بقلم: مئير بن شابات /نُشرت بيانات عديدة، عقب الغارة التي شنها سلاح الجو الإسرائيلي على صنعاء، والتي قُتل فيها رئيس وزراء الحوثيين و11 من وزرائه، وكان من اللافت بينها قراءة ردود الجهات الإيرانية وأتباعها، فقد دان الحرس الثوري الهجوم، واصفاً إياه بأنه “جريمة حرب ضد الإنسانية وتجسيد للإرهاب الدولي، ولانعدام الإنسانية لدى النظام الصهيوني”.
وورد في بيان للجيش الإيراني أن “النظام الصهيوني الملعون يكشف مجدداً عن طبيعته الهمجية والإجرامية وغير الإنسانية”.
كذلك أصدرت دائرة الإعلام في “حزب الله” بياناً جاء فيه: “إنه عدوان بربري، وجزء من قائمة الجرائم الصهيونية التي تكشف عن الطبيعة الحقيقية لهذا العدو”. أمّا محمد البخيتي، أحد أبرز قادة المكتب السياسي للحوثيين، فقد أعلن أن “إسرائيل تجاوزت جميع الخطوط الحمر في هذه المعركة”.
إلى جانب السعي الواضح والمفهوم للمساس بشرعية إسرائيل وإلصاق تهمة مجرمي الحرب بقادتها، تعكس هذه الردود أيضاً تعبيراً أصيلاً عن الصدمة التي أصابت الإيرانيين وأذرعهم جرّاء التغيير الذي طرأ على نهج إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول.
تتجاوز إسرائيل في هذه الحرب ما كانوا يعتبرونه “خطوطاً حمراً” في سياستها. ولدهشتهم وخيبتهم لا يتعلق الأمر بانحراف عابر، أو بحالات استثنائية، بل إن أسلوب “قص قمم” قيادات العدو يترسخ أمام أعينهم نهجاً ثابتاً للعمل.
تحدّي “قواعد اللعبة”
فبعد أن دُحضت الافتراضات السابقة لأعدائنا بشأن قدرة إسرائيل على خوض حرب طويلة، أو متعددة الجبهات، باتت إسرائيل تتحدى أيضاً في عملياتها ما كان “قواعد اللعبة”، في نظرهم.
إن الانتماء إلى فئة “المستوى السياسي” لم يعد يمنح الحصانة، وكذلك المنصب، أو الرتبة، أو الاندماج وسط جمهور واسع، كذلك لم تعُد العمليات تنفَّذ بملف منخفض، أو بلا بصمة، بل إن إسرائيل تقف علناً، وتهدد، وتنفّذ، ويدها ما زالت ممدودة.
إن المواجهة مع النظام الإيراني و”حزب الله” والحوثيين بعيدة عن نهايتها، وقبل العمليات الإسرائيلية لقطع رؤوس قياداتهم، شكلت الحرب في غزة السبب الرئيس المعلن لاستمرار الصراع.
أمّا الآن، فأضيفت إليها الرغبة في الانتقام على عمليات الاغتيال وتخفيف وطأة الإذلال العميق.
وفي أي حال، يجب ألا يثير ذلك شكوكاً في النهج الذي اختارته إسرائيل، بل بالعكس، فهذا هو الخط الذي يجب أن يميّز سياستها في الساحات الأخرى التي تواجه فيها التحديات، وفي مقدمتها قيادة “حماس” في الخارج.
هدد رئيس الأركان، إيال زامير، خلال تقييم للوضع أجراه في مطلع الأسبوع الماضي، قائلاً: “تمت تصفية قيادة حماس، في معظمها، وما زالت يدنا ممدودة. إن القادة الأحياء، في أغلبيتهم، موجودون في الخارج، وسنصل إليهم أيضاً”.
وقال زامير هذا الكلام بعد اغتيال أبو عبيدة، الناطق باسم الجناح العسكري لحركة “حماس”، وكشف هذا الاغتيال لمن لم يلمّ بتفاصيل نشاط التنظيم عن قوة أحد أجهزة دعايته ونفوذه.
ولإدراك حجم تأثير قيادة “حماس” العاملة في الخارج، يمكن أخذ نشاط أبو عبيدة، ومضاعفته ورفعه إلى الأعلى، ومع ذلك، لن تنعكس الصورة الكاملة.
بعد الضربة القاسية لرؤوس “حماس” في قطاع غزة، تحولت القيادة في الخارج إلى مركز القوة الأهم الذي يحمل على عاتقه حركة “حماس” بكل مكوناتها.
تشكل نشاطات المقر الخارجي عاملاً يضاعف قوة التنظيم، وله دور حاسم في تحويله إلى طرف ذي نفوذ إقليمي، وبشكل خاص في ظل القيود المفروضة على نشاطه من قطاع غزة، أو من الضفة الغربية.
وفي حين يعمل قادة غزة بشكل سرّي، ويصعب عليهم أداء مهماتهم، ولا يُسمع صوتهم، فإن مجموعة من أصحاب المناصب في “القيادة السياسية” تؤدي دورهم في عرض سياسة الحركة، وهم مقيمون خارج المنطقة، بتركيا، أو قطر، أو لبنان، أو بدول أُخرى.
هؤلاء يحلّون محل القيادة أيضاً في الظهور على المنابر الإعلامية، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وفي المؤتمرات والمحادثات السياسية، وهم بمثابة هيئة أركان للتنظيم، وهؤلاء مسؤولون عن بلورة سياسته وشرحها، ويتحملون عبء تجنيد الدعم السياسي والموارد اللازمة لبناء قدراته ونشاطه.
يتولى بعضهم أدواراً عملياتية، بدءاً من التنسيق بين الأقاليم لأغراض “الإرهاب”، وانتهاءً بتوجيه نشاطات محددة.
وكان صالح العاروري من بين أبرز الناشطين المعروفين، وهناك نحو ثلاثين ناشطاً مثله؛ خالد مشعل، وموسى أبو مرزوق، وباسم نعيم، وسامي أبو زهري، وعزت الرشق، وأسامة حمدان، ومحمود مرداوي، وطاهر النونو، وزاهر جبارين، هذه أسماء بعض القيادات التي يعرفها كل مَن يتابع نشاط “حماس”.
وما زال حاضراً في الذاكرة الإسرائيلية مشهد صلاة الشكر التي أقامها قادة التنظيم الذين كانوا في تركيا في السابع من تشرين الأول، كذلك برز في الإعلام الإسرائيلي ما قاله غازي حمد، أحد قادة التنظيم في غزة، بعد “المجزرة “، والذي نقل مقر إقامته إلى قطر، وصرّح بوضوح بأن “إسرائيل دولة نريد إسقاطها؛ طوفان الأقصى ليس سوى المرة الأولى، وسيكون هناك ثانية وثالثة ورابعة. لدينا الصلابة والقدرة على القتال ودفع الثمن”.
وفيما يخص مطلب إسرائيل بنزع سلاح “حماس” أوضح أن “سلاح المقاومة هو جوهر القضية الفلسطينية. نحن ملتزمون ذلك، ولن نسلّم ولو رصاصة فارغة واحدة”.
وإذا ما بحثنا عن الجهة التي يمكنها إعادة بناء التنظيم المترنح حين تتاح الفرصة، فسنجدها في هذا المقر.
هناك ستتم إعادة التواصل مع “محور المقاومة”، ومع الدول الداعمة، ومع شبكة المنظمات الإسلامية المنتشرة عالمياً، والمرتبطة بالإخوان المسلمين، ومع المال والإعلام وبقية الموارد اللازمة لذلك.
ونظراً إلى الدور المركزي الذي تؤديه هذه القيادة، وإلى تورُّطها في الجهود لجرّ إسرائيل إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، لا يمكن لإسرائيل أن تتركها.
من المرجح أن تجنّب استهدافها، حتى الآن، يعود إلى الحساسية السياسية، نظراً إلى صِلاتها بقطر وتركيا، ومكانتهما لدى الإدارة الأميركية، وكذلك خوفاً من فقدان قناة اتصال في المفاوضات بشأن استعادة الأسرى. غير أن هذه المخاوف لها حلول.
في كل الأحوال، إن استمرار وجود هذه القيادة سيضع علامة استفهام على جدوى الإنجاز الإسرائيلي في المواجهة مع “حماس”.
عن موقع “معهد مسغاف”





