
أعلن المغرب، الأسبوع الماضي، وقف الاتصالات مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، احتجاجاً على قرار أصدرته محكمة العدل الأوروبية نهاية العام الماضي، تضمن إلغاء اتفاقية تجارية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب أبرمت العام 2012، وتتضمن إعفاءات جمركية وتسهيل التبادل التجاري بين الطرفين. وسبب هذه القرار قضية رفعتها جبهة “البوليساريو” التي تقود، منذ أواسط السبعينيات، الحركة الانفصالية (عن المغرب) في الصحراء الغربية. وهذه القضية يمكن أن تفتح ملف التعاطي الأوروبي مع بضائع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، ويجدر أن تدخلها في آفاق جديدة.
يبلغ التبادل التجاري بين المغرب والاتحاد الأوروبي نحو 30 مليار يورو، منها نحو 19 مليار يورو صادرات أوروبية، ونحو 11 ملياراً صادرات مغربية. ويبلغ التبادل التجاري الإسرائيلي الأوروبي المبلغ نفسه تقريبا، وأيضا الاختلاف في نسب التصدير والاستيراد (مقارنة مع الحالة المغربية) محدودة؛ قرابة 18 مليار يورو للأوروبيين، و12 ملياراً للإسرائيليين.
في قراراته الأخيرة، فإنّ الاتحاد الأوروبي أصر على إخراج بضائع المستوطنات الإسرائيلية من اتفاقيات التجارة الحرة مع الإسرائيليين، وأصر على وسمها (بمعنى وضع إشارة عليها تدل على منشئها في المستوطنات ورفض اعتبارها صناعة إسرائيلية). لكن لم يُطرح، من قريب أو بعيد، قرار أوروبي بمقاطعتها، أو أن تلغى اتفاقيات التجارة الحرة مع الإسرائيليين بسببها.
في حالة المغرب، فإنّ قرار المحكمة ليس وسم البضائع من الصحراء بمكان منشئها، وليس استثناء هذه السلع، وإنما تجميد كل الاتفاقية التجارية.
الوضع القانوني والسياسي بالنسبة لعلاقة المغرب مع الصحراء مختلف عن موضوع المستوطنات. فإذا كان هناك تنازع في حالة الصحراء، وكان المغرب يؤكد اعتبار الصحراء جزءا من أراضيه، فإنّه حتى الجانب الإسرائيلي نفسه لم يقم بإعلان ضم المستوطنات لدولته رسمياً، ولم يعلن سيادة عليها، ولا يوجد أي دولة في العالم تعترف بأنّ المستوطنات جزء من “دولة إسرائيل”، أو حتى يوجد موقف رسمي يعتبر هذه أراضي متنازعا عليها من الناحية القانونية. أي أنه حتى الموقف الأوروبي يرى أنّ الصحراء الغربية أرض متنازع عليها، أما الحق في الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967 في القرارات الأوروبية فهو أنها فلسطينية.
السؤال الآن: هل يمكن لجهة ما (منظمة التحرير الفلسطينية مثلا) أن ترفع قضية تطالب بإلغاء الاتفاقيات الإسرائيلية الأوروبية؛ أم أن قرار وسم بضائع المستوطنات كان، بقصد أو من دون قصد، عملية استباقية تمنع ذلك؟
بحسب صحف أميركية، هناك اتفاقيات مغربية مع دول غربية استثنيت الصحراء منها، ولكن هذا لا يلغي أن قرار المحكمة الأوروبية طلب إلغاء كل الاتفاقية، مبررة ذلك بالقول: “إنّ الاتحاد الأوروبي لم يقم بواجبه الذي يقتضي أن يأخذ بالاعتبار جميع الأبعاد في الاتفاقية التجارية، بما في ذلك أثرها على الحقوق الأساسية لشعب الصحراء الغربية ومن يسيطر على موارد الإقليم الطبيعية”.
حتى لو كان وسم بضائع المستوطنات سيصب لصالح الجانب الإسرائيلي في أي تحدٍ قضائي للاتفاقيات التجارية الإسرائيلية مع أوروبا والغرب، فإنّ قرار المحكمة يمكن أن يكون سابقة تدفع لفتح ملفات اتفاقيات أوروبية إسرائيلية كثيرة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن فتح باب مدى شرعية الاستيراد من المستوطنات من حيث المبدأ، ورفض أن يكون وسم بضائع المستوطنات كافيا لحل المشكلة. ومن المهم هنا الإشارة إلى أنّ محكمة بريطانية قد حولت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي قضية لمحكمة العدل الأوروبية، تطلب فحص مدى شرعية استيراد المملكة المتحدة بضائع من الصحراء الغربية من حيث المبدأ.
بهذا، فإنّه ورغم الفارق السياسي والقانوني بين القضيتين، وهو فارق ضد الجانب الإسرائيلي، فإنّه من الواضح أنّ جبهة “البوليساريو” تستنفد وسائل قانونية أكثر في دعم تحركها الانفصالي، أما الجانب الفلسطيني فإنّه في نضاله التحرري والاستقلالي، يمكن أن يقوم بمقاربات من نوع طلب مراجعة اتفاقيات كاملة بين الإسرائيليين والأوروبيين (وربما غيرهم)، أو طلب تجريم وتحريم استيراد بضائع المستوطنات كلياً.
هناك بالتأكيد شقان؛ قانوني يحتاج لإجابة الخبراء، والآخر الأهم وجود القرار السياسي الفلسطيني.
الغد الاردنية




