
الايام – يوسف الشايب:”كان بإمكاني سماعه وهو يدخل المكتب بحماسته المعتادة.. أخذت نفَساً عميقاً عندما دخل والدي.. توقف عند “الاستقبال” ليحصل على آخر الرسائل المرسلة إليه، ثم سأل: “هل اتصل أحد؟.. بخطوات صغيرة وسريعة تضرب الأرض، سار عن غرفتي، وتبعته سكرتيرته، بينما كان يُملي عليها رسائل تتعلق بجلسات المحكمة لهذا اليوم.. كان يرتدي بذلة داكنة أسفلها قميص مكويّ بلغة جيّدة، وربطة عنق سوداء، حاملاً حقيبة الجلد السوداء الثقيلة.. تراجع إلى الوراء، وأطل من شق في الباب على غرفتي.. رآني أنظر إلى خريطة مغطاة بنسيج العنكبوت، وسأل باتهام: “ماذا تفعل؟ أليس لديك أي عمل تقوم به؟.. قبل أن أتمكن من التوضيح، كان قد اندفع إلى مكتبه لاستئناف الإملاء.. مكثتُ في مكتبي لأفحص الأمر العسكري الجديد للعام 1984 بالإضافة إلى الخريطة المرفقة التي رآني والدي أحدّق بها (خطة الطريق رقم 50)، كما تم تحديدها، كانت مخططًا للهدف طويل المدى لسلطات الاحتلال الإسرائيلي المتمثل في إنشاء شبكة الطرق الجديدة في الضفة الغربية، التي كان لا بد أن يكون لها تأثير كارثي على الجغرافيا الفلسطينية”.
اختار المؤرخ والكاتب رجا شحادة العبارات السابقة لتقديم كتابه الأحدث بالإنكليزية “كان من الممكن أن نكون أصدقاء: أنا وأبي”، وهو كتاب كما وصفه صاحبه غير مرتب زمانياً تبعاً لوقوع الأحداث.
وفي حفل إطلاق الكتاب بمقر مؤسسة عبد المحسن القطان، مؤخراً، وحاوره د. بشارة دوماني رئيس جامعة بيرزيت، لفت شحادة إلى أن “علاقة عمل جيدة” كانت تجمعه بوالده، .. “لكني كنت أهتم بمجال حقوق الإنسان بالدرجة الأولى، لكوني شغوفاً بهذا الجانب، بينما كان والدي يرى في ذلك مضيعة للوقت الذي كان يجب أن يستثمره في عمله بمكتب المحاماة خاصتنا، لاسيما أن والدي كان يتعرض لضغوطات من جيش الاحتلال لكوني أتناول ملفات يصفونها بالحسّاسة، كما أنه كان يعتقد أن لا جدوى من العمل في مجال حقوق الإنسان، وأن العمل السياسي أكثر نجاعة في الحالة الفلسطينية.
وفي الكتاب اعترف شحادة: “بعد عدّة سنوات، أدركتُ أن المشاعر التي كنتُ أعايشها نتيجة التحولات التي أحدثتها إسرائيل في عالمنا، كانت لا بد أن تكون مشابهة لتلك المشاعر التي مرّ بها والدي ما بعد أحداث العام 1948.. شهد والدي على تقسيم فلسطين بعد أن أُجبر على مغادرة منزله ومكتب المحاماة خاصته في يافا، ليستقر في رام الله.. كان لا بد أن يكون هذا التغيير فظيعاً بالنسبة لوالدي، فلم يكن يتخيل أن تغييراً كهذا قد يحدث، وقد يتواصل، مع ذلك، لم يسبق أن تحدثنا قط أنا ووالدي عن مشاعره هذه، كما أن هذا التقارب حد التماهي في تجربتينا لم يقرّبنا من بعضنا البعض”.
أما في حفل الإطلاق، وفي ذات الإطار، اعترف: قبل رحيل والدي، كان ثمة بعض التوتر في علاقتنا، لأنني تركت دراستي في بريطانيا وتوجهت إلى الهند لاكتشاف ذاتي، لكنه، وعند عودتي لم يوبخني، أو يعاتبني، مع أنه عبّر عن دهشته مما فعلت.. لكني لم أرغب بذلك، كنت أحب أن تكون علاقتنا قائمة على النقاش والتواصل.. كنتُ متأثراً بالأفلام والكتب الغربية التي تصف وتوضح علاقة الأب بابنه، لكن هذا ما لم يكن يحدث هنا، فالأب عادة لم يكن يحتضن ولده في بلادنا، ويعبر له صراحة عن محبته له.. كنت أتوق إلى ذلك.
وكشف شحادة: والدي كان محبطاً ما قبل رحيله، كان يعرف ما الذي يجب فعله، لكنه لم يكن قادراً على تحقيق ذلك.. كنتُ أقول له على الدوام إنك فعلت ما يمكن لك أن تفعل.. كنتُ في الأربعينيات من عمري وكان هو في السبعينيات من عمره، ولم أكن متفهماً تأثير التقدم في العمر على نفسيته، ولم أكن أراع ذلك الأمر حقيقية.
كنت أهتم بكتابة الأدب، بعيداً عن السياسة، والحديث لشحادة، لكني، وبعد أن أقمت لسنوات في الولايات المتحدة، وجدت أن النشطاء الفلسطينيين هناك يعرفون القليل عن حقائق ما يجري في الأرض المحتلة، لذا، وعندما عدت، وجدت أن عليّ الكتابة حول ما يحدث على الأرض هنا، لنقل ذلك للنشطاء، وتعريف العالم كافة بأن الاحتلال الإسرائيلي ليس “خيّراً” كما يخال البعض، كما كتبت العديد من المقالات والمؤلفات القانونية حول التغييرات التي يحدثها الاحتلال.
بعد وفاة والدي، استغرقتُ عدّة سنوات لمتابعة التحقيقات في قضيته، حيث لم تحقق شرطة الاحتلال في الأمر بل كانت تتظاهر بأنها تفعل ذلك، فالقاتل لم يتم التحقيق معه بالأساس، أكد شحادة، مضيفاً: المتابعة هذه أتعبتني، لكني ما بعد “أوسلو”، وشعوري بأن كل ما فعلته وأفعله في مجال النضال من خلال حقوق الإنسان كان ذا جدوى قليلة، بدأت بالعمل في ثلاثة مسارات سوياً: المحاماة، وحقوق الإنسان، والكتابة، ولكن أدركت لاحقاً أن الكتابة الجيّدة لكتابة جيدة.
وشدد: كنت على الدوام أفكر بالكتابة عن والدي، لأن لدي الكثير ممّا أقوله عنه، فكان أن كتبت أول سردية أدبية بعنوان “غرباء في المنزل” بوحي من حكاية والدي، وعلاقتنا ببعضنا البعض، ولكن بعد هذا الكتاب شعرت بالراحة لأنني كتبت حول ما كنتُ أفكر فيه لسنوات عديدة، ومن ثم أصدرت كتباً عدّة في مجالات مختلفة بعيداً عن والدي وعلاقتنا سوياً، وإن كنت أذكره فيها أحياناً، خاصة في “العودة إلى الوطن”، بحيث أصف فيه منزل العائلة في يافا، عبر حوار مفترض مع والدي.
وختم: لكني، وبعد وقت، عثرت على دليل هاتف ليافا، يحمل اسم والدي عزيز شحادة، وجدي لوالدتي سليم، فشعرت أنهم موجودون وحقيقيون، وهو وجودٌ هناك من عمل ويعمل على محوه، ومن ثم عثر محمود الهواري على كتاب صغير من تأليف والدي في العام 1936 حول أبجديات القضية العربية، ولم أكن أعلم به من قبل، لكني اكتشفت من خلاله أن والدي كاتب جيّد جداً أيضاً، وهذا الكتاب الاكتشاف حفّزني لاقتحام أرشيف حول والدي كنت أحفظه في خزانة مغلقة، وما إن تصفحت محتوياته حتى قررت الخروج من وحيها بهذا الكتاب، الذي يحكي فلسطين على امتداد عقود عدّة من خلال علاقتي بوالدي، وعلاقته بي.
جدير بالذكر أن عزيز شحادة، والد رجا شحادة، من مواليد مدينة بيت لحم في العام 1912، انتقل مع والده بولس شحادة إلى يافا، حيث أصدر الأب صحيفة “مرآة الشرق”.. أنهى عزيز دراسته الأساسية والإعدادية والثانوية ومن ثم دراسته الجامعية في الحقوق، وافتتح مكتباً للمحاماة في يافا نقله إلى مدينة رام الله بعد النكبة.
في هذه الفترة أسس عزيز شحادة هيئة عرفت باسم “مؤتمر اللاجئين”، أخذَت على عاتقها مهمة الدفاع عن قضية اللاجئين الفلسطينيين أمام المحافل الدولية، وبعد سنوات قليلة راح يدعو مبكراً ومتقدماً في ذلك على معاصريه إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، الأمر الذي أودى به إلى السجن، ليجدد نشاطه السياسي بعد حرب حزيران في العام 1967، على أساس نفس الدعوة.
وبعد أن اعترفت جامعة الدول العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، وبعد أن أصبح شعار الدولة المستقلة مطلباً فلسطينياً عاماً، انصرف عزيز شحادة إلى عمله الأصلي في المحاماة، لكنه كان أحد أبرز المحامين الفلسطينيين الذين يتولون الدفاع عن الفلاحين المتضررين من تزوير ملكيات أراضيهم وانتقالها، عبر بعض السماسرة، إلى المستوطنين الصهاينة، ما أثار غضب جهات متنفذة في سلطات الاحتلال.
كان الرجل السبعيني عائداً إلى منزله في المساء وتحديداً في الساعة السابعة إلا ربعاً، من مساء الثاني من كانون الأول 1985، عندما هاجمه مجهول، أو مجهولون، بحيث تعرض لعدة طعنات بسكين حادة كانت إحداها في رقبته، وأدت إلى مصرعه على الفور، في وقت كان انصرف فيه وهو في هذه السن المتقدمة إلى أعمال المحاماة المتعلقة بمنع بيع الأراضي وتسريبها إلى المستوطنين، رغم اعتزاله السياسة قبل اغتياله بعقود.




