الرئيسيةزواياثقافة وادبسُرَّتي.. يا رائحة البرتقال

سُرَّتي.. يا رائحة البرتقال

ec7cf8b0-737c-4bd0-9d49-d5885fac531c

أعاني من فِتاق سُريّ. لست أعاني لأنّ المعاناة مرهونة بألم نفسي أو جسدي. كل ما في الأمر أن أغشية البطن خلف السرة انفقأت فخلّفت ثقباً صغيراً. كيف حصل ذلك ومتى؟ لا أعلم. ربّما أنّ ثقلاً زائداً حملته كان السبب، أو أنني خُلقت بهذا الفتاق لكنّ أحداً من أهلي لم ينتبه إليه، ولو انتبه فكيف كان ليعرف أن ذلك يمثل خللاً ما ينبغي علاجه.
بسبب هذا الثقب الصغير انتفخت السرة للخارج، صارت ناتئة ببروز يقارب نصف سنتيمتر كحلمة مزيفة، حلمة في غير مكانها. استحضِروا ذلك النتوء البارز في بطن برتقالة من ذلك النوع المعروف بأبي سُرّة، وحينها يمكنكم أن تروا سرّتي: مؤخرة برتقالة مدفونة في بطني، مملكة النبات مزروعة في جسد الحيوان الأعلى، الإنسان، أنا.
واكتشف أخي الطبيب الأمر، فقال: لا مفر، عملية جراحية. كنتُ ولا زلتُ أخاف الإبر الطبية، وأستعيض عنها في فترات مرضي بالأقراص والأشربة مهما تطول فترتا العلاج والنقاهة. كانت تصيبني بالرعب، لكنّي ذات مرة اضطررت، تحت ضغط أخي في إحدى نوباتي المَرَضية العنيفة، للقبول بالحقن كَحلٍ أخير وسريع للقضاء على المرض. كنت وقتها في سنتي الثالثة في الجامعة، وكان هو في سنته الجامعية الأولى. لم تكن أمي في البيت ساعتها، ولما رجوته أن ينتظر عودتها، لأطمئن لوجودها بجواري، لم يستجب لتوسّلاتي ونهرني. قال لي: لا تكن امرأة. تلبّست كلماته في تلك اللحظة، وبلا تمحيص منه، وعياً جمعياً محافظاً وبليداً.
تماهى مع فرمانات الطفولة التي تقول إنّ المرأة هي التي تخاف، والمرأة هي مَن تبكي، وبالضدّ لا يخاف الرجل ولا يبكي، ولا يخاف ولا يبكي قطعاً بسبب “حُقنة”. ليست مفارقة أن يستحيل الوعي الجمعي لاوعياً فرديّاً. لكنّ أخي بعد ذلك بسنوات، إذ خبَرني منهاراً إثر نهاية مفاجئة لإحدى علاقاتي الغرامية، سيقول لي إنّه في نوبات بكائي العنيفة المتكرّرة كان يشيح بوجهه بعيداً عني وهو يواسيني كي لا أرى دموعه المنسابة بغزارة. عاد أخي لوعيه وقاوم مانيفستوات الطفولة. هزم لاوعيه الفردي الذي هو في الأصل وعي الجموع وانحاز لملح عينيه. ومنساقاً خلف وعود الشفاء رضخت وعرّيتُ له ذراعي حينها. لكنّه يُخبرني الآن ألّا حلّ مع الفتاق سوى عملية جراحية.
رغم الرعب الذي انتابني لفكرة الجراحة، أنا الذي لم يمسسني مبضع طبيب من قبل، ولا بشر إلّا من الإناث، إلّا أنه لم يكن أمامي سوى الاستجابة. فكّرت أنّه فضلاً عن عودة سُرتي لمكمنها المدفون كعلامة على إصبع الله، ستكون العملية بتداعياتها من قلة الطعام وانسداد الشهية سبباً في أن يتبخّر كرشي بدلاً من نموّه المضطرد أخيراً كمؤشرات البورصة.
لكنّ قصيدة أخرى، وقعت في يدي بمحض الصدفة، قتلت هذا الحماس الطارئ في نفسي، وفضّت ذلك الرباط الواهن بين خوفي البالغ من الجراحة ورغباتي المؤجّلة في جسم سليم. كنتُ منشغلاً في تلك الفترة بقراءة أولى لأشعار بسّام حجّار، وكان اكتشاف شعره شيئاً مثيراً وبهياً، حين وقع أمام بصري ذلك المقطع الذي يقول فيه:
“نغيبُ في ساعةٍ من الضحك/ والأفكار/ كأنّ فكرة البيتِ تصنعُ المساء/ كأنّ فكرة الملحِ تصنعُ المائدة”.
“يا لهوي”. أسأل نفسي كثيراً عن الذي يفعله الأدب في النفوس، وأجيب الآن: هكذا هو أحد مفاعيله. كما أن المساء هو نتاج الفكرة المجرّدة للبيت، ألا يكون الألم نتيجة محسوسة لاقتراح، مجرد اقتراح، إجراء العملية الجراحية؟! ساعتها تضخّم الألم في ذاكرتي، ألم الإبر الطبية التي جرّبتها، وألم المشارط التي لم أجرّبها، ثم انفصل سريعاً عن خبراتي الشخصية وصار عالياً كبيرق. صار له وجوده المادي المرئي بعيداً عني. أضحى الألم موجوداً قبل الحياة نفسها وتستمرّ هي باستمراره. صرت أتحسّس بطني، وأشعر بوخز الإبر والمشارط الخيالية وأتلمس مواضع الألم وأخاف أكثر، ولأجل ذلك تراجعت بالطبع عن إجراء العملية.
خسرتُ سُرةً طبيعية، ربّما، لكنّني بكل تأكيد كسبتُ قصيدة حجّار، كسبتُ الشَّعر وكسبني، وربما أيضاً سأكسب امرأة جديدة، امرأة أتخيلها تزرع الأغاني في صدري، على أن أسمح لها بالمقابل أن تلعق حلاوة البرتقال من سُرّتي.

0
السفير

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب