
يمكن الآن القول إنّ هناك فارقا بين كلمتي “هبّة” و”انتفاضة”. وإذا ما اتُفق على الفارق، أصبح ممكناً الحديث عن إدخال القاموس السياسي معنى اصطلاحيا للكلمتين. والأهم أنه يمكن افتراض أن الثورات والانتفاضات قد تبدأ بهبّة، وإذا لم تتحرك القيادات فإنّ الهبّة تخبو، وإذا تحركت القيادات حولتها إلى انتفاضة وثورة.
منذ تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، دار جدل حول توصيف ما يجري في فلسطين من عمليات مواجهة تشارك فيها مجموعات شبان بالتصدي للجنود على الحواجز العسكرية، في مدن فلسطينية مختلفة، مع محاولات قليلة لتنظيم مسيرات منظمة من قبل سياسيين وأشخاص ينتمون للأطر الفصائلية، لم تنجح لعدم الجدية، ولأسباب أخرى. وانتشرت عمليات طعن ودهس، وهجمات فردية ضد الاحتلال. ودار نقاش بشأن هل ما يحدث هبّة أم انتفاضة.
حتى يكون للجدل معنى، وأهمية، يجب أن يكون هناك فارق بين الكلمتين. ومن الناحيتين اللغوية والتاريخية، يصعب جداً القول إنّ هناك فارقا بينهما. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإنّ الصدامات التي حصلت العام 1929، على خلفية مواجهات في العام السابق (1928)، ومحورها حائط البراق، سُميت في المراجع التاريخية باسمين: “ثورة البراق”، و”هبّة البراق”؛ هذا مع الأخذ بالاعتبار اتساع الأحداث التي وقعت في آب (أغسطس) وامتدادها من بئر السبع جنوباً إلى صفد شمالاً، وهناك صور لتجمعات حاشدة كبيرة في مدن مثل الخليل. وقد أسفرت المواجهات عن سقوط 133 قتيلاً يهودياً وجرح 339، فيما بلغ عدد القتلى العرب 116 والجرحى 232. وكما نرى، فإنّ تسمية الأحداث تراوح بين الثورة والهبّة.
لقد اتُفق، إلى حد كبير، على تسمية النضال الوطني الفلسطيني بين العامين 1965-1993، بالثورة الفلسطينية المعاصرة، قبل التحول إلى سلطة وحركة استقلال، ثم العودة للانتفاضة العام 2000. وتخلل ذلك هبّة/ انتفاضة النفق العام 1996.
بشكل عام، يمكن الاستنتاج من وحي أحاديث ونقاشات عديدة دارت في الأشهر الماضية، أنّ هناك فكرة غامضة في الأذهان، تربط الهبّة بحدث غير ممتد زمنيا، وغير متسع ليشمل أعدادا كبيرة تنخرط في صلب العمل النضالي والمواجهة المباشرة.
وقبل الذهاب لمعنى الانتفاضة، لا بد من التوقف عند ثورة 1965-1993، بأنّها شملت من حيث حمل البندقية عددا لا يتجاوز (في وقت واحد) عشرين ألف شخص، كما حدث عشية اجتياح بيروت العام 1982. وهؤلاء لم يكونوا على تماس دائم وشامل ويومي مع الاحتلال. ولكن، من جهة أخرى، كانت هناك أعداد تفوق ذلك كثيراً تنشط كخلايا عمل سري، وأذرع دعم إعلامي وفني ودبلوماسي وبحثي، ويشترك في ذلك سيدات وآنسات كن في أكثر من مكان ينسجن “كنزة الفدائي” ليتدفأ شتاءً. فكانت هناك حالة سميت “ثورة”، لأنها تتضمن قرار شرائح شعبية واسعة تغيير حياتها، والخروج عن المنظومات السياسية التقليدية، واللجوء إلى تشكيل مليشيات وبنى نضالية ثورية، وساندهم في ذلك الملايين.
قبل انتفاضة العام 1987، كانت تحدث مواجهات شاملة مع الاحتلال لأيام، وكان الإعلام يسميها انتفاضة. ولكن انخراط الشعب، كل الشعب تقريباً، في المقاومة لنحو ثلاث سنوات، إن لم يكن بالأذرع الضاربة لمواجهة دوريات الاحتلال ومستوطنيه، فبالإضراب، والتعليم الشعبي، والزراعة المنزلية، وزيارة قبور الشهداء وبيوتهم، ودعم عائلات الأسرى ماديا ومعنوياً، وسوى ذلك، من مظاهر، أوجد مصطلحا تداوله العالم باسمه العربي “انتفاضة”.
عندما بدأت الاحتجاجات العام 1987، دار جدل في مقر قيادة الثورة بتونس بشأن: هل ندعم الحدث؟ وخاف البعض أن هذه بوادر قيادة بديلة، خصوصا وقد حاول الإسرائيليون تشجيع ظهور قيادة محلية للتفاوض معها باعتبارها تمثل سكانا لهم مطالب مدنية، وليس سياسية وطنية. ولكن قراراً من قمة الثورة، وتحديداً ياسر عرفات وخليل الوزير، بتبنّي الحدث، وإعلان القيادة الوطنية الموحدة أنّها ذراع لمنظمة التحرير الفلسطينية، حسما الأمر، وبات الوزير مهندس الانتفاضة، وعقلها في الشتات، وتطورت استراتيجية عمل فلسطينية جديدة. وأنشأ كذلك الإخوان المسلمون الفلسطينيون حركة “حماس”، وتحولت المواجهات لثورة. ولو تخيلنا أنّ القيادة لم تتبنَ الحدث، فإنّ التاريخ ربما أخذ منحى آخر.
بهذا أصبح للهبّة معنى تطور تاريخياً؛ يتحدث عن عفوية، وعن امتدادين زمني وشعبي، أقل من الانتفاضة، لكن الحدث مرشح للتحول لانتفاضة إذا تبنته القيادة.
الغد الاردنية




