الرئيسيةزواياأقلام واراءالعرب.. أمة وسط العاصفة!! ..بقلم: فاروق جويدة

العرب.. أمة وسط العاصفة!! ..بقلم: فاروق جويدة

كان فرمان الرئيس الأمريكي ترامب بتسليم القدس إلى إسرائيل عاصمة للدولة اليهودية هو آخر محطات استنزاف العالم العربي بعد مرحلة طالت من الحروب الأهلية بين أبناء الشعب الواحد والدين الواحد واللغة الواحدة والأرض الواحدة..والشيء المؤكد أن القدس لن تكون نهاية المطاف وأن هناك توابع أخرى لهذا الزلزال فمازالت المنطقة في دور التقسيم ومازالت هناك أطراف دولية يمكن أن تكون شريكا في الغنائم أمام دول انهارت وجيوش تحطمت وشعوب حائرة في المنافي..لم تصل الأحداث إلى آخرها وإن كان تسليم القدس هو بداية الجرائم الكبرى ومسلسل النكبات الذي لحق بالعالم العربي..
حين إحتل الجيش الأمريكي عاصمة الرشيد بغداد ودمر جيشا من أكبر الجيوش العربية واستولى على البترول ونهب الآثار ودمر المساجد والكنائس وقسم الشعب العراقي إلى السنة والشيعة والمسيحيين والأكراد وفتح الأبواب أمام الوجود الإيراني كان ينبغي أن يدرك العرب وهم يتواطئون في هذه الجريمة ان سقوط بغداد سيكون بداية مأساة كبرى تحيط بهذه الأمة المنكوبة في شعوبها وحكامها ومواردها..كان تدمير الجيش العراقي بكل إمكانيات العراق وتاريخه الحضاري والإنساني والعسكري نقطة البداية التي وصلت بنا إلى تسليم القدس بالمفتاح من أمريكا لإسرائيل دون حسابات لأحد..كان ينبغي أن نعلم أن الجريمة الكبرى كانت سقوط بغداد واحتلالها بدون ذنب أو جريمة..
وحين بدأت الحرب الأهلية في سوريا ودخول الجيش السوري بكل قدراته في حرب لم ينتصر فيها أحد فتحت دمشق ابوابها لإيران ثم لروسيا واختلطت الأجناس على الأرض السورية ما بين أمريكا وروسيا وإيران وفرنسا والكل كان يدمر في كل شيء في سوريا..كان ينبغي أن يدرك العرب أن الحرب الأهلية في سوريا هي استكمال لسقوط بغداد وامتداد لمؤامرة كبرى تسعى إلى تدمير كل مقومات هذه الأمة..
وفي اليوم الذي انطلقت فيه ثورات الربيع العربي لتدق أجراس التغيير في تونس ومصر وسوريا واليمن وليبيا كان العالم العربي يعيش حلما لم يدرك أبعاده وكانت كل هذه الأحداث تسير في اتجاه واحد هو تدمير قدرات الشعوب العربية والعودة بها إلى عصور ما قبل التاريخ ولم يكن أحد يتصور أن يخرج من هذا الركام شبح جديد لا أحد يعلم من أين جاء وكيف تشكلت فصائله ومن أين جاءته كل هذه الأنواع من الأسلحة المتقدمة وكيف جمع حشودا من كل اجناس الأرض شرقا وغربا, كان ظهور داعش بعد تدمير الجيوش العربية هو السؤال الحائر الذي لم يجد له إجابة حتى الأن.
يكيف تسللت قوات داعش ومعها الدبابات والمدرعات والصواريخ وهذه الآلاف من النماذج البشرية المتوحشة وهي تحمل القرآن على أسنة الرماح وإتخذت قرارا بتصفية كل الشعوب العربية تحت راية الإسلام.. كان السؤال الأهم الذي لم يجد الإجابة حتى الآن لماذا لم تتجه حشود داعش وبيت المقدس والجهاديين والسلفيين والمناضلين إلى تل أبيب لتحرير فلسطين وإنقاذ القدس من المؤامرة..لو حدث ذلك لكان هناك عرس آخر الآن وهو إطلاق سراح القدس وعودتها كاملة إلى وطنها العربي..
مازالت داعش وتوابعها تعبث في مقدرات هذه الأمة وهي تتلقى أوامرها من أكثر من جهة, ولكن الغريب أن تهدأ معارك داعش مع تسليم القدس عاصمة لإسرائيل..إن آخر الأحداث أن الجيش العراقي استطاع أن يتخلص تماما من حشود داعش على الأرض العراقية ومن العراق كانت البداية مع دعم مشبوه من أمريكا وعلاقات مريبة مع إيران كل هذه التساؤلات لا تجد الإجابة..
إن العالم العربي الآن يعيش وسط كتلة مهولة من الفراغ في كل شيء وهو ينتظر ذلك المجهول الذي يعيد ترتيب الأوراق فيه..هناك كتلة من الفراغ تضم عددا من الدول العربية .. وكتلة أخرى تضم عددا من القوات الأجنبية على الأرض العربية وكتلة ثالثة من الفراغ تضم حكومات اجنبية رتبت لنفسها حقوقا في العالم العربي..إن القوات الأمريكية لها قواعد في العراق وفي البحر المتوسط وفي قطر وفي مياه الخليج والبحر الأحمر والقوات الروسية لها أكثر من وجود في سوريا جوا وبحرا بل إن لها قوات برية مازالت تحارب على التراب السوري..وفي اليمن تقاتل القوات الإيرانية وتوشك إيران أن تلتهم وطنا كان يسمى اليمن وفي ليبيا هناك أكثر من دولة وأكثر من جيش, ووسط هذا كله شعب غارق في الدماء..
وسط هذا التفكك وهذا الدمار كان من السهل أن يقدم الرئيس ترامب هديته إلى إسرائيل أمام حالة من الضياع تعيشها المنطقة بالكامل وكانت لديه مبررات كثيرة:
اولا: إن العرب في حالتهم لا يستطيعون إنقاذ أي شيء إن كل دولة غارقة في مأساتها والجميع يبحث الآن عن يد تمتد إليه لإنقاذ ما بقي فيه من المنشآت والمرافق ومصادر الحياة ..
ثانيا: إن القضية الفلسطينية دخلت دوامة طويلة من الفشل منذ إتفاق أوسلو ورحيل عرفات وكارثة الانشقاق التي تعاني منها الفصائل الفلسطينية وتحاول مصر إنقاذها.
ثالثا: إن المنطقة كلها على أبواب التقسيم وهناك ذئاب تعوي حول الغنيمة وهي ليست فلسطين الآن بعد أن حصلت إسرائيل على الجوهرة الحقيقية وهي القدس هناك تصورات أخرى للتقسيم وفي مقدمة الدول التي تسعى للحصول على أكبر الأنصبة فيها وهي إسرائيل فمازالت لها مطامع في سوريا غير الجولان وهي تريد إبعاد الفلسطينيين بكل الوسائل عن مكاسبها القديمة والجديدة..وأمام الأرض العراقية والسورية تقف روسيا ولا أحد يعلم ما هي مطامع روسيا, كما أن الامتداد الإيراني أصبح مزعجا لكل المنطقة وليس فقط دول الخليج من الآن يستطيع إخراج إيران من ثلاث دول عربية هي العراق وهو وجود جغرافي وعقائدي وسوريا واليمن وهناك أطماع أخرى.
إن مصر وسط هذه الانقسامات تحاول أن تلملم جراحا كثيرة أصابت هذه الأمة ولا احد ينكر أن مصر لديها مخاوف كثيرة على ما يجري بين دول وقوى وضعت أقدامها بل وجيوشها في قلب العالم العربي وهي تدرك أن إسرائيل هي المستفيد الأول من كل ما حدث وأنها تسعى أن تكون الدولة الكبرى في المنطقة ولديها فرصة تاريخية أمام حالة الضعف التي أصابت الأمة العربية وبددت ثرواتها وشردت شعوبها واستباحت كل مقدراتها..
كان احتلال العراق في مصلحة إسرائيل وكان انهيار سوريا من احلام إسرائيل وكان ظهور داعش وما ترتب عليه من تدمير القدرات العربية في مصلحة إسرائيل وكان انقسام الصف الفلسطيني أكبر ما قدمه الفلسطينيون للدولة العبرية والآن تحصل إسرائيل على أول مكاسبها وسط الفراغ العربي المهين.
هذه الصورة الكئيبة بين أطلال وخرائب العالم العربي المنكوب يطرح هذا السؤال نفسه وما هو الطريق وأين يكون الملاذ وسط هذه المحنة القاسية التي تجعل الأمة كلها أمام مستقبل غامض ومصير مشبوه..
كيف تمنع الدول العربية كارثة التقسيم ونحن أمام دول تتشرذم وهناك قطيع من الذئاب يحيط بها.. من يضمن بقاء العراق موحدا وكلنا شاهدنا ما حدث في إعلان استقلال الأكراد في الشمال وماذا عن قيام دولة سنية وأخرى شيعية..ما هو مستقبل سوريا مع وجود قوات روسية وأخرى إيرانية بينما إسرائيل تنظر من بعيد, كما ان تركيا ليست بعيدة .ما الذي يضمن بقاء ليبيا الموحدة وهناك معارك مازالت تدور بين ابناء الوطن الواحد ومع هذا كله كيف يبقى اليمن لليمنيين جميعا
… عن «الاهرام» المصرية
اقلام واراء

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب