ثقافة وادبزوايا

زوار المريض غرفة 8

زوار المريض غرفة55555 8

زوار الغرفة رقم 8 زوار لم يطقهم أحد من الطاقم الطبي؛ ورغم ذلك، لم يكن أحد منا يفوه بكلمة واحدة بحقهم. الأطباء يعاملونهم برفق ولين، والممرضات والممرضون يلبُّون طلباتهم وحتى حرَّاس المستشفى يفتحون لهم الأبواب ويرافقون بعضهم حتى المصاعد للإطمئنان على مريضهم.

في ورديَّتي الأولى لوجودهم، سمعتُ عنهم انهم قدموا شكوى قبل يومين بحق ممرضة روسية لأنها قالت لهم ان مريضهم لا أمل في شفائه وعودته كما كان إن اجتاز حالة الغيبوبة، وأكدت لهم ان ثمة احتمالاً كبيراً بحدوث ضرر دماغي إثر قلة الأكسجين عند محاولة اسعاف مريضهم. جُنُّوا حين سمعوها تقول ان كرامة المريض تعني نزع أجهزة التنفس والأكسجين عنه. لم يشتموها لكنهم استصغروها، وقال احدهم لها ان كرامة المريض تعني ان يتلقى العلاج الطبي والمعاملة الإنسانية، واتهموها بتجاوز صلاحياتها وعدم قيامها ولا اتقانها عملها.

اعتبرتهم زوَّاراً فوق العادة، وظننتُ انهم أصحاب واسطة، ربما أقارب طبيب او شخص مسؤول أو فاحش الثراء. وتفاجأت من حقيقة انهم فلسطينيون في هذا المستشفى الاسرائيلي المتدين. ثم استلمت غرفة رقم 8 ورأيتهم يتحلقون حول مريضهم الغائب عن الوعي.

لم أرغب في إقامة علاقة تعارف بيني وبينهم، وحاولت في أول وردية لي في العناية بمرضى غرفة 8، ألا اتكلم بلغتي العربية معهم ولا باللغة العبرية. رأيتهم يبكون ويضحكون، يحادثون مريضهم بصوت عالٍ ويهمسون ويدعون الله ويقرؤون القرآن على مسمعه، ويتداولون قصصه ومقولاته وأخباره وأخبارهم وتحيات الجيران وأصدقائه له، ويذكرون له كلَّ ما يحبه. أدخل فأقوم بما عليَّ أن أفعله وأغادر، وحين يحادثني أحدهم او يطلب مني أمراً، أهزُّ رأسي، حتى حادثوني واضطررت للتعبير. عرفوا اني عربي، تباً. كلا، لن احتمل ان اعقد بيني وبينهم علاقة صداقة او حتى معرفة.

غرقى. نعم هم غرقى. ورغم ذلك، عيونهم على مريضهم وعلى شاشة صغيرة تتراقص فيها الأرقام، وهو المُثبَّت على السرير بالأشرطة، المربوط بالأجهزة وبرابيج التنفس وسوائل التغذية والدواء والمضادات الحيوية. جسده ترتفع حرارته ويزخُّ العرق من جسده؛ الحرارة العالية دليل على وجود التهاب. يسألون عن المضاد الحيوي وكميته، يجلبون مروحة من البيت لتخفيض حرارته. حول السرير هم غرقى، ومريضهم يناضل من أجل الحياة ويعطي للحياة كلها معناها.

يخشون عليه من العرق والماء خوفهم من غرقه في حمام بانيو. لكن السرير ليس بانيو بل سفينةً بينما هو معلَّق بالصارية وحوله أمواج عاتية تضربه وتلطمهم، وتخبطه وتطيح بهم هنا وهناك؛ هو يمسك صارية الجلوكوز والأكسجين وهم يتمسَّكون بحبال الهواء وخيوط الأمل الرفيعة، ويتعلَّقون بقشة الرجاء والدعاء. كم يتمنون أن يقوم وينهض ويفكَّ قيوده ويهرول خارجاً من المستشفى عائداً إلى بيته على  قدميه!! يخافون من كلّ صفير، يرعبهم كلُّ ضوء أحمر صغير في أحد الماكينات او شاشة الحاسوب الخاص بقسم الإنعاش، حتى روضتني مخاوفهم وصارت النواسات الحمراء الصغيرة والأرقام الحمراء ترعبني بلا أدنى سبب. هم قطرة دم كبيرة عجنتها الأقدار، اسمها الأرض ولونها أزرقَّ بسبب قلِّة الأكسجين.

هم ليسوا أصدقاء المستشفيات او المرضى، ولستُ صديقاً لهم. بالنسبة إليَّ، هم مساكين. عانوا من مرض نبيل اسمه الإنكار. كنتُ أراهم غرقى. بعضهم متعطش للمعرفة، كلهم متعطشون للأمل، وكلهم في هذا المستشفى الاسرائيلي، حيث يتحدث العاملون بالروسية والأمهرية والعبرية والإنكليزية، متعطشون إلى سماع اللغة العربية!! كلَّ سبت كانوا يشحنون انفسهم بالقوة والأمل وكنتُ أجهل السبب، حتى أدركتُ انه ربما كان السبب ان معظم الطاقم الطبي فلسطينيون. بالنسبة إليَّ، كانوا غرقى، وكان مريضهم الغارق في غيبوبته هو الباحث عن نفسه.

الاحلام فقاقيع الغرقى، وها هم يتمسَّكون بحبال الهواء وخيوط الأمل الرفيعة، ويتعلَّقون بقشة الرجاء والدعاء. غرقى هم، يتخبَّطون في عرقهم وأمواج مخاوفهم، بينما هو وحده على قاربه ويداه متشبثتان بصارية الحياة. حيواتهم مربوطة بحبال صلواتهم ودعائهم، حبال ديونهم واحلامهم وطموحاتهم، وحبال استقبال الهاتف الخلوي وحبال ذبذبات الواي-في والانترنت، وهو لا يزال مربوطاً بحبال حياته وصمته وألمه، باحثاً في غيبوبته عن ذاكرته ووجهه وضحكاته وإيقاع فرحه.

لكنه ليس بطل أفلام! كلا، فأبطال الأفلام وحدهم الذين لا يموتون في هذا العصر. انه شخص غائب عن الوعي، غريب عن نفسه ولا يتعرف إلى هويته إن استطاع ان يفتح عينيه ويرى نفسه؛ هل الغيبوبة تجبُّ ما قبل ذات الإنسان وما بعدها؟هل الغيبوبة برزخ؟ هل هي سحابة معلَّقة محرومة من البكاء وممنوعة من الطيران والتسامي؟ حياته فيلم قصير لا يشاهده غيرهم وغيرنا نحن الممرضات والأطباء في شاشة صغيرة هي حدود الأرقام، عليها معطيات ضغط دمه، وكمية الأكسجين وعدد نبضات قلبه. ليس بوسع المريض ان يتكلم، كلامه سفينة غارقة عند حدود الأرقام، واحلامهم فقاقيع الغرقى.

وأنا لستُ صديقاً لهم، ولستُ صديقاً للمستشفيات. ولستُ خائفاً من شيء، لا المرض ولا الموت ولا قصور جسدي، لكني أتمنَّى أن أفهم لماذا انجذب للأحمر!؟ كل شيء أحمر يجذبني، من الشارة الضوئية الكبيرة وحتى نقطة التلفاز العمياء في الليل، كخثرة دم في أحد الشرايين او كبقعة دم توشم الأرض بذنب مقيم. هل قطرة الدم الكبيرة التي عجنتها الأقدار هي الأرض!؟ وهل أزرورقت الأرض بسبب قلِّة الأكسجين أم كثرته!؟

جمال القواسمي

 

من المجموعة القصصية بعنوان “لا ذات لي”، 2014

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى