تل أبيب، واشنطن /نشرت صحيفة “هآرتس” الاسرائيلية في عددها الصادر اليوم الاثنين مقالا لدانييل ابراهام، مؤسس مركز الشرق الاوسط للسلام في واشنطن، جاء فيه ان خطة السلام التي يعرضها وزير الخارجية الاميركي جون كيري هي آخر فرصة تحصل فيها اسرائيل على اتفاق يتعاطف مع اهتماماتها، وان كيري سيكون اخر موفد ترسله الولايات المتحدة في المستقبل المنظور يتفهم تلك الاهتمامات. وفي ما يلي نصه:
“توشك مهمة السلام التي يقوم بها الوزير جون كيري ان تصل الى نقطة التلاقي مع المصداقية، ومع ذلك فان الرأي العام الاسرائيلي يظل غير مكترث بها. فقد شهد على مدى اعوام موفدي سلام اميركيين يصلون مستبشرين، ليعودوا ادراجهم بخيبة أمل مريرة.
وهذا المنهج يؤدي الى اعتقاد كثيرين في اسرائيل انه بعد مغادرة كيري سيأتي موفدون اميركيون اخرون ليجربوا حظوظهم. الا ان هذا تفكير عقيم. ذلك انه بالنسبة الى المستقبل المنظور، فان من المحتمل ان يكون كيري اخر اميركي يحاول تحقيق السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين.
ولقد علمتني خبرتي في العملية السلمية ان الاسلوب الحالي يختلف عن سابقاته. انه نقطة تحول ستواجه اسرائيل بعدها وضعا مختلفا تماما – وهو وضع تحكمه وقائع جديدة توفر تعاطفا اقل من الذي تراه اسرائيل اليوم. واذا فشلت مهمة كيري، فان اسرائيل ستفقد نافذة تاريخية من الفرص لتحقيق اتفاق هو الافضل من وجهة نظرها. فقد تضطر، في المستقبل، الى قبول اتفاق سيء او العيش بدون اتفاق، بحيث تُعرِض صفتها اليهودية او الديمقراطية للخطر.
واذا فشلت هذه الجولة من المفاوضات، فان من المحتمل ان تنأى الولايات المتحدة بنفسها عن التورط في محاولات اخرى لتحقيق اتفاق فلسطيني اسرائيلي. وسيملأ الفراغ لاعبون اخرون مثل مجلس الامن الدولي. وعلى عكس الولايات المتحدة فان هؤلاء اللاعبين لا يشعرون بمودة كبيرة تجاه اسرائيل. فالمصالح الاسرائيلية تحظى برعاية كبيرة عندما تتولى واشنطن مسؤولية العملية السياسية. ولنأخذ مثالا على ذلك الجهود الهائلة التي يبذلها الرئيس باراك اوباما ووزيره كيري لتفهم ومعالجة الاحتياجات الامنية الاسرائيلية. فقد اوفدوا جون ألن، الجنرال المتقاعد من البحرية الاميركية، ليقود 160 خبيرا عسكريا واستخباراتيا من اجل اعداد خطة، بالتشاور مع وزارة الدفاع الاسرائيلية، لتكون حدود نهر الاردن الاكثر امنا في العالم.
واذا فشلت مهمة كيري، فان اسرائيل تكون واهمة اذا هي اعتقدت ان اميركا ستعمد الى استخدام حق النقض بصورة تلقائية بالنسبة الى كل قرار يعرض على مجلس الامن الدولي. خاصة اذا كانت تلك القرارات تتعلق في كثير او قليل بمفهوم واشنطن لايجاد حل للصراع الفلسطيني الاسرائيلي. وستكتشف اسرائيل أن فترة صبر اميركا على اصدقاء يطلبون مساعدتها في ذات الوقت الذي تغفل فيه مصالحها، اقصر من ذي قبل. ولم يعد سرا ان الولايات المتحدة ترى ان استمرر الصراع الفلسطيني الاسرائيلي يلحق ضررا بالغا بمصالح الامن القومي الاميركي.
وتتعرض الديمغرافيات الاميركية للتغيير، وبالنتيجة فان التعاطف التلقائي الذي تتمتع به اسرائيل في الولايات المتحدة يحمل في طياته الكثير من التفكك. وحتى تأييد اليهود الاميركيين ليس مضمونا. ان نسبة الاستيعاب المرتفعة المقترنة بنفور من سياسة الاستيطان الاسرائيلية في الضفة الغربية تبعد الشبان اليهود عن اسرائيل وتدفعهم الى ان يصبحوا اقل ارتباطا واقتراناً باسرائيل.
يشتكي الناطقون الرسميون الاسرائيليون من الاهتمام الواسع بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي على المسرح الدولي. ويغفلون ان هذا الاهتمام في الواقع هو اساس المعونات الاجنبية السخية التي يحصل عليها الفلسطينيون على مدى تلك السنوات.
ما الذي سيحدث عندما يتراجع تدفق المعونات؟ من الذي سيتحمل المسؤولية المالية في ما يتعلق بمصير الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحكم الاسرائيلي؟ لا ريب ان الدول المانحة بدأت تتملل بصورة متزايدة. فالاوروبيون، على سبيل المثال، يعتقدون ان معوناتهم تمول الاحتلال الاسرائيلي. وفشل مهمة كيري المحتمل قد يؤدي الى مزيد من تآكل معونة المانحين، وتحويل المسؤولية بالكامل لاسرائيل. وستتعزز نداءات المعسكر الفلسطيني لحل السلطة الفلسطينية. واذا تحقق هذا الامر، فان اسرائيل ستكون مسؤولة عن الشؤون المتعلقة بالصحة والتعليم والعمالة والمجاري بالنسبة للفلسطينيين الذين يقيمون في الضفة الغربية.
ومن دون اتفاق، فاننا سنشهد عملية ضعف المعسكر الفلسطيني المعتدل الذي يفضل التوصل الى اتفاق متفاوض عليه مع اسرائيل ويرفض الارهاب. وقد يصبح نموذج دولة واحدة لشعبين الخيار المفضل والعملي بينما يحتمل كثيرا ان تتصاعد اعمال العنف. وسيوقف الفلسطينيون حملتهم من اجل الاستقلال ويحولونها الى حملة ضد التمييز العنصري. وسيصبح ذلك معركة في وسائل الاعلام وومعركة علاقات عامة دولية لا يمكن لاسرائيل ان تفوز فيها.
اذا استمرت اسرائيل في سياستها الاستيطانية التوسعية واعتُبر انها لا تستجيب للفلسطينيين، فان اصدقاء اسرائيل سيجدون مشقة في مكافحة الجهود الدولية الخؤونة لعزلها. ومن سوء الحظ ان العقوبات الاقتصادية والقانونية ضد اسرائيل والاسرائيليين ستصبح شائعة. وبالتالي ستجد اسرائيل ذاتها في موقف الدفاع امام المحاكم الدولية. وستزداد حملة نزع الشرعية عنها سوءا. وستزداد العزلة. ويقل عدد الاصدقاء. ورغم ان اسرائيل ليست وحدها المسؤولة، فإن عليها ان تواجه هذا الواقع الصعب.
على ان بالامكان تحاشي هذه الاوضاع المأساوية. ويمكن للمفاوضات ان تنجح. فاسرائيل تحتاج الى اعتراف دولي بالحدود للاحتفاظ بصفتها اليهودية والديمقراطية. ولتحقيق تلك الحدود فان اسرائيل بحاجة الى اتفاق سلام على اساس الدولتين. ومثل هذا الاتفاق سيمنح اسرائيل تطبيعا كاملا مع العالمين العربي والاسلامي بالكامل، حسب ما تنص عليه مبادرة السلام العربية.
ان فشل مهمة كيري لن يكون بداية للعد التنازلي لوصول موفد آخر لاحقا. لكن هذا (الفشل) سيضع علامة فارقة في تاريخ اسرائيل وهويتها. ولن تصبح اسرائيل الدولة المذهلة المنتظرة. لكنها ستكون دولة متشرذمة تفقد هويتها اليهودية والديمقراطية وتزداد تباعدا عن ابنائها وبناتها، وعن المجتمع الدولي ايضا. ويمكن لكيري ان يتخطى فشل مهمته من دون ان يصاب باذى، ولكن الثمن الذي ستدفعه اسرائيل سيكون غاليا”.
القدس دوت كوم





