الايام – بديعة زيدان:تسلط رواية “ناغوغي الصغير” للروائي الفلسطيني حسن حميد، الفائزة مؤخراً بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية، الضوء على العنصرية التي يعيشها اليهودي ذو البشرة السوداء، وتحديداً يهود أثيوبيا (الفلاشا) في المجتمع الإسرائيلي، ما يعكس عنصرية هذا المجتمع، وسرابيّة الحلم بـ”العودة إلى أرض اللبن والعسل” أو إلى “الجنة”، عبر سيرة مُفترضة أو مدونة لـ”ناغوغي الصغير” والتي أشار الروائي إلى أن “نورا” التي لا تزال ثابتة على أنقاض قرية “سمخ” المُهجّرة قرب طبريا هي ووالدتها “شهلا”، قامت بترجمتها من العبرية إلى العربية، رغم ما يشكله ذلك من خطر عليها.. وكان هذا، برأيي، معبرٌ تقني لابد منه للسير نحو الرواية التي باتت على لسان من تحمل اسمه.
“جئت إلى هنا! إلى إسرائيل.. إلى المكان الذي وصفه معلّمنا بالجنّة.. جئت كي أتعلم قصص الدين، واللغة العبرية، وكراهية الفلسطينيّين، وهذا ما عرفته فيما بعد حين كرّت السنوات، لقد أرادوا لنا أن نتعلم ونتعلم من دون أن نسأل، أن نحب ونحب من دون أن نسأل، وأن نكره ونكره من دون أن نسأل، وقد عرفت وعرف الأولاد معي، أننا وبسبب ديانتنا اليهودية، كانت تأتينا بعض المساعدات كالألبسة والأحذية، وبعض المال، وبعض المواد الغذائية شهرياً أو كلّ شهرين مرّة.. وقد قالت لي أمي إن الأموال تدفقت، والأعطيات تكاثرت حين قامت دولة إسرائيل”.
وتحمل المذكرات التي هي متن الرواية، حكايات تكشف عن هذا الوهم منذ لحظة وصول “ناغوغي” ورفاقه من “الفلاشا”، حيث أخذوهم إلى ساحة عامّة، وطلبوا منهم خلع ثيابهم والوقوف عراة، ليقوموا برشّهم بالمواد الكيماوية “تماماً كما تُرشّ الأغنام والجواميس الجربانة”، ثم حلقوا شعورهم بالأمواس الحادّة، قبل أن يأخذوهم إلى أحد المشافي حيث أخضعوهم لفحوصات كثيرة على مدار ثلاثة أيام، نقلوا بعدها إلى مزرعة منفردة، أو “كيبوتس” عرف باسم “منيتشان” في الناصرة، وهو المكان الذي عاشوا فيه أطفالاً لاثنتي عشرة سنة، بحيث كانوا يتعلمون اللغة العبرية وتعاليم الصهيونية، وبعدها أعادوهم إلى أثيوبيا للتبشير بما تعلموه، ودعوة السكان في جغرافيتهم الأم إلى حبّ إسرائيل وكراهية الفلسطينيين والعرب، وبقي هكذا لا يفكر بالعودة إلى إسرائيل التي لم يجدها جنّة، لكونه عاش، كما وصف، داخل “سجن حقيقي كريه، فقد كان الكيبوتس هو القرية والمدينة والكتاب والغاية والدين”.
إلا أن وفاة والدته وعدم زواجه وفقدانه الأمل بعودة “ناغوغي الكبير” والده الذي انخرط في حروب أثيوبيا مع الدول الأفريقية المجاورة، دفعه للتوجه نحو إسرائيل مرّة أخرى، ليعمل في تنظيف القاذورات.
وفي مدوّنة “ناغوغي الصغير” حكايات لمن التقاهم أو التقاهن، ومن بينهم اليهودية البولونية “ريفا”، وعمل والدها مشرفاً على صيانة الطائرات في القواعد الجوية العسكرية الإسرائيلية، فيما كان جمالها الأخّاذ سبباً في عملها مع أجهزة الأمن الإسرائيلية، لدرجة أنها تسببت في مقتل كثيرين بما كانت تسرّبه من معلومات، إلى أن كرهت نفسها والمهمات التي يُنتهك فيها جسدها مراراً، فتقرر العودة إلى بلادها، خاصة بعد وفاة والدتها التي لطالما كانت ترفض عملها الموحل هذا، هي التي انتشلته “ناغوغي” من بين القاذورات ليعمل بوساطتها في الجيش.
في الجيش، ولكونه كان “متمرداً”، عوقب بالسجن وتعرض للتعذيب، وحين اعتدى بالضرب على أحد السجّانين قطعوا له إصبعاً، وحين كرر فعلته قطعوا إصبعاً آخر، وكل ذلك لترويضه، هو الذي صار فيما بعد سجّاناً يُمارس التعذيب على الأسرى من الفلسطينيين، وكأنه ينتقم بذلك ممّا فعلته به إسرائيل منذ كان طفلاً إلى أن بات سجّاناً في جيش يُهان ويُهين فيه، فهذا الذي كان يُنعت في سجن الجيش الذي كان من بين أفراده بـ”الزنجي، والوحش، ووحيد القرن، والتمساح”، بات “قاتلاً، وسفاحاً، ومجرماً”، هو الذي تعلّم أن “الفلسطينيين والعرب هم العدو”، فبات يمارس سطوته عليهم حد القتل.
وبعد أن يتعرف إلى نادل في مقهى بالقدس، وهو يهودي سوري من حارة الشاغور في دمشق، حيث كان جاراً للكثير من الفلسطينيين اللاجئين إلى سورية، و”جاء مُكرهاً إلى إسرائيل، لأن سكّان الحارة باعوا كل شيء تلبية لدعوات الهجرة”، ويتجول معه في القدس، قبل أن يختفي السوري بعدها من السرد، ليحل عوضاً عنه نادل فلسطيني يلتقيه “ناغوغي” الجندي في جيش الاحتلال في مقهى آخر بالقدس ليتجول برفقته وفي المناطق المجاورة، فيدرك في نهاية المطاف أن الفلسطينيين ليسوا أعداءه كما توهّم.
يفر من الناصرة هرباً من الراقصة “دونا” التي تقتل كل من تختاره من الرجال، بعد أن يقع اختيارها عليه، ويبقى هارباً حتى يصل إلى “سمخ” قرب “بحيرة طبريا”، حيث يستأجر غرفة في بيت “شهلا” الفلسطينية وابنتها “نورا” التي علمته العبرية بشكل سليم كما العربية، ووقعت في غرامه، وبادلها الشعور ذاته، لكنه يغادر مرّة أخرى وأخيرة إلى بلده تاركاً لها هذه المذكرات، دون أن يتوغل في هذه العلاقة إكراماً لوالدتها.
“فررتُ من القرية لأنني فقدت العجوز (شهلا)، ولأنني ملأت جيوبي بالمال، ولأن نورا شبّت وصارت جميلة جميلات القرية، وخفت من إغوائها بعدما فاتحتني بحبّها لي.. حاولتُ إبعادها بالرجاء والحوار، قلت لها: أنت فلقة رمّان من رمّان (سمخ) وأنا رغيف كوته النيران بسوادها”.
ورغم ما يمكن تبريره من أحداث تحت باب “مخيلة الكاتب”، مع الجدل المتواصل حول حدود هذه المخيّلة في التعاطي مع وقائع ما، إلا أن بعض التساؤلات قد ترد إلى ذهن القارئ، وخاصة الفلسطيني، مع توالي السرد، وأبرزها: هل يمكن لفلسطيني مُهجّر من حارة “الشرف” بالقدس يقطن مخيم شعفاط، ويعمل في مقهى بالمدينة المقدسية أن ينظم جولة لجندي في جيش الاحتلال داخل حارات وأزقة القدس بما فيها منزل عائلته الذي بات مسكناً لأسرة روسية، قبل أن “يتأبط” الجندي الاحتلالي ذراع “أبو سمرة” إلى حيث منزل الأخير في المخيم، حيث ترحاب العائلة فيه، مع إدراك الأم بل وتصريحها بأنه “أول فلاشون يدخل” بيتهم.. بل ويشاركهم الرقص على طريقته الأفريقية في طقس لاستجلاب المطر، وينال إعجاب الفلسطيني، فيما تتحلق حوله صبايا المخيم بسبب رقصته هذه؟، في حين يمنحه شاب آخر من المخيم المُقاوِم ديوان شعر لحنّا أبو حنّا بدعوة أنه مليء بقصائد الحب وفيه “حكي كثير عن الفلسطينية”؟!
ويبقى أن أهمية “ناغوغي الصغير”، الصادرة عن وزارة الثقافة الفلسطينية قبل عامين، والفائزة بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية، تكمن في نجاحها بالكشف عن عنصرية الاحتلال الإسرائيلي حتى تجاه بعض مكوّنات مجتمعه الفسيفسائية، وإن وقعت في شيء من التكرار.





