
كانت مسألة ما إذا كانت الجماعات الإسلامية متوافقة مع الديمقراطية موضوعاً للمناقشة الجادة لبعض الوقت، خاصة بالنظر إلى الادعاءات بأن لدى الإسلاميين عوائق هيكلية عندما يتعلق الأمر بالتكيف مع السياقات الاجتماعية والسياسية المختلفة. ولا يجب أن يتحدد النجاح أو الفشل في دمج الإسلاميين في الحكم بنجاح سياساتهم المحددة عندما يكونون في الحكومة، وإنما يجب أن يتحدد بدلاً من ذلك بقدرتهم على العمل من الداخل واحترام المؤسسات والمبادئ الديمقراطية، وطمأنة قطاعات واسعة من المجتمع إلا أن الحكومات التي يقودها إسلاميون لن تقوم بالتخلص من الديمقراطية. وقد تمتعت بعض تيارات الإسلام السياسي بهذا النوع من النجاح: تشمل الأمثلة على ذلك حزب العدالة والتنمية في تركيا (وخصوصاً في الأعوام ما بين 2002-2013)، وحزب العدالة والتنمية المغربي؛ وحزب النهضة في مرحلة تونس ما بعد بن علي.
كانت تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا ناجحة إلى حد كبير، على الرغم من الممارسات غير الديمقراطية الأخيرة التي تبنتها حكومة أردوغان. وتشكل هذه الممارسات، مثل إساءة معاملة المعارضين، والحملة على وسائل الإعلام والأكاديميين، هجوماً واضحاً على القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. ومع ذلك، ما يزال أردوغان يتمتع بدعم من أغلبية الناخبين، حيث فاز بحوالي 52 % من أصوات الناخبين في انتخابات العام 2014، وهو يواجه معارضة قوية نسبياً داخل وخارج البرلمان.
توازي أوجه القصور في الحكومة التركية تلك التي لدى الأنظمة الأخرى ذات الحزب المهيمن، مثل حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في جنوب إفريقيا، والحزب الدستوري الثوري في المكسيك، وحزب روسيا الموحّدة، والتي تقيد كلها -أو قيدت- التعددية من أجل البقاء في السلطة. وبهذا المعنى، ترتبط معظم أخطاء حكومة أردوغان بإطالة عمر وتعزيز السلطة، وليس بإسلاميتها. وفي عقده الأول في السلطة، تمتع حزب العدالة والتنمية في عهد أردوغان بنجاح اقتصادي وسياسي قبل أن يخضع لإغراء السلطة ويصبح نظاما شبه سلطوي.
كما يقف حزب العدالة والتنمية في المغرب أيضاً مثالا للحالة الناجحة، لأنه اندمج في النظام الملكي/ الديمقراطي الهجين الذي طوره الملك محمد السادس منذ العام 2011. وعلى الرغم من أنه الأقوى انتخابياً، تصرف حزب العدالة والتنمية المغربي كحزب مثل أي حزب آخر، فلم يحاول فرض أجندة إسلامية صارمة على المجتمع، ولا يهدد بـ”انقلاب” ضد النظام السياسي العام.
يقدم حزب النهضة في تونس قصة نجاح أخرى. وعلى العكس من جماعة الإخوان المسلمين في مصر، كان حزب النهضة في تونس منذ إنشائه حزباً سياسياً فقط (في مقابل حركة دينية). وعلى هذا النحو، كان في وضع مناسب لإبرام تسوية مع الخصوم السياسيين عند الضرورة.
كجزء من الترويكا التي قادت ثورة الياسمين، كان حزب النهضة قادراً على التوصل الى تسويات مع معارضيه. وعلى سبيل المثال، بعد اغتيال الناشط التونسي اليساري شكري بلعيد، استجاب حزب النهضة لمطالب المعارضة من خلال إصلاح مجلس الوزراء بتكنوقراط مقبولين على نطاق واسع. وبالإضافة إلى ذلك، بعد أن أثارت الإطاحة بالإخوان المسلمين من السلطة في مصر مظاهرات عنيفة ضد حكم النهضة في المدن التونسية، قبل حزب النهضة بالكامل بحكومة من الخبراء المحايدين من خارج الحزب. وتتناقض هذه التنازلات مع رفض الإخوان المسلمين المصريين استيعاب الحركات والأحزاب الأخرى، وكذلك رفض استبدال أي من وزرائها بأعضاء من خارج الحزب.
لماذا كانت الحالات التركية والمغربية، والتونسية ناجحة، في حين لم تكن بعض الحالات الأخرى كذلك؟ في الحالتين الأوليين، صعدت الأحزاب إلى السلطة في ظل نظام سياسي ودستوري مستقر. وتشكل العلمانية أساس الحكم التركي، ولم ينجح أردوغان في تغيير ذلك جذرياً.
في حالة حزب النهضة، لعبت عناصر، مثل النقابة العامة للعمال التونسيين، والمحامين والجماعات النسوية، دوراً هاماً في كبح محاولات النهضة فرض نموذج ديني على الشعب التونسي. وفي الواقع، يرتبط نجاح الإسلاميين بوجود أنظمة قائمة تجبرهم على الاندماج والتكيف ضمن حدود القانون. وفي الحالات التي جاء فيها الإسلاميون إلى السلطة في أعقاب انهيار الدولة (كما في العراق) أو بعد ثورة تتركهم مسؤولين عن كتابة قوانين جديدة (كما في مصر)، كان الإسلاميون محكومين بالصدام مع الآخرين والفشل.
شهد الإسلاميون فشلاً واضحاً في مصر والعراق وأفغانستان وفلسطين والسودان. في مصر، جاءت جماعة دينية، وليس حزباً سياسياً، إلى السلطة، ووجد أعضاؤها أنفسهم غير مستعدين للحكم وغير مستعدين لقبول وتعزيز النظام الديمقراطي. وفي العراق، فتح انهيار الدولة الباب أمام الأحزاب السنية والشيعية الطائفية للتنافس بطريقة مدمرة على حصصها في السلطة. وفي أفغانستان، أثبتت حركة طالبان أنها فعالة في ساحة المعركة، لكنها غير قادرة على الحفاظ على النظام السياسي. وفي فلسطين، تخلت حركة حماس عن فكرة إقامة دولة فلسطينية لصالح صراعها مع حركة فتح، وبدأ أنصار الطرفين يعطون الأولوية للولاء للحزب على الولاء الوطني. وفي السودان، جاء الإخوان المسلمون إلى السلطة بعد تقسيم السودان وتحول الجيش إلى العقيدة الدينية، مما أدى إلى سيطرة جماعة الإخوان المسلمين الدائمة على السلطة.
عندما تأتي الجماعات الإسلامية إلى سدة السلطة كحركات دينية وليس كأحزاب سياسية، مثل جماعة الإخوان المسلمين المصرية، فإنها لا تكون مهيأة بالأدوات للاضطلاع بتحديات الحكم وصناعة السياسة، ولا بسياسة التفاوض والتسوية مع الجماعات السياسية الأخرى، وهي السمات الضرورية للبقاء السياسي والنجاح.
وصلت الأحزاب السياسية الناجحة، مثل تلك التي ذكرناها آنفاً، إلى السلطة في حوار مع النظام السياسي القائم، وكذلك مع الخصوم السياسيين. وعلى العكس من ذلك، سعت جماعة الإخوان المسلمين المصرية بمجرد أن أصبحت في السلطة إلى الإطاحة بكل من الحركة الثورية ونظام الدولة القائم، ورفضت التعاون والتسوية مع الأحزاب السياسية الأخرى.
وأخيراً، غالباً ما تميز عقيدةُ تفوُّق الهيكل الفكري للجماعات السياسية الإسلامية التي لم تقطع الخطوة الحقيقية في اتجاه أن تصبح حزباً سياسياً. وهي تواجه المعارضة السياسية بتأكيد اعتقادها الخاص بالأحقية الذاتية، وعادة ما تتجاهل النظام السياسي القائم، بل والأمة كلها ببساطة، باعتبار ذلك “غير إسلامي”. ويؤكد هؤلاء الإسلاميون على أن معتقداتهم تأتي من كلمة الله، ولذلك لا يستطيعون الاعتراف أو التعامل مع المعارضة أو الفشل، لأن ذلك سيكون –حسب اعتقادهم- تشكيكاً في المصدر المقدس نفسه. وحتى ينجح الإسلاميون، فإن عليهم أن يميزوا بين معتقدهم الديني وبين السياسات والعمليات المطلوبة في حقل المنافسة السياسية والحكم. وحيث فعلت الجماعات الإسلامية ذلك، في تركيا والمغرب وتونس، فإنها لعبت دوراً بارزاً وإيجابياً في أغلب الأحيان في تحول بلدانها؛ وحيث لم تفعل، خاصة في مصر، فإنها أسهمت في شل الحكم، والاستقطاب الاجتماعي، وعودة للدولة العميقة، والتراجع على طريق الدمقرطة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Islamists in Government: Lessons from their Successes and Failures
عمرو الشوبكي – (معهد الشرق الأوسط) ترجمة: علاء الدين أبو زينة
الغد الاردنية



