
تهامس في التمهيد للانفتاح ولو قليلاً على بشار الأسد
عمان – «القدس العربي» : قد تكون مجرد التفاتة وقد تكون أكثر.. رئيس مجلس النواب الأردني عاطف الطراونة يستأذن الأطر المرجعية في مشاركته شخصياً في مؤتمر برلماني إسلامي حاشد تنظمه الجمهورية الإيرانية مطلع العام الجديد. ويحصل الرجل على الضوء الأخضر لرئاسة الوفد مع ملحوظة تقول: إن المؤتمر سيعقد تحت عنوان القدس وهي الملحوظة الأكثر أهمية سياسياً.
سبق للطراونة أن انفرد كقناة وحيدة تتواصل مع طهران عبر مؤتمرين في الأقل حيث التقى في العاصمة الإيرانية بصفته الشعبية لا الرسمية الرئيس حسن روحاني وقيادات إيرانية وتبادل ونقل بعض الرسائل.
الدعوة كانت موجهة للمجلس الأردني، لكن خطرت في ذهن رئيسه المشاركة شخصيًا في ظرف حساس، وبعد تلك المواجهة التي شهدها الرجل نفسه في الرباط المغربية على هامش اجتماعات الاتحاد البرلماني العربي.
حصول رئيس السلطة التشريعية في الأردن على الإذن الذي يلزم للتوجه إلى طهران مجدداً تحت لافتة القدس لا يمكنه أن يكون رسالة عابرة في الخريطة السياسية اليوم.
بل ينطوي هذا الحضور على إشارة وإن كانت لاتزال خفيفة توحي بأن عمان تجس النبض الإيراني.. المستجد الأهم هنا أن ذلك يحصل في وقت أزمة لا يمكن إنكارها في العلاقات بين الأردن والسعودية، ومن دون أن يصدر أي موقف رسمي أردني خارج إطار الجملة النقدية المعتادة التي تنتقد التدخل الإيراني في شؤون البلدان العربية وهي نفسها الجملة التي يرددها وزير الخارجية أيمن الصفدي في أغلب المناسبات. قبل ذلك سمح رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي لوفد صناعي صغير بزيارة الجمهورية الإيرانية الإسلامية في خطوة قد تعبر عن أول تماس بيروقراطي تحت عنوان البحث في احتمالات الاستثمار.
وهذا يعني أن الأضواء صدرت أيضاً للتعامل مع الواقع الموضوعي الجديد ومن دون إغضاب المحور السعودي، وفقاً لنظرية المخضرم المحنك عبد الكريم الكباريتي الذي أصر مرات عدة على أن الأردن لا يستطيع تجاهل واقع الجغرافيا اليوم، حيث إيران هي الطرف المسيطر على حدود المملكة مع بلدين مجاورين. في الأثناء سمع بعض أركان البرلمان في لقاءات مغلقة مرجعية توجيهات مباشرة تفيد بأن «الأردن ينبغي أن يحافظ على علاقات الجوار ويتجنب توتيرها وتأزيمها».
لا أحد يعرف ما إذا كان هذا التوجيه المرجعي قد يشمل التواصل مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد، لأن الاتصال مع النظام العراقي متاح وفعال ولا يعاني من مشكلات، إلا فنّية، ولأن الجوار السعودي هادئ ومستقر والعلاقة معه استراتيجية وفقاً لمنطوق التصريحات والبيانات الرسمية كلها التي لا تقول الحقيقة والواقع هنا تحديداً.
ويبقى الجوار الملتهب أكثر من غيره هو الإسرائيلي حيث سيناريوهات عدائية من كل الأصناف وفقدان ممنهج للثقة والتواصل وحيث العنصر الجيوسياسي الضاغط على أعصاب الدولة الأردنية المشدودة.
الجميع يسألون الآن في الأردن عن إمكانية الحفاظ على بيئة تصالحية وتفاعلية مع الجوار، من دون التواصل مع النظام السوري، فالتحديات على الحدود ينبغي أن تكون مقلقة وفقًا لما قاله لـ»القدس العربي» ــ على هامش نقاش طال حصرياً ملف الجنوب السوري وشمالي الأردن ــ رئيس مجلس النواب الأسبق الخبير سعد هايل السرور، الذي يدعو بالمناسبة إلى مقاربة جديدة تكرس القناعة بأولوية الأمن الوطني، وتعيد انتاج بعض التكتيكات في التعاطي مع الجنوب السوري ومشكلاته وتحدياته.
وفي ظل إصرار الناطق الرسمي وزير الاتصال الدكتور محمد المومني على أن تركيا بلد مجاور ومهم وأساسي يمكن القول إن العلاقات مع الجوار التركي قد تكون في أفضل حالاتها مرحلياً.
يعني ذلك أن التوجيه المرجعي المتعلق بعدم استفزاز الجوار قد يبقي الانفتاح ولو قليلاً ومن دون انقلاب بطبيعة الحال على الثابت الرسمي العلني تُجاه الإيرانيين تحديدًا هي المهمة الجديدة للبوصلة الأردنية.
وحتى لا تتورط عمّان في تشابكات وتعقيدات يمكن ان تقرأ بصورة خطأ يتكفل رئيس مجلس النواب بصفته الشعبية بتبادل المجاملات والمصافحات مع الإيرانيين بصورة تمكنه من طرح ملحوظات وأسئلة وتلقي ونقل إجابات وتوضيحات.
طبعًا؛ لدى الطراونة حصريًا مصلحة مباشرة في ذلك، لأن التفاعل ولو تحت باب المجاملة السياسية مع طهران مساحة تبقيه في صدارة الدور، عبر التفرد بلعبة لا يوجد من يمارسها الآن وسط النخبة الحاكمة في عمان والرجل قد يفعل ذلك لأغراض وطنية بكل الأحوال.
عليه يمكن القول باختصار: إن دق الباب الإيراني بطرقة محسوبة غير ملزمة عبر ملف القدس تحديداً هو آخر مستجد في التعاطي الأردني مع الأزمة التي وجدت عمان نفسها وجهًا لوجه إزاءها بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير.
عبر حضور مؤتمر إسلامي عريض تحت عنوان حماية القدس تستطيع عمان إبلاغ جميع الأطراف بأن ملف القدس خط أحمر، فعلًا قد يدفعها للتحرك بأي اتجاهات بما فيها الإيرانية.
وهي جملة تكتيكية دبلوماسية قائدة متصدرة، أثبتها أيضاً الملك عبد الله الثاني عندما كرس الأيام الخمسة الأخيرة للتكثيف والتركيز على الجانب المسيحي في رعاية بلاده لمقدسات القدس.
هنا حصرياً يمكن رصد الحراك الملكي الأردني الناشط أيضاً سواء عبر اجتماعات مع قيادات مسيحية في مغطس السيد المسيح او عبر زيارة الفاتيكان ولقاء الرئيس الفرنسي حيث أن الأردن يقول ضمنياً هنا إن القدس تعني المسيحيين أيضاً وليس المسلمين فقط. وإن المظلة الهاشمية الأردنية تتحدث عن كنائس القدس بالدرجة نفسها التي تتحدث فيها عن المسجد الأقصى، وهو خطاب ذكي وعميق لأسباب عدة أهمها بلا منازع أن الأطراف الأخرى التي تزاحم وتناور وتحاول منافسة الأردن في رعاية القدس لا تملك الأهلية المناسبة للتحدث عن المسيحيين كما تفعل القيادة الأردنية ومنذ سنوات طوال. المستجد الأردني في السياق واضح.. طرق الباب الإيراني والاقتحام على أساس حماية المقدسات المسيحية لا الإسلامية فقط في القدس.



