
الايام -كتبت بديعة زيدان: في نهاية الشهر الأول من العام 2014، كان الروائي إبراهيم نصر الله، أحد متسلقي جبل كليمنجارو في تنزانيا برفقة طفلين فلسطينيين، أحدهما معتصم أبو كرش الذي فقد ساقه وجزءاً من يده جراء قنبلة تلقفها رغماً عنه، بعدما اجتاحت منزله في قطاع غزة، والثانية ياسمين النجار من نابلس، وفقدت ساقها وفق العديد من الروايات في حادث سير، تحت عنوان “الصعود من أجل الأمل”، والتي تكللت بالنجاح في تسلق الطفلين الفلسطينيين والروائي وآخرين، الجبل الذي يقترب ارتفاعه من ستة آلاف متر، رافعين العلم الفلسطيني أعلاه. بعدها بأشهر، كان ثمة كثير من التساؤلات تتفاعل داخل نفس إبراهيم نصر الله، وإذا ما كان سيرصد الرحلة الجبلية الصعبة في عمل روائي، أو سردية ما، قبل أن يكشف في أيلول من العام نفسه، وخلال ندوة له ضمن فعاليات معرض عمّان الدولي للكتاب، بأنه قرر صياغة الرحلة في عمل روائي، بل وقرأ فصلاً منه، ومن هنا جاءت روايته الأخيرة “أرواح كليمنجارو”، التي تحول فيها، وعلى ما يبدو لأغراض روائية، معتصم إلى يوسف، وياسمين إلى نورا، فيما ابتكر ببراعة شخصية غسان من الخليل، الذي لم يغادرها، لكنه كان مع المجموعة عبر شخصية الطبيبة أروى، إحدى شخصيات نصر الله الروائية، وهي التي سبق أن أخبرته في الرواية بأنها ستحمله في داخلها، وسيصل من خلالها. وعبر غسان، يسلط الراوي الذي ظل خفياً، الضوء على معاناة الخليل وأهلها، فغسان اعتذر عن المشاركة في الرحلة، خشية أن يستولي المستوطنون على منزله، فإصابته، كما في الرواية، جاءت بسبب قنبلة مرسلة من مستوطنة امرأة محمية بجنود الاحتلال، كالعادة، أحرقت منزله بالكامل، وماتت شقيقته متفحمة، في محاكاة لحادثة حرق عائلة دوابشة في دوما، خاصة أن الرواية صدرت بعد الحادثة الأليمة بثلاثة إلى أربعة أشهر، وهو ما قد يجعلنا نضع من بين الاحتمالات: المصادفة، وبالتالي التنبؤ، أو الإضافة عقب الحادثة، خاصة أن غسان ليس ممن صعدوا إلى قمة “كليمنجارو”. ولعل العبارة التي صدرت على لسان غسان كانت كافية بتصوير معاناة أهل الخليل وسكانها، حين قال: كم أتمنى الصعود إلى سطح منزلنا الذي احتله جنود الاحتلال. وغاص نصر الله عميقاً في معاناة أهل الخليل مع المستوطنين، الذين لطالما أمطروهم بالحجارة، والقمامة، بل والمياه العادمة (المجاري)، بهدف “تطفيشهم” قسراً، أو عبر شراء منازلهم بمبالغ باهظة، تصل في بعض الحالات إلى ما هو غير محدد بمعنى “شيكات على بياض”، وهي حقائق وتفاصيل يدركها ويعايشها يومياً أهل الخليل، لكن كثيراً ممن هم خارجها يجهلونها. ويبدو أن نصر الله، عمد إلى تغيير ما، ليس فقط في أسماء الشخوص الحقيقية ممن رافقوه في الرحلة، أو في ابتكار أو عدم ابتكار شخصيات إضافية، بل في بعض الأحداث المرتبطة بها، لفضح انتهاكات الاحتلال اليومية بحق الفلسطينيين، وخاصة في مدينة الخليل، وبعض القرى القريبة من مدينة نابلس، والتي تعاني من همجية الاحتلال وقطعان المستوطنين باستمرار، بمشهدية عالية مستعيناً بحكايات تلتبس على القارئ، وخاصة الفلسطيني، إذا ما كانت حقيقية بأسمائها وشخوصها وجغرافياتها، أم أنها مبنية على حكايات حدثت بالفعل، وتم توظيفها بشكل روائي لتحقق الهدف، وهو ما نجح فيه نصر الله باقتدار. ولم يغفل نصر الله، الحديث عن الشتات الفلسطيني، وحالة الاغتراب التي يعيشها من اقتلع من أرضه وداره عنوة، عبر شخصية الطبيبة أروى، التي عاشت جل حياتها في كندا، قبل أن تستقر في الأرض، وتتكرر زياراتها إلى فلسطين على رأس وفود طبية إغاثية، وهي التي لا تزال تتذكر تأبين عمها الشاعر الشهير، الذي رحل في بوسطن، ولم يكن في عزائه ما يزيد على أصابع اليد الواحدة، أو أكثر قليلاً، وكأنها ضريبة الفلسطيني الذي أجبر على الاغتراب. وربط نصر الله بين رحلة الصعود إلى كليمنجارو، وما رافقها من صعوبات، خاصة تلك التي واجهت يوسف ونورا الصاعدين بساق واحدة، وأخرى اصطناعية، وما بين صعوبات حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، لكن بمجرد وصولهم إلى القمة ورفعهم العلم الفلسطيني، وهو ما حدث بالفعل كما في الرواية، فإنه يجسد في “أرواح كليمنجارو”، والتي اعتبرها نصر الله في حديث صحافي جزءاً من “الملهاة الفلسطينية”، روح التحدي، والإصرار على الحياة، وكأنه، كما قال درويش ذات يوم، يرّبي الأمل، وهذا ما انعكس في العديد من المشاهد، بينها كشف يوسف عن يده المحروقة، والمبتورة جزئياً، بمجرد الوصول إلى القمة، هو الذي كان يحرص على إخفائها طول الرحلة. ولعل في ما قالته نورا خلال الرحلة إنن “الإعاقة الحقيقية هي إعاقة الإرادة لا إعاقة الجسد .. لا للمستحيل”، وإن “الطفل الفلسطيني يستطيع تسلق أعلى جبال العالم، ولو كان برجل واحدة، ليرفع علم بلاده، لذلك أدعو الجميع إلى عدم الاستسلام أمام التحديات”، هي رسالة الأمل التي سعت إلى تثبيتها الرحلة، كما سعى نصر الله إلى تثبيتها روائياً. وكان نصر الله وصف الرحلة بأنها تتضمن رسالة واضحة حول إرادة الشعب الفلسطيني وقوته في ابتكار الحياة، وتحديه لكل صنوف الموت … وقال: رحلتي، التي قمت بها إلى قمة كليمنجارو، كانت واحدة من رحلات العمر الكبرى، على صعيد المسافة التي قطعناها مع رفاق ورفيقات الرحلة، صعوداً وهبوطاً، وعلى الصعيد الإنساني والكثافة التي لمستها بالقلب والعقل على مدى ثمانية أيام، خمسة للصعود وثلاثة للهبوط .. أعترف بأنني توقعت، بناءً على أحاديث متفرقة مع من نظموا الرحلة، أن الطرق ستكون أسهل، لكنني فوجئت هناك بجبال لها شكل حائط، وصخور وممرات ضيقة وجداول مياه، ودهمنا ثلج في الطريق ومطر ورياح، وأن الخيام الصغيرة التي ننام فيها فوق التلال يعصف بها صقيع حاد طوال الليل، يترك الأرض حولها بيضاء. وأكد صاحب مشروع “الملهاة الفلسطينية”، وتجسدت في أكثر من رواية، أن “أجمل ما في رحلة كليمنجارو أنني رأيت، بأم عيني، معجزة فلسطينية رائعة تتحقق”، مشيراً إلى صعوبة الرحلة من جهة، وقوة الإرادة في تحقيق الهدف من جهة ثانية … “اكتشفت كيف يمكن للمرء أن يعيش أربعة فصول في يوم واحد، وطبيعة جغرافية تبدأ بغابة خضراء وطيور وتنتهي بمرتفعات وسهول من الحجارة السوداء والصمت، وكيف يمتزج المرء بالمكان ناسياً كل شيء خلفه”. وكان نصر الله قال أيضاً: أعتقد أن هناك مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتق الكاتب أخلاقياً واجتماعياً وسياسياً وفكرياً، وإذا قام بفك هذا الارتباط بين كلماته واللحظة الساخنة التي يعيشها مجتمعه، فإنه يفقد الكثير من معنى وجوده ككاتب، لكنه هنا لم يفقدها، بل زادها بريقاً بلغة سلسة رائقة، خرجت برواية تستحق أن تتحول إلى فيلم سينمائي، لو تم تنفيذه سيكون فيلماً ملحمياً كما هي الرواية. وجاء في مقدمة الرواية، وكتبها نصر الله بقلمه، أن الرحلة كانت أوسع من أن تكون سيرة، “فكانت فسيحة بحيث لا يمكن أن تستوعبها إلا رواية فيها من ظلال أرواحنا الكثير”. وبخصوص اختيار “كليمنجارو” لرحلة الأمل بالتحديد، فلكونه “الجبل الذي ألهم القارة الأفريقية في رحلتها إلى الحرية، حيث كانت تنزانيا، التي يقع فيها كليمنجارو أول بلد أفريقي يتحرر من الاستعمار، وينال استقلاله” … “ذات يوم قال أحد قادة حركة التحرر التنزانية: سنوقد شمعة على قمة الجبل لتضيء خارج حدودنا، لتعطي الشعوب الأمل في وضع يسوده اليأس، الحب في وضع تسوده الكراهية، والإحساس بالكرامة في وضع يسود فيه الإذلال”، قبل أن يختم نصر الله “… وبعد سنوات وسنوات يأتي أطفال فلسطينيون يصعدون القمة منشدين بقوة الأمل: كلما انطفأت شمعة .. نشتعل”، هو الذي كان كتب في مطلع روايته الصادرة عن دار بلومزبري (مؤسسة قطر للنشر): في كل إنسان قمّة عليه أن يصعدها، وإلا بقي في القاع .. مهما صعد من قمم. من الجدير بالذكر أن جبل كليمنجارو في تنزانيا، يعد أعلى قمة في قارة إفريقيا، والرابعة في العالم، ويتكون اسم الجبل من مقطعين في اللغة السواحلية، ومعناه “شيطان البرد”.. وتشكل الجبل من مخاريط بركانية، هي كيبو (أعلى القمم)، وماوينسي، وشيرا .. تبلغ أعلى قمة 5895 متراً عن سطح البحر، ويعد جبل كليمنجارو أقرب نقطة تغطيها الثلوج بالقرب من خط الاستواء، ويحتوي الجبل على محميات وحدائق، من بينها متنزه كليمنجارو المسجل في قائمة مواقع التراث العالمي في اليونيسكو.




