السبت, مايو 2, 2026
spot_img
الرئيسيةالاخبارالسياسة الإسرائيلية: خللٌ في آلية التمييز بين الصديق والعدو !

السياسة الإسرائيلية: خللٌ في آلية التمييز بين الصديق والعدو !

بقلم: ميخائيل ميلشتاين /ترافق الاعتبارات السياسية حروب إسرائيل وتسوياتها السياسية دائماً، لكن الحرب الأخيرة حطمت أرقاماً قياسية في هذا السياق، فالوزن غير المسبوق للاعتبارات السياسية لا يؤثر فقط في تحديد الأهداف والسياسة المتّبعة ومدة القتال، بل أيضاً في القدرة على التمييز بين الأعداء والأصدقاء.
ومثلما هي الحال دائماً، تتجلى الفجوات أساساً في القضية الفلسطينية، المتجذرة عميقاً في الخطاب السياسي الإسرائيلي، والمشبعة برؤى أيديولوجية، ونجدها بصورة أقل في المجالات التي يسودها إجماع نسبي، مثل الصراع مع “حزب الله” وإيران.
في ظل غياب استراتيجية منظمة، يُعتبر كلّ مَن ينتقد إسرائيل عدواً، تلقائياً، وكل مَن يعارض منتقديها، حتى من دون علاقة مباشرة بإسرائيل، يُعد صديقاً، وهكذا فإن مَن اعترف بدولة فلسطينية في أيلول الماضي يُشتبه فيه، تلقائياً، بأنه معادٍ للسامية، أو خاضع للإسلام (ولا سيما دول أوروبا)، وكل طرف يعارض منتقدي إسرائيل يُعتبر حليفاً.
إنها سياسة تفتقر إلى الاتساق والبوصلة الواضحة، وغالباً ما تُصاغ وفق حاجةٍ آنية، أو بشكل اعتباطي.
في هذا المناخ المشوش والمليء بالتناقضات، تُعرّف قطر بأنها دولة “معقدة”، وبعد وقت قصير تُنفَّذ غارة على أراضيها، ويصوَّر بايدن، الذي أنقذ إسرائيل في بداية الحرب من مواجهة متعددة الجبهات، عبر تحذيراتٍ حادة لإيران و”حزب الله”، بأنه مُعادٍ، كذلك تُنسَج علاقات بين جهات في الحكومة الإسرائيلية وتنظيماتٍ يمينية متطرفة في أوروبا، دون تمحيص جدي في أيديولوجيتها وماضيها.
عملياً، تعمل حكومة إسرائيل ضمن هامش مناورة ضيق، محصور بين تهديدات حزب “الصهيونية الدينية” وحزب “قوة يهودية” وبين الخطوط الحمر التي تضعها واشنطن.
وبدلاً من بلورة عقيدة أمنية متماسكة ومحدّثة تستند إلى تحقيقٍ نقدي عميق في أحداث السابع من تشرين الأول، يسود نمط “إدارة” يعتمد على استخدام القوة واحتلال الأراضي، مع السخرية ممن يطالبون باستراتيجية، وتقديم الخطوات المتخذة على أنها تعبير عن “الصحوة”.
ونتيجة لذلك، تُعتبر إسرائيل طرفاً عنيداً، غارقاً في الأوهام، يخرج عن توازنه، ويتسبب بأضرار لنفسه، مثلما بدا في الهجوم على قطر.
وتتجلى هذه الرؤية في غزة بوضوح، حيث تطالب إسرائيل بحلٍّ شبه طوباوي يتمثل في حكمٍ، يستبعد كلاً من السلطة الفلسطينية و”حماس”، وفي نزع السلاح بالكامل، وإزالة “التطرف”، والنتيجة هي تقليص دور إسرائيل في بلورة “اليوم التالي”، حسبما ظهر في عدم دعوتها إلى الاجتماع الذي عقده ويتكوف بشأن القوة المتعددة الجنسيات في القطاع، والذي شارك فيه مسؤولون كبار من تركيا وقطر، الدولتين اللتين لا ترغب إسرائيل في أن يكون لهما نفوذ في المنطقة.
وفي الخلفية، تتواصل تلميحات تركية إلى الرغبة في الحضور التركي في غزة، مع غياب توضيحات من الأميركيين في هذا الشأن.
والفراغ الذي نشأ في المكان، والذي كان يُفترض أن يخضع لاستراتيجية، يملؤه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي يتخذ قراراتٍ عديدة، نيابة عن إسرائيل، ولا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وفي غزة، برزت قراراته بشأن إنهاء الحرب، على الرغم من أن ردّ “حماس” لم يلبِّ مطالبه، ولا مطالب إسرائيل، وإصراره على الحفاظ على وقف إطلاق النار، على الرغم من الانتهاكات المتواصلة من جانب “حماس”، ودفعه نحو المرحلة الثانية من الاتفاق على الرغم من الفجوات العميقة (رفض “حماس” نزع سلاحها وعدم إعادة جثمان الأسير الأخير)، وعلامة الاستفهام التي ظهرت بعد تصفية رائد سعد، بشأن قدرة إسرائيل على تنفيذ خطوات مماثلة مستقبلاً.
أمّا في الضفة الغربية، فبرز الرفض القاطع للرئيس ترامب حيال مَن يتمسكون بالتصور الجديد القائل إن الرئيس الأميركي سيسمح لإسرائيل بضم أراضٍ في الضفة، إلى جانب إدراج مصطلح “الدولة الفلسطينية” في القرار الذي مرّره في الأمم المتحدة مؤخراً، وموافقته على بيع طائرات F-35 للسعودية حتى من دون موافقتها على التطبيع مع إسرائيل، التي اشترطت تنفيذ الصفقة من دون مناقشة الموضوع الفلسطيني.
وفي الخلفية تظهر قضايا إضافية تعكس الفجوات بين القدس وواشنطن: الدفع نحو تسويات في سورية (وتجنُّب الضربات ضد نظام الشرع)، وكذلك في لبنان، تعاظُم العلاقة بين ترامب وأردوغان، وتوقيع اتفاق دفاع استراتيجي مع قطر، بعد وقت قصير على الغارة الإسرائيلية الفاشلة على الدوحة (فضلاً عن إلزام نتنياهو تقديم اعتذار).
وعلى الرغم من هذا الكم من الفجوات المقلقة، يروّج مسؤولون في إسرائيل ادّعاءً غريباً، مفاده بأن الوضع الاستراتيجي الدولي لإسرائيل ممتاز، وأن الانتقادات هامشية.
ويبرز الخلل في آلية تمييز الصديق من العدو أيضاً في العداء المتنامي حيال مصر، وفق المصادر الغامضة والمريبة، والمرفق بادّعاءاتٍ من جهاتٍ في الائتلاف تفيد بأن القاهرة تخطط لهجومٍ على إسرائيل، وهنا أيضاً يتدخل ترامب لفرض خطوات على إسرائيل عندما يرى أنها تضرّ بمصالحها، وبمصالحه.
وفي هذا السياق، تبرز القمة التي يُخطط لعقدها قريباً بين نتنياهو والسيسي (والتي كان يجب، في وضعٍ طبيعي، أن تكون مصلحة إسرائيل واضحة)، ولهذا الغرض، ضغط ترامب على نتنياهو لتوقيع اتفاق الغاز مع المصريين.
تبدو مقولة هنري كيسنجر الشهيرة “إن إسرائيل ليس لديها سياسة خارجية، بل سياسة داخلية”، صحيحة في جوهرها، لكن ما يحدث منذ السابع من تشرين الأول هو تصعيد مُقلق لهذه الظاهرة القديمة، ويسبب ضرراً إستراتيجياً، ويمسّ بصورة إسرائيل كدولة تتصرف وفق استراتيجية منظمة، وبحكمة. فالقيادة، التي ترفض التحقيق في الماضي، وتنتهج نهجاً مضاداً متعالياً يعتبر أنها على حق دائماً تقريباً، وأن كلّ نقدٍ موجّه إليها نابع من دوافع سياسية، ما يخلق دورة تدميرية من بلورة تصوراتٍ جديدة لا تؤدي سوى إلى مزيدٍ من الأضرار.
وفي هذا السياق، يجدر التذكير بمقولة أُخرى لكيسنجر: “إن الخطوات التي تبدو ضرورية في لحظة معينة تصبح خطِرة، إذا استُخدمت فترة طويلة”.

عن “يديعوت”

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب