أيام مرت على بصيص الأمل الذي شعر به أبناء غزة المكلومة، وكل الشرفاء المدافعين والمتألمين لألم القطاع المحاصر، عندما بدأت بوادر انتهاء حرب الإبادة الجماعية، بخطة طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونالت موافقة الجميع وإن كان الإسرائيلي قبل بها “على مضض”.
وحتى ولو أن الوقف الفوري لإطلاق النار الذي بدا قريباً جداً مساء الإعلان عن الردود على الخطة لم يحدث لأن الإسرائيلي مصرٌّ على ارتكاب المجازر لحظيَّاً ضد الأبرياء في قطاع غزة، إلا أن طريقة الإعلان عنها وتعامل ترامب مع موقف رئيس بنيامين نتنياهو من الخطة يقول إن الكثير تغير في طريقة تعامل ترامب مع حليفه نتنياهو، على الأقل.
متجاهلاً كل التسريبات التي تحدثت عن “صدمة” في الأوساط الإسرائيلية من “تفاؤل” ترامب بإنجاز اتفاق يفضي لإنهاء الحرب، نسب نتنياهو لنفسه “الفضل الأكبر” في الوصول إلى الخطة من خلال “تحرُّك ديبلوماسي منسق مع الرئيس ترامب وفريقه على مدى أسابيع”، لكن ترامب فضح المعلوم بالنسبة للجميع، وقال في مقابلة أجراها لاحقاً إنه اضطر للضغط على نتنياهو لقبول شروط الخطة.
الصحفي الإسرائيلي نحوم برنياع كتب مقالاً في صحيفة “يديعوت أحرونوت” تحت عنوان “هو الرئيس الفعلي: ترامب لا يهدد نتنياهو، بل يأمره”. حقيقة أظهرتها “مجريات الأيام الأخيرة بوضوح” بحسب المقال، وهو ما فسرته صحيفة “نيويورك تايمز” على لسان محللين بأن “نتنياهو لم يعد في موقع يسمح له بتحدي ترامب”، وذلك يعود لعدة عوامل أبرزها الإدانات الدولية المتزايدة بسبب “سلوكه في الحرب” كما يحلو للإعلام الغربي أن يقول. إدانات انعكست ما يشبه عزلة دولية متنامية زادت من اعتماد تل أبيب على الدعم الأمريكي فقط، وهو الأمر الذي أدى لاستبدال لغة خطاب ترامب مع نتنياهو من اللهجة الودودة إلى صيغة “الأمر”.
تعرَّف “الإسرائيليون” على الاتفاق الأولي وتفاصيله عبر منشور لترامب على وسائل التواصل الاجتماعي، وأبرزها موافقة حكومة نتنياهو على خط انسحاب أولي داخل غزة، ضمن المرحلة الأولى من الخطة، وهذا ما اعتبره كثيرون مؤشراً على “تراجع نتنياهو عن سياسة التفاوض تحت النار” التي تمسك بها طويلاً. الأهم أن “انتصاراً مطلقاً” كما وعد نتنياهو منذ عامين، لم يحدث ولا يبدو قربياً في ظل الصمود البطولي لشعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، وتحول الرأي العام العالمي، الشعبي والرسمي، رفضاً لاستمرار الإبادة والحصار.
فكرة أن “ترامب هو من يقود الدفة فعلاً” عززها ما كشفه موقع “أكسيوس” حول “توبيخ” ترامب لنتنياهو جراء “النبرة المتشائمة” إزاء ما يراه ترامب “إنجازاً” تم التوصل إليه. الرئيس الأمريكي قال لرئيس الوزراء الإسرائيلي في آخر مكالمة هاتفية بينهما: “اللعنة، لماذا أنت متشائم بهذا الشكل اللعين؟ هذا إنجاز، تقبّله”. لا أحد مضطرٌّ أن يشرح حجم غضب ترامب لأنه يظهر بوضوح في صياغة الجملة. برأي الرئيس الأمريكي الذي أبلغه لنتنياهو، فهذه: “فرصته لتحقيق النصر”.
مصطلح “النصر” الذي استخدمه ترامب يعني أن الخطة الأمريكية ليست مفتاح الخلاص للشعب الفلسطيني بالتأكيد، فالواثق بالأمريكي كالذي يثق بالأمواج في ليلة عاصفة. الخطة الأمريكية التي لا تزال كثير من تفاصيلها غامضة أو قيد البحث، تأتي في سياقها العام استكمالاً لمشروع أمريكي – ترامبي قديم – جديد بإغلاق ملف الصراع في الشرق الأوسط وإنهاء القضية الفلسطينية، ولكن هذه المرة باستخدام لغة أخرى وتحت ستار “الواقعية السياسية” و”التماشي مع متطلبات المرحلة”، إلا أنها بلا شك، وفقاً لتوقيتها وتوقيت الأحداث التي تجري في عموم المنطقة، تبدو جزءاً من رؤية أمريكية لإعادة هندسة الشرق الأوسط، ووضع ترتيبات جديدة لتنظيم سلاسل الغاز والطاقة، والتحكم في الممرات المائية العالمية، والحفاظ على النفوذ الأمريكي في مواجهة صعود قوى أخرى في العالم.
لا يزعم أيا كان أن ترامب سيعمل ضد مصالح قاعدته المتقدمة في المنطقة، “إسرائيل”، لكن ما تشير إليه المعلومات أن الاختلاف هو على ماهية هذه المصالح وطريقة الوصول إليها: يريد نتنياهو “انتصاراً” دون أي التزامات. يريد أن يدفن القضية الفلسطينية تحت ركام الحرب الإجرامية التي يشنها على قطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس وأن يتخلص من الفلسطينيين بأي ثمن، دون أن يقدم التزاماً بتنفيذ أي بند تم الاتفاق عليه سابقاً وفقاً للقانون الدولي، وأوله إقامة الدولة الفلسطينية. على حدود الرابع من حزيران لعام ١٩٦٧. برأي نتنياهو سيضمن له هذا الأمر تحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى”، وهكذا فقط يضمن تسيُّد “إسرائيل” على المنطقة.
يريد ترامب تحقيق التسيُّد الإسرائيلي في المنطقة أيضاً، لكن الرئيس الأمريكي ينظر إلى الأمر بعين الممكن حالياً، وليس بعين الحالم كما يفعل نتنياهو. يدرك ترامب أن نتنياهو لن يستطيع تحقيق “انتصار” لم يستطع تحقيقه خلال عامين من الحرب التي فتحت عليه أبواب الغضب الشعبي العالمي، بل وأثرت بشكل سلبي على السردية الإسرائيلية الصهيونية التي اشتغل عليها الغرب و”إسرائيل” لسنوات طويلة. تبدو خطة ترامب التي تبدأ بوقف فوري لإطلاق النار جزءاً من محاولات إيقاف التدهور في الصورة العامة لـ “إسرائيل” أمام العالم. ربما يعتقد الرئيس الأمريكي أن وقف نزيف الدماء بهذا الشكل الوحشي يومياً يمكن أن يجعل القضية تبرد في الساحات الدولية، (مع يقيننا أن الإجرام الإسرائيلي بحق الفلسطينيين سيستمر بأشكال أخرى)، ربما يرى ترامب في الأمر أيضاً فرصة لإعادة حكومة نتنياهو تحديداً، وأي حكومة إسرائيلية أخرى، إلى موقعها كأداة لتنفيذ المصالح الإمبريالية، بعد أن تمادت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في الضغط على قيادات أكبر دول العالم، وعلى رأسهم الرؤساء الأمريكيون السابقون.
من منظور آخر، تبدو فكرة إيقاف الحرب حالياً والتوصل إلى اتفاق مفيدة لنتنياهو شخصياً، الذي يستعد لانتخابات قادمة عام 2026، ومن مصلحته أن يظهر اليوم بمظهر الرجل الذي “أنهى الحرب وأعاد الرهائن” كنوع من الدعاية الانتخابية له، رغم أن الرأي العام الإسرائيلي منقسم بشكل عميق حول جدوى استمرار هذه الحرب ومصلحة “إسرائيل” في ذلك (وليس حول جريمة إبادة الغزيين أو تجويعهم).
بين هذا وذاك، يكفي أن يدرك شعبنا الفلسطيني أن المخططات والخطط الأمريكية والإسرائيلية لن تتوقف عن محاولة تحقيق أكبر المكاسب على حساب حقوقنا، وان مصلحتنا الحقيقية وحقنا التاريخي لا يكفله سوى تماسكنا، وحدتنا وهذه اولى الخطوات الجدية لوضع المصلحة الفلسطينية على أجندة دول العالم، وفرض تحقيق الإرادة العادلة بإقامة الدولة الفلسطينية العتيدة.





