الاخبارشؤون عربية ودولية

البشير يعود من العزلة

images

تم اتهامه بارتكاب عمليات إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية. وبعد قضاء عقدين كمنبوذ، أصبحت أوروبا تدفع له أموالاً لمنع وصول المهاجرين إلى شواطئها.
*   *   *
“مصائب قوم عند قوم فوائد”، هذا ما يقوله المثل العربي الشعبي الشائع في السودان، والذي من الممكن أن يصبح بسهولة شعار البلد. وتنطوي التطورات المأساوية على إمكانية للتآمر من أجل إطالة أمد بقاء النظام السوداني -أو أن النظام السوداني يتوافر على المهارة لتجيير التطورات المأساوية لصالحه بحيث يستطيع البقاء في السلطة.
كانت أحدث مصيبة استفادت منها حكومة عمر البشير، الذي أصبح منبوذاً على الصعيد الدولي عندما استضاف أسامة بن لادن وغيره من الإرهابيين في السودان في تسعينيات القرن الماضي لينال لاحقاً صفة أول زعيم دولة تتهمه المحكمة الجنائية الدولية وهو على رأس السلطة بارتكاب جرائم في دارفور، كانت أزمة اللجوء الجماعي التي تعصف بأوروبا. وفي مقابل التعاون مع الاتحاد الأوروبي في وقف حركة المهاجرين واللاجئين عبر الأراضي السودانية، تم توجيه الدعوة لحكومة البشير، بهدوء، للخروج من عزلتها.
وكان السودان واجه على مدى ثلاثة عقود تقريباً عقوبات أميركية وأوروبية. ومنذ اتهام المحكمة الجنائية الدولية له بارتكاب جرائم حرب في العام 2009، ظل البشير يعد مطلوباً فاراً من وجه العدالة في كثير من دول العالم -وقادراً فقط على زيارة حفنة من البلدان في أفريقيا والخليج من دون الخوف من الاعتقال. والآن، من المقرر أن تتسلم حكومة البشير قدراً سخياً من مبلغ الملياري دولار الذي خصصه صندوق ائتمان الطوارئ الخاص بأفريقيا بهدف مكافحة الهجرة في مهدها من خلال تعزيز التنمية وتقوية أمن الحدود. وبالنسبة للسودان، شكلت أزمة اللجوء هبة من الله.
لمجموعة من الأسباب -منها موقعه الاستراتيجي المجاور لليبيا ومصر، وأراضيه الداخلية غير المحكومة في جزئها الضخم، وحدوده المسامية- أصبح السودان ملاذ عبور رئيسيا للاجئين والمهاجرين من أريتيريا وأثيوبيا وسورية، والذين يأملون في الوصول إلى أوروبا. وكانت الحكومة السودانية، تاريخياً، غير صارمة في موضوع الهجرة عبر أراضيها. ولكن، مع عرض أموال الاتحاد الأوروبي واحتمال تطبيع العلاقات مع الأمم الأوروبية، أصبح السودان على حين غرة منضبطاً أكثر بكثير من السابق فيما يتعلق بممارسة دور الشرطي على حركة الناس داخل حدوده.
الآن، يقول اللاجئون في السودان إن المسؤولين السودانيين الذين كانوا يقبلون الرشاوى في السابق من المهاجرين أصبحوا يبدون الآن غير راغبين في فعل الشيء نفسه. فجأة، أصبحت قوة الشرطة سيئة السمعة والفوضوية في الخرطوم أكثر انضباطاً عندما يتعلق الأمر باعتقال المهاجرين، وخاصة من أريتيريا المجاورة. وفي شهر أيار (مايو) الماضي، ذكر أن ما يقرب من 1000 أريتيري حوصروا في الخرطوم، ثم أخذوا إلى السجن هناك أو أعيدوا إلى أريتيريا. ثم في حزيران (يونيو)، ألقت السلطات في السودان القبض على مريد مدهاني، المهرب الأريتيري الذي يعتقد بأنه مسؤول عن غرق نحو 400 مهاجر في العام 2013 بالقرب من جزيرة لامبيدوسا الإيطالية، ثم قامت بتسليمه لإيطاليا.
لم تكن هذه الصحوة من المواطنية العالمية الجيدة محض صدفة. ففي نيسان (أبريل) الماضي، أعلن نفين ميميكا، مفوض الاتحاد الأوروبي للتعاون والتنمية الدوليين رسمياً عن تخصيص حزمة مساعدات بقيمة 110 ملايين دولار للسودان من خلال صندوق ائتمان الطوارئ الخاص بأفريقيا، بالهدف الظاهري المتمثل في خفض منسوب الفقر وخلق الوظائف وتحسين سوية تقديم الخدمات الأساسية في المناطق المهمشة والمتأثرة بسبب النزاعات. وقال ميميكا في بيان: “يركز دعمنا الجديد (110 ملايين دولار) بشكل أساسي على تحسين الظروف المعيشية لأولئك الذين يصفون السودان بأنه وطنهم، ومساعدة العائدين إلى البلد في الاندماج في داخل المجتمع وتحسين الأمن عند الحدود”.
من المؤكد أن ميميكا أمل في أن يلاحظ العالم البندين السابقين اللذين أبرزهما، لكنه البند الأخير بالتحديد -أمن الحدود- هو الذي دفع إلى التقارب غير السهل مع بروكسل في المقام الأول، والذي استوعب جل الأموال. وفي أيار (مايو) الماضي، حصلت مجلتا “دير شبيغل” و”ذا نيو ستيتسمان” على وثائق سرية تظهر أن الاتحاد الأوروبي خصص أموالاً لتدريب شرطة الحدود السودانية، وخطط لتقديم معدات مثل الكاميرات والماسحات والسيرفرات للحكومة السودانية بحيث تستطيع تسجيل اللاجئين الوافدين وإنشاء “مركزي استقبال” في البلدتين الشرقيتين غدارف وكسلا. ومن غير الواضح ما إذا كانت هذه الأموال ستكون جزءا من حزمة المساعدات التي تبلغ 110 ملايين دولار التي تم الإعلان عنها في نيسان (أبريل)، أو جزء من منحة منفصلة بقيمة 45 مليون دولار من صندوق ائتمان الطوارئ أيضاً، والتي من المقرر أن يتسلم السودان جزءا منها نظير إدارته موضوع الهجرة. وفي كلا الحالين، يجري تمويل السودان بفعالية لوضع حد لتدفق المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا -ومن أجل بناء سجون في الهواء الطلق لإسكانهم.
يشكل ذلك صفقة بغيضة أخلاقياً بالنسبة لأوروبا على أقل تقدير. فتصدير إدارة طرق الهجرة إلى حكومة خالية الوفاض من السيولة ولها سجل بائس في حقوق الإنسان، سيعني فقط مزيداً من المعاناة للمهاجرين واللاجئين اليائسين. وسوف تقوي هذه الصفقة نظاماً يرغب العديدون في الإسراع في أفوله، بما في ذلك البلدان الأوروبية كما يفترض، والتي كانت عقوباتها قطعت الخرطوم عن أسواق المال الدولية. وقد نسبت الخدمة الإخبارية “أيرين” إلى ناطق بلسان الهيئة العامة للتعاون الدولي والتنمية في الاتحاد الأوروبي قوله إن صندوق ائتمان طوارئ أفريقيا كان “صمم لتحسين إدارة الهجرة”، وأنه “لن يتم تحويل التمويلات من خلال الهياكل الحكومية للبلدان المستفيدة”.
لكن هذا البيان يظل مضللاً في أفضل الحالات، وكذبة صريحة في أسوئها. ففي بلدان مثل السودان حيث يكون الحد الفاصل بين العام والخاص ضبابياً في الغالب، لا يحتاج المال إلى الانتقال من خلال قنوات رسمية للوصول إلى الجيوب الحكومية. وحتى لو تم دفع الأموال فقط للمنظمات غير الربحية وغيرها من منظمات الشراكة الخاصة، فإن الحكومة السودانية ستسيطر على كل جزء من العملية، انتهاء بتحديد من هو الذي سيفوز بالدخول في مناقصات الإنشاء لتركيب وتشغيل معدات المراقبة. وثمة القليل من المحاسبة أو الشفافية عندما يتعلق الأمر بالسياسات المالية للحكومة السودانية، كما أنه من الصعب تخيل الاتحاد الأوروبي وهو يدقق بشكل وثيق ليعرف إلى أين ستنتهي الأموال، طالما كان طريق الهجرة عبر السودان يخضع للرقابة الصارمة ويتم إغلاقه بفعالية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الكيانات التي ستضع إجراءات الهجرة الجديدة التي وضعها الاتحاد الأوروبي موضع التنفيذ -أجهزة الشرطة ومراقبة الحدود وما تسمى قوات الدعم السريع- هي جزء لا يتجزأ من الحكومة. وهي قوة شبه عسكرية تدعم الجيش السوداني المحارب، وهي متهمة بارتكاب انتهاكات مرعبة لحقوق الإنسان، بما في ذلك عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء والتعذيب والاغتصاب الجماعي. وكانت هذه القوات تشكلت في العام 2013 من عناصر من ميليشيات الجنجويد سيئة الصيت، التي كانت نفذت عمليات الإبادة الجماعية في دارفور بناء على أوامر الحكومة، وهي تأتمر بأمر أجهزة المخابرات والأمن القومي. وكانت الفكرة هي إنشاء قوة رد سريع حاسمة للاستجابة لانتفاضات الثوار الاعتيادية في البلد، والعمل كحرس شخصي للحكومة المركزية. وعادة ما تقوم قوات الدعم السريع بتسيير دوريات في الخرطوم، العاصمة التي تصبح باطراد أشبه بالحصن، من أجل تأمينها ضد هجمات محتملة من الثوار -والتي أصبحت تقوم الآن بتفعيل سياسات الهجرة التي وضعت في بروكسل.
من المقلق أن أولئك الذين ارتكبوا جرائم الحكومة السودانية في دارفور هم الذين يشكلون الآن خط دفاع أوروبا الأول ضد اللاجئين غير المرغوبين من أفريقيا. لكن الأكثر إثارة للقلق هو حقيقة أن الاتحاد الأوروبي أصبح يسلِّح الخرطوم بالمصداقية الدولية، في وقت تسجل فيه شرعيتها المحلية رقماً قياسياً في الانخفاض. ومع عوزه الشديد إلى المال بسبب أسعار النفط المنخفضة، وصورته القاتمة في نظر العديد من المواطنين بسبب استخدامه الغرائبي لعمليات القتل خارج القانون والاعتقالات، يواجه النظام الحاكم في السودان الآن أكبر احتجاجات طلابية في الذاكرة الحديثة -وهي احتجاجات تحولت في بعض الأحيان إلى اشتباكات دموية مع القوات الأمنية. ولكن، وبدلاً من مضاعفة الضغط على البشير باستذكار انتهاكاته، تقوم الحكومات الأوروبية بهدوء بمساعدة حكومته على الهروب من عزلتها الدولية السابقة. وفي حزيران (يونيو) الماضي، على سبيل المثال، قامت مارتا ريوداس، ممثلة الأمم المتحدة ومنسقة الشؤون الإنسانية للسودان، بزيارة البشير في بيت الضيافة الرئاسي في الخرطوم. وكانت ريوداس أعلى مسؤول أممي رفيع المستوى يجتمع مع الرئيس السوداني منذ أعوام عدة. وكان ميميكا زار السودان هو الآخر واجتمع مع نائب الرئيس، بالإضافة إلى الاجتماع مع مسؤولين سودانيين في وزارات التعاون الدولي والشؤون الخارجية والداخلية. ويفترض أن زيارة الرئيس كانت ما تزال تشكل أمراً بعيد المنال -بصرياً على الأقل.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تثبت فيها مأساة خارجية أنها بمثابة نعمة بالنسبة للنظام السوداني. فبعد هجمات 11/9 الإرهابية في نيويورك، بدأت حكومة البشير تعاوناً هادئاً -وإنما وثيقاً- مع الولايات المتحدة في شؤون الاستخبارات. وفي المقابل، كسبت الخرطوم ميزات إضافية في مفاوضات السلام مع الثوار في جنوب السودان، والتي كانت تجري بإشراف أميركي، بالإضافة إلى وعود بالإعفاء من العقوبات بمجرد أن يحصل جنوب السودان على استقلاله في العام 2011. وقد نكثت الولايات المتحدة بوعدها بالإعفاء من العقوبات بعد ظهور نزاعات جديدة في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان السودانيتين، لكنها استمرت في العمل الوثيق مع مسؤولي المخابرات السودانيين. واليوم، يقول العديد من المسؤولين الأميركيين في أحاديث خاصة إنهم يودون إزالة السودان من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، وهي خطوة ثبت أنها ما تزال مستحيلة سياسياً حتى اليوم.
لكن السودان أصبح يمتلك الآن ورقة مساومة: اللاجئون اليائسون الذين يريدون المخاطرة بحياتهم من أجل الوصول إلى أوروبا. ومن غير المرجح أن يتم رفع كل -أو حتى معظم العقوبات- في أي وقت قريب. وما تزال الخيارات سيئة جداً بالنسبة لمعظم القوى الغربية، لكن التعاون على جبهة اللجوء يشكل أول خطوة واضحة في اتجاه إعادة تأهيل البشير. وإذا خرج السودان من العزلة، فسوف يظل الشعب السوداني مع ذلك عالقاً في العراء في المستقبل المنظور، منتظراً رفع العقوبات الدولية ووضع حد لوحشية حكومته، بعد ذلك بوقت طويل.

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Bashir Comes in From the Col

نسرين مالك –  (فورين بوليسي) 2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

 

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com