أقلام واراءزوايا

الملفات الساخنة للشرق الاوسط ..بقلم :د. يسر الغريسي حجازي


العالم العربي يعاني من عصر الخيال، وضعوا فيه النار والدماء: “ان شعب الإسلاميون يحلمون بالخلافة الكبيرة, والصهاينة باسرائيل الكبرى … على حد سواء بالاعتماد على الوهابية لتحقيق ذلك, في حين أن العرب ياكلون أنف بعضهم البعض، يواصلون الصهاينة خطتهم الخيالىة.”

ستيفن لاندمان، (المركز العالمى للبحوث فى لوس انجلس،2014).

اولا يجب علينا السؤال، لماذا الرئيس الامريكي ترمب يدير مطبخ الشرق الاوسط والقضية الفلسطينية من خلال الملك سلمان السعودي؟ لماذا اختار هذا الوقت بالذات لاعلان القدس عاصمة لاسرائيل؟ ما هي حقيقة ارتباط المملكة السعودية بالولايات المتحدة واسرائيل؟ اذا اردنا التامل بشان حالة الفوضى، والحروب, والانقسامات، والتفكك في داخل الدول العربية، نجد ان هناك منظومة سرية تعمل لفركشة الاوضاع في الدول المجاورة لاسرائيل, والتي تعمل حسب ايديولوجيات متناقضة للوهابية السعودية، والصهيونية الإسرائيلية.انها تنشر التطرف الديني، والنزعة العرقية في الشرق الأوسط امام صمت دولي مروع سببه اعطاء شرعية كاملة للمتامرين، والذين يشرفون علي تقسيم دول الشرق الاوسط، والسيطرة عليها، ومواردها. كما انه يتم تجاهل هذه الأيديولوجيات المتشددة والمهددة لاستقرار الشرق الاوسط وتطويره. ولا احد من وسائل الإعلام الغربية، يتجرا ان يكشف للجمهور العام، ان اسرائيل والمملكة السعودية تم صنعهما لتكونا حليفتين لولايات المتحدة.

اذا رجعنا الي ما قاله مؤسس الصهيونية ثيودور هرتزل، بان “سطح الدولة اليهودية يمتد من مصر إلى نهر الفرات “وحسب اقوال الحاخام فيشمان ان: ” الأرض الموعودة تمتد من نهر مصر إلى نهر الفرات، وهي تشمل أجزاء من سوريا ولبنان “. ويشير الي ان تشكيل “إسرائيل الكبرى” هو اساس خطة بناء اسرائيل الكبري، ذلك ما يؤكد ما تقوم به الاحزاب الصهيونية المتطرفة داخل حكومة نتنياهو، وبقيادة حزب الليكود الحالي. ما يفسر القوة اللاستخبراتية للجيش الإسرائيلي في جمع المعلومات وتجنيد العملاء في الشرق الاوسط بمساعدة المملكة السعودية، ودولة الامارات، وقطر. اي ان استراتيجيه اسرائيل تكمن في زعزعة الدول المجاورة لها، وهب النار فيها. علي سبيل المثال، الحروب المتتالية في العراق في 2003، وفي لبنان في 2006، وفي ليبيا في 2011، و في سوريا في 2012.

كما ان خطة الشرق الاوسط الجديد تشمل عملية تغيير النظام المصري، على أنها جزء من خطة التوسع الإسرائيلية، والمشروع الصهيوني في اعادة تقسيم المنطقة. ومن ناحية اخري، تستعمل اسرائيل سياسة تهجير الفلسطينيين من فلسطين وذلك من زمن طويل، كما ان كل الحروب التي قامت بها مؤخرا في قطاع غزة في 2008, 2012, و 2014, استهدفت مدانيين عزل، وكانت ايستراتيجية حروبها التطهير العرقي، وقتل عدد كبير من الفلسطينيين ، واجبارهم علي ترك قطاع غزة وطلب الهجرة في الدول لاروبية. كما ان الوضع في الضفة الغربية ليس احسن، و يمكن مشاهدة المحاسيم الاستفزازية وتعطيل حركة المواطنين اليومية لجعل حياة الفلسطينيين مستحيلة، ناهيك عن المحاولات العديدة لاقتحام المسجد الاقصي من قبل المستوطنين، وعلي راسهم الحكومة الاسرائيلية. كما ان اسرائيل تستعين بالجماعات المتطرفة من المستوطنين، لاستهداف المدنيين في عمليات التخريب، والقتل. ان الاستمرار في الاستيطان وضم المناطق الفلسطينية الي مساكن استيطانية، يؤكد ان اسرائيل تريد ضم الضفة الغربية إلى دولة إسرائيل الكبري، وصنع سلام كاذب ومخادع.

يقول ستيفن لاندمان، 2014 في (المركز العالمي للعولمة فى الولايات المتحدة) ان بيان رابطة الجامعة العربية الأمريكية، دقيقا حول الصراع فى الشرق الاوسط، وان الاستراتيجية الصهيونية في الشرق الأوسط تتمحور، حول أهمية القيمة التاريخية لاسرائل، لها هدفان رئيسيان من خطة اسرائيل للسعى الى:

سيطرة اسرائيل على منطقة الشرق الاوسط بشكل كامل، مما يضمن صراع بقاء اسرائيل في المنطقة، وان تصبح قوة عالمية كبرى مسيطرة علي العالم باسره من منطقة الشرق الاوسط. ذلك يتطلب تقسيم العرب إلى دويلات صغيرة على أسس عرقية، لجعلهم تحت السيطرة الإسرائيلية. كما استلهموا الاسرائيليين الفكرة، من خلال الإمبراطورية العثمانية الذى كان نظام قوى ومركزى، بحيث كان ينقل السلطة الي المجموعات الاثنية من خلال الإيمان بالهويات العرقية المنفصلة.

وللمرة الأولى منذ عام 1967، خلق الكيان الصهيوني حالة الصراع العربي حول إسرائيل، التى استغلتها واستثمرتها بالكامل لتاخذ شرعية وغطاء رسمي لاحتلالها الضفة الغربية، وقطاع غزة، وهضبة الجولان . ذلك، يؤكد ان معاهدة بلفورالمشؤومة انتهت صلاحيتها بعد ما فرضت الكيان الصهيوني، ومنحت له شرعية دولية لاقامة الدولة الاسرائيلية في ارض فلسطين، حتي تفرض الصهيونية وجودها. والان تلوح الاجواء الي معاهدة جديدة اسوء من بلفور، خطة القرن الترمبية والتي تاتي لاضعاف، وتجزأ، وتقسيم، واعادة تشكيل المنطقة لكى تصبح تحت السيطرة الإسرائيلية. يري أوديد ينون، صحفي ومسؤول سابق بوزارة الخارجية الإسرائيلية، أن مصلحة الدولة اليهودية تكمن في تشجيع خلق دول مصغرة عدائية، ضعيفة جدا، ومنقسمة في الشرق الاوسط. وذلك من اجل إثار تفكك و تدمير القوة العسكرية للدول المجاورة لاسرائيل حتي لا تشكل اي خطرعليها.

وياتي منشورإسرائيل شحاك (1933-2001)، الرئيس السابق للجامعة الإسرائيلية لحقوق الإنسان والحقوق المدنية والمناهض للصهيونية بعد التدخل العسكري الإسرائيلي علي يد الكتائب المسيحية في لبنان، بقيادة اريال شارون، التي سميت “بعملية السلام في الجليل”، والتي تسببت بالمذابح والقتل الجماعي البشع، وابادة عائلات بكاملها مع اطفالها، و نسائها، وشيوخها في مخيمات صبرا وشتيلا بلبنان (16-18 أيلول / سبتمبر 1982).

ويقول شحاك ان تقسيم العراق في سنة 1982 إلى الشيعة في المناطق السنية والكردية، كانت خطة عسكرية منبثقة من افكار هيتلر الجيوسياسية والحركة النازية، وذلك لتحديد أهدافهم فى أوروبا الشرقية، وتم تنفذيها بين سنوات (1939- 1941). وقال يانون إن وجود، وازدهار، وصمود إسرائيل يعتمد على قدرتها على تبنى إطار جديد لشؤونها الداخلية والخارجية، واجتهادها في محاولات التطبيع مع العالم العربي. لكن اسرائيل التي اقامت دولة علي اساس الاحتلال والحروب، لا يمكنها تأمين احتياجاتها المادية الا من خلال الانقسامات في العالم العربي، وبالتالي تلعب دور خفي مع الولايات المتحدة في اختيار حكامها، والسيطرة على مواردها وذلك ما يفسر استراتيجية اسرائيل، وعزمها علي تفكيك العالم العربي، ونشر الارهاب فيه.

ان جميع الدول العربية التي تقع تحت قبضة اسرائيل، تنكسر وتغرق في النزاعات الداخلية، بل وأكثر من تلك التي تشهد فى المغرب العربي، في المغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، وموريتانيا، والصحراء الغربية.

ويمكن لاسرائيل استغلال هذه الخصومات لصالحها. كما ان في كل منطقة الشرق الأوسط، تعاني من فساد حكامها، ومن حرمان شعوبها من حقوقهم الاساسية، والحريات، والقمع العسكري، وارتفاع مخيف في نسبة البطالة على الملايين من الناس. وهذه القضايا قابلة للانفجار في اي وقت، ولا يمكن تطويقها امنيا، الا انها تمنح فرص ذهبية لإسرائيل علي مدى بعيد لأول مرة منذ عام 1967 (فرض دول اصطناعية في الشرق الأوسط: حالة المملكة العربية السعودية وإسرائيل،2017).

وتقول اسرائيل اليوم، انها تواجه فرصة هائلة لتحويل المنطقة الي شرق اوسط جديد بسبب انه يتوجب عليها أن تحقق اهدافها المستقبلية، لإنها لا تريد ان تخسر ما حققته من مكاسب، و دولتها التي اقامتها بالحروب والاحتلال. لذلك، انها تري ان هناك ضرورة لتغيير سياستها الخارجية، والداخلية على نطاق واسع من خلال حشد التاييد لها من خلال التعاون الاقتصادي والامني مع دول الخليج العربي. مما يؤكد العلاقة الوطيدة بين اسرائيل والمملكة السعودية، وبحث اتفاق السلام في الشرق الاوسط بينهما من سنة 2015، والذي ينص علي تقوية السعودية عسكريا واستفادتها من خبرة الطيارين الاسرائيلين والتدريبات العسكرية، لمواجهة عدوهم المشترك ايران وتنظيم حزبالله في جنوب لبنان. وذلك مقابل ان تهتم السعودية بملف فلسطين وتضغط علي رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية لتقديم تنازلات، وقبول التسوية النهائية تكمن في توسيع الحكم الذاتي الفلسطيني مع مساعدات مالية، والتطبع مع اسرائيل.

لا يكون هناك مشكلة للرئيس الامريكي الذي ضمن تحالف الجيش العربي تحت امرته. فهو يسعي لاقامة مركز عالمي للتكنولوجيا والتجارة، مقابل تطبيع الدول العربية مع اسرائيل. وعلى حسب ما جاء به يانون , كان اتفاق السلام بين اسرائيل ومصر خطأ، لأنه قائم على اقتصاد مصر و استيراد الموارد النفطية، والتي بدونها يمكن لاسرائيل تدمير مصر. للقيام بذلك هنالك طريقتان : مباشرة، من خلال انهاء المعاهدة، أو بطريقة غير مباشرة، من خلال السيطرة على سيناء لان حسب قوله، ان مصر لا تشكل عقبة عسكرية كبرى بسبب صراعاتها الداخلية، كما ان اقتصادها في أزمة، مما يجعل المساعدات الخارجية أساسية لها. والهدف الاستراتيجي لاسرائيل هو زيادة إضعاف مصر من اجل تقسيمها إلى مناطق جغرافية متميزة. لكن إذا ما سقطت مصر، يمكن للدول المجاورة ان تنهار، بما في ذلك ليبيا والسودان.

وبعد مرور اثني وعشرين عاما على اتفاقات أوسلو في 1995 ، تعتبر عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية قاتلة للفلسطينين، وتسببت بفقدان جزءا كبيرا من الأراضي الفلسطينية، والتوسع الاستيطاني الإسرائيلي الغير شرعي، امام صمت دولي مرعب. وفي نفس الوقت، يزدهر الإسلام السياسي ، وتزداد الخلافات السياسية والدينية تفاقما لغاية الصراعات المسلحة، والتي نشاهدها اليوم في العراق، وسوريا، ومصر،واليمن، وليبيا. وتظهر صراعات عرقية بين الشيعة والسنة، والتهديد الوهابي والجهادي السلفيي، الذي يقوم بتدمير معالم التاريخ الاسلامي والمسيحي في الشرق الاوسط، وقتل وتهجير شعوبها الي الغرب. من المستفيد من هذا التدمير، وكيف يتم تمويل هذه الجماعات التكفيرية المدعومة عسكريا وماديا؟

اذا تاملنا في موضوع سوريا علي سبيل المثال، سنكتشف ان سبب المؤامرة عليها يكمن في موقعها الجغرافي ،و الاستراتيجي كنقطة عبور للمنتجات البترولية، والغاز الطبيعي، والفوسفاط،، ونقل الطاقة في منطقة الشرق الاوسط، والتبادل الصناعي والتجاري مع الدول المجاورة، ومنها ايران. ولم تعطي الحرب علي سورية النتائج المرجوة لامريكا، واسرائيل، وحلفائها، بسبب قوة التدخل العسكري الروسي . وفشلت خطة التقسيم العرقي في سوريا.

اما بالنسبة للسلطة الفلسطينية، هناك ضغوطات تمارس من حلفاء الولايات المتحدة، وهي المملكة السعودية والامارات لجعل الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس يتنازل عن القدس الشرقية كعاصمة لفلسطين، وقبول خطة القرن، التي تستبعد تماما اقامة الدولة الفلسطينية بل تنص علي التطبيع العربي بالكامل مع اسرائيل، وضرب بعرض الحائط حق الفلسطينيين في السيادة علي اراضيهم المتبقية وهي 22% من بعد ¬-1967. كيف يمكن اعتبار الولايات المتحدة راعية للسلام بين الاسرائيلين والفلسطينيين، وهي تنحاز للكيان الصهيوني، وتهدي القدس كعاصمة لاسرائيل وتعتمد الاقتراح السعودي، الذي يكمن في التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني، وتوطين الاجئين في اماكنهم والتعويض عن ممتلكاتهم. ثم توسع الفلسطينيين في غزة مع سيناء وبعض اجزاء من الضفة، مقابل عروض مالية مغرية للقبول بالمقترح السعودي الاماراتي؟ من هو الفلسطيني حاكم او مواطن الذي سيتنازل عن حق الدولة الفلسطينية, ومنح كل فلسطيني حقه في الحصول علي حياة كريمة؟

وبالنسبة لاسرائيل لا يسود السلام و التعايش الحقيقي على الأرض، الا عندما يفهموا العرب ان بدون حكم اليهود بين نهر الأردن والبحر، لا يكون لهم وجود ولا أمن. والأردن هو البديل الوحيد، الذي يعطي إسرائيل المزيد من الأراضي مطهرة من العرب.

خلاف ذلك، يقول يانون ان اسرائيل سوف تزول من الوجود في أي حدود ان لم يتم تقسيم الدول المجاورة لها، و ان يهودا والسامرة, التي هي الضفة الغربية، والقدس والجليل هم الضمان الوحيد لوجود وطن للكيان الصهيوني. انها خطة إعادة توازن لافادة اسرائل ديموغرافيا، استراتيجيا، واقتصاديا.

كما ان خطة اسرائيل الكبري تشمل، وجود الدولة المسيحية القبطية في صعيد مصر مع عدد من الدول ضعيفة القوة، هو اهم عامل للتطور التاريخي حسب اسرائيل, والذي تأخر بسبب اتفاق السلام. وتشتمل الخطة ارض سيناء امتداد لقطاع غزة، والحل الانسب لاسرائيل للقيام بعملية الترنسفار واجبار سكان المخيمات الفلسطينية علي النقل الي ارض سيناء، بحجة الاكتضاض السكني في قطاع غزة. السؤال المخيف هو: هل عمليات القتل التي تقوم بها جماعات داعش تمهد الطريق لهذا المشروع الشيطاني؟ ومن الذي يزود هذه الجماعات بالسلاح واللوجيستية؟ لا يىزال ان التحاليل السياسية تشيراصابع الاتهام الي بعض دول الخليج التي تساعد الكيان الصهيوني في تحقيق احلامه، حتي ان كان علي جثث الشعوب دول الشرق الاوسط.

ويقول يانون، ان التغييرات القادمة تهدف الي تحويل المجتمع اليهودي العالمي، ليجعل من إسرائيل الخيار الوجودي الوحيد. وتاتي ثلاثة نقط اساسية: اولا، لا يمكن للجيش الاسرائيلي ان يحتل المزيد من الاراضي، ثانيا: استخدام المؤسسات والجمعيات القروية، ثم السيطرة علي الحكام المحليين، وثالثا: الفصل بين السكان المحاليين، و استراتيجية لحماية دولة اسرائيل بين دوليات صغيرة وضعيفة.
مشاركة

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com