ثقافة وادبزوايا

المُهَرِّج

349
الحفلُ الصَّاخبُ يغتالُ حُضُورَه
تَتَمَارَضُ دقَّاتُ السَّاعةِ
بينَ الأضْواءِ البَاهِتةِ المُزْجَاةِ.. وَصيَحَاتٍ مَخْمُورة
بين اللعنات لـ”هَيئَتِهِ” السَّاذجةِ..
والتَّصْفيقِ لخَصْرِ النَّادلةِ الشَّقراءْ
تَقْذِفُهُ اللُّعْبَةُ بينَ الحَمْقَى،
لا تَرْحَمُ لحيتَهُ البَيضَاءْ
يلبسُ أقنعةً هازئةً يتضاحكُ مِنها البُلَهَاء
ينهدُّ صَرِيعَاً في آخِرِ “فقْرَتِهِ”
وتُغنّي “الجُوقةُ” أغنيةَ رِثَاءِ الفَنَّانْ
يَنْهَضُ .. يتقدمُ خطوةْ
يحنِي الرَّأسَ .. بلا تَصْفِيقْ
بل صرخات استهجان!!
.. وَيَضِيعُ بِدَاخِلِهِ الإنْسَانْ
***
الليلةُ ممطرةٌ جِداً.. مُوحِلةٌ جداً
يرحلُ مَنْ في الحَفْلِ سُكارى
ينتعِلونَ رصيفَ التيهْ
تَتَسكَّعُ أعينُهُمْ في طرقَاتٍ عَرْجَاءٍ
تحملهم نحو الفوضى؛
.. أفَّاقاً يسحبُ مأفوناً أعمى
.. وصبياً يغوي امرأةً شمطاءْ
.. وأهازيجَ غباء
***
وكعادتِهِ.. يغلق منهزماً أبوابَ لياليه الغبراء ..
ينْسَدِلُ سِتارُ العتمة إلا من بعض ثقوبْ
ويظلُّ وحيداً
جسداً مغلوباً
قلباً مصلوباً
وبقايا شيءٍ حيّ
يتلمس كسرةَ خبزٍ داستها أقدامُ “السَّادةْ”
أو سؤراً في كأسٍ منسيّ
***
يتكفن في معطفه البالي
منطوياً في زاوية مقرورة
يحضن كَتِفَيهْ
ترعِشُ دنياهُ اليابسةُ برعشةِ فَكَّيه
يمتدُّ البصرُ الزّائع مرتجفاً نحو شعاع الكوّة
وتزيغ قواه
يسبحُ في الوهنِ .. وتقهرُهُ أمواجُ الضيمْ
تسقطُ يُمناهْ
تتدلى لقمتُه “الثَّيبُ” من فمِهِ
تغمضُ عيناهْ؛
يرسلُهُ الوهمُ بعيداً عن واقعِهِ فيضيءُ الكون:
(زوجاً .. تحلمُ في عينيه ..
تسترضيهْ
أطْفالاً .. يأوونَ إليه
مِدفأةً..
كوخاً يأويهْ
لحنَ غَرامٍ يسْتهويهْ) …
لكنّ الأرقَ الحاقدَ .. شبحٌ راقدْ
يرتقبُ الوحْشةَ حتَّى
يتسلَّلُ بين شروخِ الجُدرانْ
يَغْتَصِبُ اللّحظةَ
بين ثقوبِ المِعطَفِ، والأردانْ
تتكاسلُ دقاتُ الساعة
يستسلم لعذاباتِ الظُّلمةِ والوحْدَةِ والقهر..
والبرد.. ينساب رصاصاً في أوصَالِ السهدْ
يهذي.. يَبْكِي.. يسقي صبَّارَ جراحٍ مقبورة
تتصلب ليلته بين اليقظة والغفوة
يطويها مُلْتَحِفَاً بِرِدَاءِ الصبرْ
لَكِنْ .. يَنْتَفِضُ الصَّخرْ!
***
كيفَ ينَامْ؟!
مَا إنْ يَغْفُو حتَّى يُشْرِقَ صُبْحٌ حَالِكْ
مَا إنْ يُصْبحَ حتَّى تَرْكُلَهُ الأقْدَامْ
انْهَضْ يَا “خَدَّامْ”:
يَقْفِزُ مِنْ صَحْوِهْ
يَتأرْجَحُ همْداناً بين مقَاعِدِ “مَسْرَحِهِ” المهجُورْ
يسقطُ..
ينهضُ ..
يتحاملُ..
يتكئُ على عُودِ “مقشَّتِهِ”
لُينظِّفَ “أوسَاخَ” الجُمهورْ!
ياسر غريب

* شاعر من مصر

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى