في أيام الحكم الطويلة للرئيس حسني مبارك، لم يكن الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان يتزعمه حزباً سياسياً البتة، ولا حتى بالمفهوم الذي يستوعبه الناس في الغرب. كان عبارة عن جمع هائل من مجموعات المصلحة من دون أي إيديولوجية حقيقية. وبسعادة وحبور، أقام الاشتراكيون والإسلاميون والرأسماليون و-غالباً- الانتهازيون في الجسم نفسه. وبالطبع، تفكك ذلك بعد سقوط مبارك.
لماذا أذكر هذا؟ لأنه أحد الأسباب التي جعلت مصر على ما هي عليه راهناً من الفوضى المربكة لفترة ما بعد مبارك. فقد أصبحت كل مؤسسة، باستثناء الجيش، ميدان معركة من أجل فرض السيطرة، بما في ذلك نظام القضاء. كما نشطت الخلايا النائمة للإخوان المسلمين، وبدّل الانتهازيون المواقف، وبدا الحرس القديم خطيراً.
كانت المحصلة سلسلة من التطورات والقرارات القضائية التي يصعب استيعابها، والتي كشفت ما كان يعرفه الجميع منذ أمد بعيد: ثمة فروع من النظام القضائي يجري تسييسها. وكان كل واحد كبيراً لدرجة كافية لفعل ما هو مطلوب منه لفائدة مجموعة ما أو أخرى.
لقد وجد مبارك نفسه، على سبيل المثال، غير مذنب “بقتل المتظاهرين”، لكنه حكم عليه بالسجن 25 عاماً بجريرة “عدم حماية المتظاهرين”. أما محمد مرسي، فقد كمن لنظام الادعاء وعين مدعياً عاماً جديداً، وقام بتسريح المدعي العام (أو النائب العام) القديم، في تجاهل مطبق للقانون.
بعد ذلك، أخذت التطورات الأخيرة المعركة على النظام القضائي بين الحرس القديم وبين الإخوان المسلمين إلى مستوى جديد. وأصبح التعبير الرمزي “سيف الحقيقة” تعبيراً مطبقاً حرفياً، حيث تستخدم الأطراف المحاكم للانتقام من بعضها بعضاً. وكان أعضاء الإخوان المسلمين الذين تمتعوا خلال حكم مرسي بحصانة كاملة من القانون وتصرفوا كأشرار قد وجدوا الحماية من جانب أصدقائهم في النظام القضائي، حتى عندما كان أحدهم يُضبط بواسطة كاميرا الهاتف المحمول وهو يعذب المحتجين السلميين داخل القصر الجمهوري نفسه.
لكنهم أصبحوا، منذ الإطاحة بمرسي في تموز (يوليو) الماضي، ضحايا للنظام القضائي. فقد حكم بالموت على أكثر من 500 شخص من أتباعه في الأسابيع الأخيرة؛ وثمة عشرات الآلاف من الآخرين خلف القضبان. وليست المشكلة في انعدام العدالة بشكل إجمالي في صدور تلك الأحكام؛ ومن المؤكد أنه سيتم تخفيفها عند استئنافها في مراحل لاحقة. لكن المشكلة الرئيسية هي أن هذه التطورات تضيف طبقات على شعورنا بالتشاؤم من حال مستقبل مصر.
كنت في التاسعة من العمر عندما اعتلى مبارك سدة السلطة في مصر في العام 1981، ولا أستطيع المقارنة بين الوعود التي سمعتها آنئذٍ والوعود التي أسمعها الآن من الجنرال عبد الفتاح السيسي الذي أعلن أخيراً ترشحه الرسمي لمنصب الرئيس الذي من المؤكد تقريباً فوزه به. ولا أستطيع المقارنة أيضاً بين سلوك المؤسسات من حول مبارك وبين السلوك الحالي لهذه المؤسسات. لأنه لو حكم العالم بالقوانين الرياضية، فإن السيسي سيكون مبارك الجديد. أما في عصر الفيزياء، فإن الأشياء تكون نسبية.
استناداً إلى سلوك النظام القضائي والإعلام، ليس هناك من سبب يدعو إلى التفاؤل في مصر. لكنني أنطوي على بصيص أمل واحد وحسب: ذلك الذي يأتي من مكان غير متوقع -الحقيقة أنني كنت أنا نفسي ذات يوم متشددا إسلامياً. وأعرف الآن كم هو خطير أن يحكمك متشددون إسلاميون، والذين يعتقدون دينياً بشكل عميق بأنهم خلفاء الله على البسيطة، وأن واجبهم الديني يكمن في جعل الناس “أتقياء”، ويرون كل شيء من وجهة نظرهم ويصنفون الناس وفق معتقداتهم الدينية. وذلك مزيج خطير من العنصرية والتشددية، والذي يقوض المفهوم الأساسي للمواطنة. وبالنسبة لي، فإن ارتقاء الإخوان المسلمين إلى سدة السلطة كان سيناريو كارثياً. وقد عرفت من الدروس التي استقيتها في المسجد أنهم كانوا يكذبون في كل مرة يصدرون فيها بياناً باللغة الإنجليزية ويصورون فيه أنفسهم على أنهم مسلمون معتدلون منفتحون على الجميع.
لقد أصبحت العداوة للإخوان المسلمين جامحة راهناً، كما تجدر الإشارة. فقد ترك عامهم في الحكم معظم الناس مقتنعين بأنهم سيحولوننا إلى نسخة من إيران أو غزة حماس. وذلك ما لا أريده أنا وما لا يريده معظم المصريين. وكان رد الفعل على هذا هو السياق الذي يجب أن تفهم من خلاله المحاكمات وأحكام الإعدام الأخيرة. وفي الأثناء، يمتزج الغضب بمشاعر “وطنية” تجاه الإسلاميين كأدوات في مشروع أميركي مزعوم يستهدف الشرق الأوسط.
داخلياً، قد يفسر هذا “اللامبالاة” البادية للسلطات المصرية الراهنة فيما يتصل برد الفعل الدولي. وقد يكون هناك تفهم إقليمي أيضاً. ومن الواضح أن ثمة نظاماً إقليمياً جديداً يتأطر راهناً حيث تقف مصر والعربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في جانب، وتركيا والإخوان المسلمون في كل العالم وقطر في الجانب الآخر.
تعرف السلطات المصرية أن أميركا خالية الوفاض من الأوراق. وسوف يتم استخدام الكثير جداً من الضغط الدولي على الصعيد المحلي لإذكاء نار المشاعر المعادية لأميركا والغرب على حد سواء. وتستطيع أميركا بسهولة خسارة “أصدقائها” في المنطقة.
من جهة أخرى، سيحبط الصمت الدولي معنويات الإخوان المسلمين وشركائهم ويعطي للنظام الجديد، حيث يكون المشير السيسي رئيساً، رسالة مؤداها أنه يستطيع فعل ما يشاء.
الغد الأردنية





