الاخبارشؤون فلسطينية

المدخنون الصغار

مدخنون21-9-2016

رام الله – وفا- ساهر عمرو- المسابح ومدن الألعاب والحدائق العامة مناطق ترفيهية يجد بها المواطن الفلسطيني متنفسا تريحه لبعض الوقت من هموم الحياة، وقساوة الظروف، وتتيح له فرصة الاستمتاع بضحكات الأبناء، وصراخهم، سرورا وابتهاجا بوجودهم بهذه الأماكن، خاصة خلال المناسبات، والأعياد.
ويرافق هذا الجو الممتع العديد من المنغصات، والمشاهدات المسيئة التي ليس من الصعب على رواد هذه الأماكن مشاهدتها وملامستها، ومن أهم وأخطر هذه المشاهدات والتي باتت صفة سائدة ومنتشرة في جميع هذه الأماكن ظاهرة تدخين الأحداث والقاصرين، سواء السجائر، أو الأرجيلة.
ففي أحد المتنزهات تجد حلقات من الأطفال لا يتجاوز عمر أكبرهم الثماني سنوات يلتفون حول أرجيلة يتناوب ما لا يقل عن عشرة منهم التدخين عليها بطريقة منتظمة، فكل واحد منهم يعرف دوره، وينتظره بشغف، ليسحب ثلاث سحبات متتالية، ويمررها للذي بعده بهدوء، وكأنهم يعملون شيئا عاديا، ولا يمارسون سلوكا خاطئا يجب أن يخفوه.
ويأتي كل فترة شاب في العشرينيات من العمر وهو موظف في المتنزه يقوم بتغير الجمرات للمدخنين الصغار، لتشعر في لحظات أنك في عالم “أليس في بلاد العجائب”.
هذا الجو دفعنا إلى التوجه لهؤلاء الأطفال لسؤالهم حول ماذا تفلعون؟ لتنهال علينا ما يزيد عن عشرة اسئلة كإجابات تلقائية على سؤالنا أولها ليش تسأل؟ مين حضرتك؟ … وبعد جدل بسيط بدأ الأطفال بالحديث عن جلسة المزاج هذه- كما سموها، فهم عبارة عن أصدقاء من حي واحد تقريبا، يأتون الى المسبح، ويتشاركون في ثمن راس الأرجيلة، فكل واحد يدفع ما بين 1.5 – 2 شيقلا حسب سعرها في المتنزه، مشيرين إلى أنهم يكررون ذلك مرتين على الأقل في كل أسبوع.

وفي متنزه آخر لم تكن الصورة تختلف عما رصدناه سابقا، ولكن لاحظنا كارثة أخرى على إحدى الطاولات، ففي زاوية من زواياه جلس خمسة من الأطفال لم تتجاوز أعمارهم أيضا الثماني سنوات كانوا يدخنون السجائر بشراهة، وبعد جدل بسيط مشابه لما تم في المنتزه الاول دار بيننا حوار تبين من خلاله أن هؤلاء الأطفال منذ فترة يشتركون في ثمن علبة سجائر من النوعية الرديئة، والرخيصة، ويأتون للمكان لتدخينها، وفي الأوقات التي لا يملكون فيها ثمن العلبة الكاملة، فإنهم يشترون بما لديهم من أموال سجائر “فرط “- على حد وصفهم، وفي مرات عديدة كانوا يقتسمون السيجارة الواحدة، ونتيجة غياب الثقة بينهم فهم لا يأتمنون بعضهم على الاحتفاظ بما يتبقى في علبة السجائر، لذا فإنهم يقومون باقتسامها وتدخينها كاملة في الجلسة ذاتها.
وحول كيفية حصولهم على المال اللازم للتدخين، أجاب معظمهم : أنه لا توجد مشكلة في هذا الموضوع خلال العطلة المدرسية، وخاصة في بداية المواسم، والأعياد، فمنهم من يعمل أجيرا وبائعا على بسطة بالسوق، ما يتيح له توفير ما يلزم من أموال، ولكن المشكلة وحسب وصفهم تظهر أيام الدوام المدرسي، فلا مجال للعمل، الأمر الذي يدفعهم في الغالب الى اقتسام السيجارة الواحدة فيما بينهم.
والمثير في الموضوع أن هؤلاء الاطفال لا يشعرون بأي ضغط او ملاحقة لهذا السلوك الخاطئ، الا من بعض الحشرين (المتطفلين) على حد قولهم، والذين يكتفون بنظرات الاستغراب، وفي افضل الحالات يطرحون سؤالا استهجانيا لا ينتظرون اجابة عليه، ويمضون!
إن انتشار هذه الظاهرة الخطيرة وبهذه الصورة يطرح العديد من التساؤلات حول عمل الجهات الرقابية وغياب القانون عن هذه الأماكن، وما السبب في التأخر في اقرار اللوائح التنفيذية لقانون مكافحة التدخين والمقر منذ عام 2005، وعدم القيام بمراقبة هذه الأماكن، واتخاذ الاجراءات اللازمة بحق أصحابها، لكي لا تتحول بسبب غياب الرقابة والقانون الى اوكار، لا يقف الامر فيها عند حد تدخين الارجيلة والسجائر، بل سيتعداه إلى ما هو اكبر وأخطر بكثير.
نائب مدير وحدة حماية الأسرة والأحداث المقدم جهاد الحاج علي أفاد لـ”وفا”، بأن هذه الظاهرة باتت منتشرة، وهي بازدياد مستمر، مشيرا إلى أن القانون الفلسطيني المتعلق بمكافحة التدخين رقم” 25″، لعام 2005 جعل من وزارة الصحة هي الجهة المكلفة بمحاربة هذه الظاهرة، وجهاز الشرطة شريكا في حال طلبت الوزارة ذلك، مؤكدا عدم تلقي أي طلبات سابقة للمشاركة بأي حملة تفتيشية لمكافحة هذه الظاهرة، وبالتالي لا تعتبر الشرطة مخولة بتنفيذ أي عمليات تفتيشية على مثل هذه الاماكن.
من جهة اخرى، أشار مدير عام الصحة العامة في وزارة الصحة ياسر بوزية إلى أن الوزارة في اطار اقرار لوائح تنفيذية خاصة بقانون مكافحة التدخين، حيث تم الانتهاء من اعدادها من قبل الطواقم المتخصصة في الوزارة، ويجري الآن العمل على اقرارها من قبل مجلس الوزراء، ومن المتوقع انجازها خلال الفترة القريبة القادمة.
وحول دور وزارة الصحة في ظل غياب اللوائح التنفيذية، أشار بوزية إلى أن طواقم ولجان الصحة العامة تنفذ عمليات تفتيشية بشكل دائم ودوري على هذه الأماكن، خاصة الاماكن المحيطة بالمدارس، للحد من انتشار هذه الظاهرة.
وحول ما إذا كانت هذه الحملات قد نجحت في رصد حالات مشابهة لما تم رصده ذكر بوزية “أنه لم يتم رصد مثل هذه الحالات، ومن الممكن أن تكون حالات فردية، ولجان الصحة العامة مشكلة من كل المحافظات، وتشمل في عضويتها جهاز الشرطة”.
ويتبين مما سبق إن محاربة هذه الظاهرة والحد من انتشارها تمهيدا للقضاء عليها يتطلب أن تقف كل الجهات عند مسؤولياتها، من حيث الإسراع في إقرار اللوائح التنفيذية الخاصة بقانون مكافحة التدخين، وتفعيل الدور الرقابي، واخضاع هذه الأماكن وغيرها للرقابة بشكل كامل، بالإضافة الى ضرورة رفع مستوى الشعور بالمسؤولية الاجتماعية لدى المواطن، ودفعة لمحاربة مثل هذه الظواهر، وعدم الاكتفاء بالاستهجان والاستغراب عند مشاهدتها، أو المرور عليها.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى