشتكي آخرون عندما يغيب النقد .. كيف يتعامل الدكتور محمد الشحات مع هذه الحالة الملتبسة ما بين الناقد والمبدع؟
ليس ثمة أوصياء على الأدب أو الأدباء. ولا يكمن دور الناقد، حسب المفهوم المعاصر، في تنصيب نفسه وصيًّا على النصوص الأدبية وأصحابها.
في رأيي المتواضع، مهمة الناقد الحقيقية لا تُختزَل في محاكمة النصوص بمعايير ونظريات غربية أو شرقية، صينية أو كورية أو يابانية، بل الأهم هو أن يمتلك جهازاً مفاهيمياً، يستطيع من خلاله “استقراء” و”تحليل” و”تأويل” و”تقييم” مختلف النصوص، الكلاسيكية أو الحداثية أو ما بينهما. وبما أننا نحن الباحثين والنقاد العرب لسنا منتجين للنظريات النقدية الحديثة، وإسهامنا فيها هو مجرد إسهام محدود للغاية -رغم كونها، في نهاية المطاف، منتجاً بشرياً وإنسانياً عاماً، لا تختص به ثقافة دون أخرى- فإن جهد الناقد العربي الأكبر، في وجهة نظري، يتمثل في ضرورة التعرّف الدقيق إلى مدوّنة الأدب العربي من المحيط إلى الخليج، شعراً ونثراً، سرداً ومسرحاً، نصوصاً مغلقة ونصوصاً مفتوحة و”لا نصوص” أيضاً.
وما لم يستطع الناقد العربي المعاصر تشكيل جهازه المفاهيمي الواعي بحدود النظرية وخبرات الممارسات القائمة عليها أو حولها، كما يراعي خصوصية النص العربي وخصوصية لغته وأساليبه وتراكيبه وإحالاته ورموزه، جنباً إلى جنب خصوصية مرجعياته وثقافاته وتاريخيته، فإن خطابه النقدي لن يعدو كونه اجتراراً لأفكار ومفاهيم نظرية “مستلبة”، مغتربة، يصعب استنباتها في التربة العربية، فضلاً عن كونه -أي هذا الناقد أو ذاك- سوف يسهم من حيث يدري أو لا يدري، في ازدياد الفجوة الحاصلة بين النقد الأدبي والجماهير.
وسوف يزيد من حيث يعلم أو يجهل في عزلة الأدب عن الناس والحياة والمجتمع. وهنا مكمن الخطر الفادح القاتل. موت النظرية، ثم موت النقد والناقد، ثم موت الأدب ذاته! النقد والإبداع وجهان لعملة واحدة؛ هي ازدهار الحركة الثقافية في أي مجتمع من المجتمعات. وليس ثمة بلوغ لحالة نهضة حقيقية دون تضافر هذين الجناحين معا: الإبداع والنقد.

* هل توافق على مقولة ان غياب النقد او ندرة النقد الحقيقي بعيدا عن المجاملات هي من ساهمت في خلق حالة من الاستسهال في الكتابة الابداعية على مستوى الرواية والشعر والقصة؟
أتفق مع هذا الطرح، لكن بدرجة من درجات الحذر والحيطة. فالنقد ليس غائباً كلياً، بل هو نشاط إبداعي وثقافي موازٍ لموجات الحرية السياسية والدينية والعدل الاجتماعي.
ومع ذلك، ففي السنوات الأخيرة، شهدت الساحة الثقافية العربية بالفعل عددا من الكتابات النقدية التي لا تخلو من منطق المجاملات التي قد تُعلي من شأن بعض الكتّاب من أنصاف الموهوبين على حساب آخرين أكثر منهم خبرة ووعياً فنياً، لكنّ لذلك أسبابه الكثيرة، حيث أصبح الصحافي المبتدئ ناقداً والشاعر المتواضع ناقداً، وكل من لا حرفة له يتجه إلى ممارسة النقد، ظنّا منه أن النقد مجرد كلام على كلام.
من جهة أُخرى، من يتابع المشهد الثقافي العربي، يجد أنه تطلّ علينا يومياً عشرات الكتب والمطبوعات التي تشمل مجالات الفنون والثقافة المختلفة (من شعر وقصة ورواية ومسرح ونصوص فكرية وتاريخية وسياسية.. إلخ) عبر نوافذ صفحات المتابعات وعروض الكتب والإعلانات في الجرائد والمجلاّت السيّارة المتراكمة فوق أرصفة ونواصي المدن العربية المختلفة، ولا قدرة لناقد أو مجموعة من النقاد على مواكبة كل هذا السيل المتدفق.
وعلى الرغم من ذلك، فثمة إحساس، مرتبط بدلائل وإحصاءات واقعية، يشير إلى إلى ضعف الحراك النقدي الذي تعيشه الثقافة العربية المعاصرة في السنوات الأخيرة. فالحركة النقدية العربية بصفة عامة، والمصرية على وجه الخصوص، لم تستطع مواكبة التحولات النّوعية – كمًّا وكيفًا- التي تفرزها النصوص الجديدة من تقنيات مختلفة وعوالم وفضاءات وأنماط شخصية وأساليب كتابة بالغة الجرأة والمغايرة. وهي نصوص تحتاج إلى أجيال من شباب الباحثين والدارسين والنقّاد “الجدد” -لا بالمعنى “العمري” فقط، بل بمعنى الوعي الجديد، والذائقة المغايرة، ابنة عصر الصورة وثقافة الحداثة، والنصوص الحرة- حتى يستطيعوا رصد معالم الخارطة الإبداعية الجديدة التي تسعى إلى إحداث تغيير جذري في مفاهيم كنّا نظنّ أنها راسخة وأبدية كـ”الفنّ” و”الأدب” و”السياسة” و”الحرية”.
ومع ذلك، فازدياد نسب القرّاء في هذا القطر العربي أو ذاك لا علاقة له مطلقا بازدهار حركة النقد العربي، فليس كل ما يُنشر من شعر أو قصة أو رواية ينتمي إلى الأدب الجيد أو الفن الجيد أو الفكر المتقدّم أو الثوري أو النهضوي أو التنويري،.. إلخ. فالنقد مساءلة واعية لحركة النصوص والكتب وتاريخ الأفكار وعلاقة الإنسان بالعلم والنظرية والفلسفة والدين.. وغير ذلك. لذا، فتكوين الناقد الموهوب، المستنير، تكوين مرهق، مُكلِف، يحتاج إلى مؤسسة أو بيئة حاضنة تتمتع بالحرية السياسية والانفتاح الثقافي والمعرفي على الحضارات والثقافات والآداب المجاورة.
ولا أظن أن بلداننا قد استطاعت التخلص من القمع السياسي والكبت الديني والقضاء على الفقر والبطالة وتغوّل العشوائيات المتوحّشة، وانتشار أشباه المدن الشائهة، المعلّبة، والمسيّجة، بما يحمي الأثرياء من ثورة الجياع؛ لا أظننا قد تخلّصنا من ذلك كله، حتى ندّعي أننا أصبحنا نمتلك حراكا نقديا مؤثّرا في المشهد الثقافي والسياسي المصري أو العربي أو العالمي.
* ما رأيك بفكرة الصحافي الناقد أو الشاعر الناقد أو الروائي الناقد؟ هل ترى فيهم رافعة للمتخصص أكاديمياً في النقد أم العكس؟
عطفا على السؤال السابق، يمكن القول إن النقد قد أصبح حرفة من لا حرفة له. فأصبحنا نسمع عن الصحافي الناقد والشاعر الناقد والروائي الناقد، وهلم جرّا. ومثل هذه الحالات أغلبها غير صحي، باستثناء بعض الكتاب الموهوبين الذين استطاعوا الجمع بين الحرفتين في توازن رهيف، ويمكن أن نذكر منهم طه حسين مثلا والعقاد وشكري عياد وعز الدين إسماعيل وإدوار الخراط، وغيرهم.
وهي نماذج، في ظني، من الصعب تكرارها في العصر الحديث، فتكوين الناقد المعاصر أصبح أمرا يحتاج إلى تفرّغ واعتكاف على متابعة كل ما تطرحه الأسواق من كتب ودراسات في النظرية الأدبية والنقدية ونظرية الفن والفلسفة وعلم السياسة وتحليل الخطاب.. إلخ.
من هنا، لا أتفاءل كثيرا بترك مهمة النقد لغير المتخصصين -حتى وإن كان بعضهم موهوبا بالفطرة- الذين لا يمتلكون وعيا كافيا بحدود النظرية الأدبية والنقدية، ولا وعيا أو خبرة كافية بتقاليد الأنواع الأدبية وتحولاتها المتسارعة، أو نظريات الأدب العالمي، وتحوّلات النماذج الإرشادية المعرفية (الباراديجم Paradigm) وفلسفة العلم وحركة التاريخ.
كذلك، ومن ناحية مقابلة، لا أتفاءل كثيرا بعزوف النقد الأكاديمي عن تحليل بعض الظواهر الفنية والثقافية التي تفرزها الشوارع العربية، ولا بتعالي المؤسسة الأكاديمية ذاتها على أنماط الكتابة الحداثية وما بعد الحداثية والنصوص المفتوحة والتجريبية والثقافات الشعبية، بحجّة الحفاظ على الذائقة الجمعية أو الذوق العام. كلاهما إيذان بموت النقد وتكلّسه في متاحف الأكاديميات والمعاهد والجامعات. وهنا، مكمن الخطر الفادح الذي ذكرته سابقا.

*انتشرت في الفترة الأخيرة فكرة الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة الفيس بوك، وهنا نتحدث عن الشعر أكثر من السرد.. ما رأيك بما بات يعرف بمصطلح “شاعر الفيسبوك” أو كاتب الفيسبوك”؟
الكتابة أو التدوين على الفيسبوك ظاهرة صحية، وهي في الوقت ذاته -إذا استعملنا مصطلح ميشيل فوكو- بمثابة “تشكيلات خطابية” موازية، متمرّدة، تسعى إلى التنفيس عن كبت سياسي وديني استشرى في مجتمعاتنا العربية المسيَّجة بأسلاك القمع وجدران القهر.
ولم يكن أمام الأجيال الجديدة سوى مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير بحرية غير مشروطة عن مثل هذه الحالات المكبوتة. لكن ذلك لا يعني أن كل ما يُكتب على “الفيسبوك” أو “تويتر”، أو غيرهما، يندرج في قائمة الأدب أو الفن الجيد، فأغلبه كتابات ارتجالية، عشوائية، رغم كونها أصبحت نمطاً كتابياً جاذباً لشريحة كبيرة من القراء الشباب وغير الشباب أيضا. أما الحديث عن “شاعر الفيسبوك” أو “كاتب الفيسبوك” فهو لا يمثل أي معيار من معايير الجودة الجمالية أو القيمة الفنية التي تضمن لنفسها البقاء؛ لأن أغلب هذا النتاج لم ينضج بالقدر الكافي، ولم يتأنّ أصحابه في بنائه وهندسته وتدبيجه قبل وضعه على الشاشات بعفويته وطزاجة اللحظة واندفاعة العاطفة أو توهّج المخيّلة.
وعلى الرغم من ذلك، قد يظهر شاعر هنا أو كاتب هناك عبر صفحات التواصل الاجتماعي، لكنه يظل شاعرا أو كاتبا محتملا، أو افتراضيا، يحتاج إلى المزيد من الخبرة والتكوين المعرفي الهادئ، والدخول في عالم المنافسة الفعلية وسط المجلات والدوريات والصحف الأدبية والثقافية المرموقة.

*هل ترى أن الجوائز الأدبية رافعة للرواية العربية أم وسيلة تسويق .. وهل هي وسيلة تسويق ناجحة أم فاشلة؟
للجوائز وجهان؛ أحدهما إيجابي والآخر سلبي. وإذا أردنا الموضوعية فإيجابياتها تغلب على سلبياتها بكثير. وعلى الرغم من غواية الجوائز العربية والمحلية المتعدّدة (مثل: جائزة البوكر، جائزة الشيخ زايد، جائزة كتارا، جائزة ساويرس، جائزة الجامعة الأميركية بالقاهرة .. وغيرها) التي اجتذبت المبدعين الموهوبين من الكتّاب جنبا إلى جنب أنصاف الموهوبين والمبتدئين المتعثّرين منهم، ودفعت الجميع إلى التجريب والجرأة على ممارسة الكتابة السردية في شتى أشكالها، وعدم الوعي -في بعض الأحيان- بالحدود الفاصلة بين السرد الروائي التخييلي والسرد الصحافي والسرد الخبري والسرد المعلوماتي والسرد التاريخي والسرد الذاتي (وهي ملامح عالمية، وليست محلية فقط، تعيد صياغة مفهوم “الرواية”)، وتدبيج مئات الصفحات التي قد تبلغ أحيانا 700 صفحة أو يزيد في رواية واحدة، بما قد ينطوي عليه هذا الكمّ من ضعف فني هنا أو وهن بنائي هناك أو ثرثرة غير موظّفة بالقدر الكافي؛ أقول: إنه على الرغم من كل هذه الظواهر السلبية التي يطلق عليها البعض اسم “التضخّم أو الانتفاخ الروائي” للجوائز أثرها الكبير والمهم للغاية في تنشيط أقلام الكتّاب وتحفيز المبدعين ودعمهم ماديا ومعنوياً، وازدهار حرية النشر والترجمة، وازدياد نسب القرّاء العرب بصفة عامة، وحتى ولو بين الفئات العمرية الأصغر سنا، فضلا عن نهوض الرواية -أكثر من غيرها من الأجناس الأدبية الأخرى- بوظيفة التوثيق أو التأريخ لكل ما يجري في عالمنا العربي، وما يحيط به من متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية متلاحقة. لقد غدت الرواية العربية الآن كما كان يقول جورج لوكاتش “ملحمة العصر الحديث”، أو كما كان يقول نجيب محفوظ وعلي الراعي “شعر الدنيا الحديثة”.

*قلت لي ذات مرة بأن الثقافة الفلسطينية لها حضور كبير في العالم العربي .. مع ان البعض يرى ان هناك تراجعاً بعد موت الرموز والآباء مثل محمود درويش وغسان كنفاني وجبرا ابراهيم جبرا وغيرهم ؟
بالفعل، للثقافة الفلسطينية حضور كبير في العالم العربي، فعلى الرغم من رحيل غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي ومحمود درويش، فلا تزال أعمالهم حيّة بيننا، مؤثّرة في الذاكرة الإبداعية العربية المعاصرة إلى درجة كبيرة. وربما ما يراه البعض حالة تراجع للإبداع الفلسطيني أو الثقافة الفلسطينية هو وجه من وجوه تراجع الإبداع العربي بصفة عامة (والمشرقي منه بصفة خاصة)، هذا في مقابل ازدهار الثقافة المغاربية (تونس، الجزائر، المغرب) من ناحية والثقافة الخليجية من ناحية مقابلة.
لم تعد قضية المركز والأطراف على ما كانت عليه سابقا؛ لم تعد الثقافة المصرية واللبنانية والأردنية والفلسطينية والعراقية في موضع الصدارة وحدها دون منافس، بل أصبح التنافس على أشدّه. ثمة شيء آخر لافت للنظر، هو توزّع عدد كبير من الكتّاب والمبدعين الفلسطينيين واستقرارهم في عدد من البلدان العربية، خصوصا الخليجية، وممارسة إبداعاتهم الكتابية والفنية من موقع الـ”هناك”.
*العمل الروائي الأول هل ترى انه شماعة لتبرير الضعف او موطئ قدم في ساحة الإبداع؟
في حرفة الرواية، لا فارق بين العمل الروائي الأول والعمل الروائي الأخير. المعيار هو الجودة والقيمة الفنية والجِدّة والخيال الخلّاق. وليس العمل الروائي الأول -كما قد يتوهّم البعض- تدريباً أو تجريباً لكتابة العمل الثاني أو الثالث، صعوداً نحو هرم الجودة الفنية والقيمة الجمالية الرفيعة. هذا محض وهم كبير.
الرواية المتميزة رواية متميزة، بغضّ النظر عن ترتيبها في سلّم أعمال الكاتب. ولنا في ذلك شواهد كثيرة على كتّاب معاصرين نالت أعمالهم الأولى استحساناً نقدياً وانتشاراً كبيراً وتقديراً من بعض الجوائز المرموقة، وظلّوا معروفين بها ومن خلالها، حتى من بعد إنتاجهم نصوصا أخرى لاحقة. ويمكن الاستشهاد هنا بروايات من قبيل “ساق البامبو” لسعود السنعوسي و”عمارة يعقوبيان” لعلاء الأسواني و”الخِباء” لميرال الطحاوي، و”الطلياني” لشكري المبخوت … وغيرهم.

*هناك جدل كبير حول الرواية التاريخية، وما اذا كان يحق لكاتبها إعمال خياله على مستوى الشخوص والاحداث في تاريخ مرصود في الكتب .. وهل التاريخ مقدس ام يحق للروائي العبث به؟
علاقة الرواية بالتاريخ دائما علاقة إشكالية، شد وجذب، أخذ وعطاء؛ فالتاريخ سرد، والسرد تاريخ بمعنى من المعاني.
بعد نكسة يونيو (حزيران) 1967، وما أحدثته من هزّة عنيفة زلزلت أركان المجتمع المصري والعربي، وأفقدت الشباب الذي كان متحمّساً آنذاك، ومفتوناً بالحلم القومي والعربي، وعيَه بالحاضر، وزعزعت ثقته في المستقبل – انداح هذا الشعور وانسرب إلى متون الأدب شعراً وسرداً، وكان أبلغ تجسيد له هو ابتكار الطرائق الفنية والجمالية التي خلقتها النصوص الروائية لمعالجة الأزمة، بطرق مباشرة وغير مباشرة؛ فطفا على سطح هذه النصوص “جَلْد الذات”، وتفتّتت اللحظة الآنية، ومن ثمّ تفتّتت بنية الحدث الروائي، وتشظّى الزمن، وتداخل الواقع مع الحلم، وتخلّى الرواة عن كلية المعرفة أو كلية العِلْم الذي دانت له كثيرًا الرواياتُ الكلاسيكية حتى المرحلة الواقعية، واعتمدت الرواية في سرديّتها على وحدات قصصية متقطّعة تتناوب ما بين الماضي الأثير والحاضر الغامض والمستقبل الافتراضي، في بنيات ومشاهد متناثرة لا يجمعها سوى عقل القارئ ومخيّلته.
لقد استطاع رواة هذه الروايات -ومن ورائهم المؤلّفون بالطبع- قول ما يريدون قوله دون التعرّض المباشر أو الحرفي لبطش الحاكم، فكانت سرديات من قبيل: “الزيني بركات” لجمال الغيطاني، “في الصيف السابع والستين” لإبراهيم عبد المجيد، وغيرهما.
هكذا، فالتاريخ مقولة سردية أو هو صنف من صنوف السرد، حيث تتقاطع الرواية مع التاريخ، كما يتقاطع التاريخ مع الرواية، ويفيد كل منهما من الآخر في تشييد بنيته الحقيقية أو المتخيّلة.
ومن هنا، يمكن القول إن، مركبة التاريخ العربي بصفة عامة لا تمضي صعودا إلى الأمام باتجاه خير البشرية، حيث أحلام التقدّم ووعود الحرية التي سوف تُلحِق بلداننا بركب الحضارة الأوروبية، كما كانت تفترض السرديات الكبرى Grand Narratives أو كما تزعم السرديات الجليلة. ويرجع السبب في ذلك إلى أن التاريخ العربي -كما يتجلّى في أغلب مرويات كتّاب الستينيات والسبعينيات في مصر مثلا- تعتريه انقطاعات وحذوفات وفجوات والتواءات ومنحنيات كثيرة تجعل السردية المصرية والعربية المعاصرة تنكفئ على همومها وقضاياها المُغْرِقة في المحلية، وتدخل في نفق طويل ينتهي بها إلى ما يمكن وصفه بأنه “أفول السرديّات العربية الكبرى”. والأمر نفسه سوف ينطبق، بدرجة أو بأخرى، على بعض المرويّات المصرية الجديدة بعد ثورة يناير 2011. وفي ظني، أن ثمة إرهاصات وعلامات دالّة بدأت في الظهور، خصوصا مع بعض السرديات أو المرويات المصرية التي راحت تسائل مفهوم “الثورة”، وتبحث عن أفق جديد ينطوي على بعض الحرية وبعض العدل الاجتماعي.
ويمكن أن نذكر هنا بعض الروايات الصادرة حديثا؛ من قبيل “جبل الزمرد” لمنصورة عز الدين، “فتاة الحلوى” لمحمد توفيق، “جبل الطير” لعمّار علي حسن، “البحث عن دينا” لمحمود الورداني، “خمّارة المعبد” لبهاء عبد المجيد، وغيرها من الروايات التي اتخّذت هذا المسار بشكل أو بآخر.

* كأستاذ في النقد الادبي كيف ترى ظاهرة “الاكثر مبيعا” او ” البست سلر” ؟
هي ظاهرة لها أسباب ومظاهر عدّة. فالـ”Best Sellers”  أو “الأكثر مبيعا” في المنتج الثقافي الأوروبي يختلف عنه في المنتج الثقافي العربي بكل تأكيد. في مجتمعاتنا العربية التعيسة، ثمة غياب كبير للمؤسسات الثقافية والنقدية القادرة على فرز النصوص والمواد الفنية والثقافية، وعدم وجود تراكم في سلسلة الأعمال المتميزة، إلى الدرجة التي أصبح معها “الأكثر مبيعا” مرتبطا بشريحة بعينها من القراء هم في الغالب الأعم من طلاب المدارس والجامعات المندفعين دون وعي كافٍ أو محدودي الثقافة الباحثين عن المتعة السريعة والدهشة التي تعكس ثقافة ضحلة، تدور غالبا في فلك المعلومات المبتسرة أو الـ”Take Away” التي فرضتها منظومة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.
ومن جهة اخرى، استغلّت الكثير من دور النشر العربية، وأغلبها دور نشر تهدف إلى الربح فقط، مثل هذه الظاهرة، وراحت تكرّس لها، ولمن يكتبون مثل هذه الكتابات الساخنة التي تدغدغ المشاعر والأحاسيس، وتسرق أفكارها من بعض متون الأدب العالمي أو العربي المتواري خلف جدران الذاكرة المثقوبة.

* أخيراً .. برأيك ما هو الدور المنوط بالناقد للارتقاء بمشهد ثقافي ما؟
ليس الناقد وحده هو المنوط به ممارسة هذا الدور من اجل الارتقاء بالمشهد الثقافي. وكما قلت سابقا، ليس ثمة أوصياء على الأدب أو الأدباء.
ولا يكمن دور الناقد، حسب المفهوم المعاصر، في تنصيب نفسه وصيًّا على النصوص الأدبية وأصحابها. فالنهوض بالمشهد الثقافي في أي قطر عربي رهين بوجود ناقد جاد موضوعي، ومبدع يشتغل على نفسه ويسعى إلى التطوّر والنموّ، وناشر يمتلك فلسفة في اختيار الكتب والنصوص، ويمتلك محرراً ثقافياً متميزاً يضع أنامله على مواطن القوة والضعف قبل السقوط في فخ النشر الأعمى او الأهوج، ومؤسسة ثقافية غائبة ينبغي إحياؤها، وأكاديميات وجامعات ومعاهد علمية منقطعة عن مواصلة كل ما هو جديد، وأخيرا، -لا، بل أولا وقبل كل شيء- شعوب عربية فقيرة طامحة إلى العدل الاجتماعي والتأمين الصحي والتعليم الجيد والحرية السياسية.
من يضمن لي نصف هذا (ناقد، مبدع، ناشر، محرر ثقافي، مؤسسة ثقافية، أكاديميات) أنّى له أن يعاني من أية أزمة ثقافية أو إبداعية ؟!

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق