الرئيسيةزواياثقافة وادبموديانو في "دورا بروديه".. التخمين في رحلة بحث عن تاريخ ضائع!

موديانو في “دورا بروديه”.. التخمين في رحلة بحث عن تاريخ ضائع!

كتبت بديعة زيدان:”قبل ثماني سنوات، عثرت في إحدى الصحف المسائية القديمة (باريس سوار)، التي تحمل تاريخ 31 ديسمبر 1941، وفي صفحتها الثالثة، أسفل عمود “من الأمس إلى اليوم”، على الإعلان التالي: “باريس، نبحث عن شابة اسمها دورا بروديه، خمس عشرة سنة، طولها 55ر1م، وجه بيضاوي، عينان عسليّتان، معطف رياضي رمادي، بلوفر بنفسجي، تنورة وقبعة كحليّتان، حذاء رياضي بني. أرسل المعلومات إلى السيد والسيدة بروديه. 41 جادة أو أورنانو”.

هكذا بدأ الروائي الفرنسي باتريك موديانو، صاحب “نوبل” للآداب في العام 2014، روايته “دورا بروديه”، وصدرت بالعربية في العام 2018، عن دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات بمدينة الجيزة المصرية، بترجمة نفذتها د. ناهد عبد الحميد، في حين كان النص الأصلي صدر بالفرنسية في العام 1997.

وتعتبر روايته “دورا بروديه”، حسب العديد من النقاد، أشهر روايات موديانو، الحائزة على العديد من الجوائز الأدبية العالمية المرموقة، ما قبل “نوبل” وما بعدها، وهي تسلط الضوء عبر شخصية “دورا” والشخصيات المحيطة بها، على معاناة اليهود في أوروبا، خلال وما قبل الحرب العالمية الثانية، وخاصة الفرنسيين منهم على وجه الخصوص، وذلك بعد احتلال النازي لبلادهم.

كانت “دورا”، وقبل الإعلان الذي نشره والداها، اختفت من مدرستها الداخلية الكاثوليكية، في ذروة أعمال انتقامية ألمانية، وكان ذلك في يوم شديد البرودة.

يلاحق موديانو هذا الإعلان، في سرد روائي، بحثاً عن “دورا” التي لم يجد اسمها إلا في سجل رسمي واحد ضمن قائمة اليهود المُرحّلين من باريس إلى “أوشفيتز” في أيلول من العام 1942، ليضاف هذا السجل إلى الإعلان في الجريدة المسائية.

“كنتُ أحدث نفسي بأنها قد تحثني على توضيح أو تخمين أمر ما، أو مكان مرّت به، أو أحد تفاصيل حياتها. كنتُ أجهل كل ما يتعلق بوالديها وظروف هروبها.. المعلومة الوحيدة التي عرفتها عنها كان اسمها، دورا بروديه، دون تاريخ ومكان الميلاد، المذكور أعلى اسم أبيها أرنست بروديه في قائمة فيينا رقم 21.5.99، الخاصة بالمسافرين غير حاملي الجنسية، ضمن القافلة المتجهة إلى (أوشفيتز) في 18 سبتمبر 1942”.

وعبر رحلة البحث هذه، نرى موديانو يتحدث عن المعاناة الإنسانية للفتاة “دورا”، وللكثير من المفقود، وأصحاب القصص المفقودة أيضاً، فيلاحق عبر إعلان عثر عليه أو تعثر فيه جزءاً من تاريخ ضائع لمن عانوا من الإرهاب النازي، عبر رحلة سردية صيغت بتشويق عالٍ على مدار سنوات عشر.

ويتلخص تصوّر موديانو بين واقع ومتخيّل يجمعهما التخمين في بضع كلمات، كما في الاقتباس التالي حول والدي دورا، “توقف المترو في محطة ناسيون. فوّت البعض محطة لاباستيل، حيث كان من المفترض صعودها إلى المترو المتجه إلى بورت دوريه. عند مغادرتهما المحطة، انتهى بهما المطاف في ساحة كبيرة من الجليد (…) تمر الزلاجات في الشوارع الضيقة لتوصيل الأشخاص إلى ساحة سوليت.. تقع تلك الشوارع بجوار شارع بيكبوس وداخلية قلب مريم المقدس، التي اضطرت دورا إلى الهروب منها ذات مساء من شهر ديسمبر، ربما تحت الأمطار التي تهطل على باريس.. تلك هي اللحظة في الكتاب التي اقتربت فيها لا شعورياً من زمان ومكان دورا”.

وخلال رحلته هذه، يفرد موديانو مساحة أساسيّة لاستعادة مشاهد وأصوات الفرنسيّين عامة، والباريسيّين خاصة، كما أصوات المدينة التي كانت تنتحب، وكادت تلفظ أنفاسها الأخيرة، مع فظائع النازي، وتحت وطأة احتلاله.

وكان الألمان قد فرضوا حظر التجول على الدائرة الثامنة عشرة، وحاصروا سكانها، منذ مطلع ديسمبر 1941، وأغلقت محطات المترو، “ومن بينها محطة سيمبلون حيث يقطن أرنست وسيسيل بروديه، وانفجرت قنبلة بالقرب من الفندق الذي يقيمان به”.. “(…) وبينما كانت دورا تختبئ خلف جدار المبنيين 60 و62، كان والداها محبوسين في غرفة الفندق.. لم تحصل دورا على رقم ملف، لأن والدها لم يسجلها كيهودية في أكتوبر 1940”.

ومنذ البداية اقتحم موديانو الرواية، وفي النصف الثاني منها نراه يُوغل نفسه فيها بشكل أكبر، فيربط بين هروبه يوم 18 يناير 1960 “بامتداد طريق عنابر مطار فيلاكوبلاي”، وما بين هروب الفتاة اليهودية، بل إنه يتحدث عن والده الذي كان معتقلاً في ذات الفترة التي اعتقلت فيها “دورا”، وانفصال والديه، وتأثره الكبير بذلك، خاصة أن الأب امتنع عن الصرف على أسرته، أي موديانو ووالدته.

وفي إطار جهود موديانو لاستخراج قبر “دورا” من الماضي، نراه يطارد الكثير من الأشباح، في التباس الواقع بالمُفترض والمجهول وحتى التخمين فيما يتعلق بقصّة “دورا”، فخرج بما يشبه الخليط لمواد إبداعية وأخرى تاريخية، فهو كما قال ذات حوار بالإنكليزية: مثل العديد من الكتاب قبلي، أؤمن بالمصادفة، وأحياناً، في هبّة الروائي للاستبصار.. إنها تأتي ببساطة مع المهنة: القفزات الخيالية التي يتطلبها ذلك، والحاجة إلى تثبيت عقلك على نقاط التفاصيل حد الهوس.. في الواقع، وحتى لا يفقد الكاتب الخيط ويستسلم للكسل الطبيعي، لابد من كل هذا التوتر، وكل هذا التمرين الدماغي على المدى الطويل، والذي قد يؤدي إلى “ومضات من الحدس فيما يتعلق بأحداث الماضي والمستقبل”.

ويبقى التخمين الذي يسميه موديانو حدساً سيّد الموقف حتى الصفحات الأخيرة.. “لا زلت أجهل كيف كانت تقضي أيّامها، وأماكن اختبائها، ومن كان في صحبتها أثناء هروبها الأول في فصل الشتاء وبعض أسابيع من فصل الربيع.. لقد كان كلّ ذلك سرّها. السرّ البسيط والدفين الذي لم يتمكن كائناً من كان أن يسلبه منها، الجلّادون والأوامر وسلطات الاحتلال والسجن والثكنات والمعتقلات والتاريخ والزمن، أي كلّ الأمور الكفيلة بتدنيس الشخص وتدميره”.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب