الرئيسيةزواياثقافة وادب"مَنّا".. الطريق إلى دولة الأزواد تمّر عبر فلسطين!

“مَنّا”.. الطريق إلى دولة الأزواد تمّر عبر فلسطين!

الايام – بديعة زيدان:”إنّ هذه الإبل لم تكن تحمل متاعنا في هجرة الشتات فحسب، إنّما وطننا المتأرجح على سنامها”.
يتتبّع الروائي الجزائري الصدّيق حاج أحمد، في روايته “مَنّا: قيامة شتات الصحراء”، ما قبل وما بعد رحلة الطوارق (التوارق) والأزواد إثر موجة الجفاف والقحط التي ضربت شمال مالي العام 1973، وكيف تحوّل بهم الحال من أسياد للصحراء إلى مضطهدين ومشتتين في بلادهم وخارجها بمساعدة الفرنسيّين وغيرهم، ما بين أكثر من استعمار، وحروب تتواصل منذ العام 1893.
ينتقل بنا الروائي فجأة، للحديث عن اعتقال قوّات جيش الاحتلال الإسرائيلي لـ”بادي” الطارقي الأزوادي، ابن “عثمان” الذي تدور حوله وعائلته أحداث السردية الصحراوية هذه، الصادرة عن دار “الداوية”، والمرشحة للمنافسة على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) بوصولها إلى القائمة القصيرة.
“في الطريق إلى المعتقل الإسرائيلي (أنصار) جنوب لبنان، لم يبقَ مع بادي التارقي الإدناني الأسير، من رائحة صحراء تيلمسي، عَظُم شأنها عنده، مذ طاله طوق الأغلال، وقُرعت إليه طبول الأسلاك الشائكة”.
وما بعد الاعتقال يتواصل السرد على لسان “بادي” مستعيداً رحلة الوصول إلى “أنصار”، بدءاً ممّا بعد الخروج من صالة المطار باتجاه الباب الخلفي، حيث كانت تنتظرهم ناقلات الجيش السوري.
“علمنا في ما بعد، أن المكان الذي نُقلنا إليه هو معسكر عين الصاحب، نواحي ريف دمشق، حيث القيادة العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، برئاسة رجل سياسي عسكري يقال له أحمد جبريل، درينا بمعتقل أنصار، أن جبريل هذا، فلسطيني الأصل، ضابط في الجيش السوري، انشق عن التنظيم الفلسطيني المعروف، وكوّن فصيلاً مستقلاً”.
وما قبل مرحلة “سبي أنصار” كما أسماها “بادي” ورفاقه في المعتقل الإسرائيلي، كانت عُقدت صفقة بين جبريل والقذافي، تقتضي بإرسال مجموعات للتدريب في ريف دمشق، وكانوا أربعة: “بادي” وثلاثة آخرين من صحراء الملثمين، إضافة إلى لبنانيّين وسوريّين وعراقيّين ويمنيّين وليبيّين، انتقلوا بعدها إلى جنوب لبنان، في محيط مدينة صيدا، حيث خطوط التماس مع إسرائيل.
وهؤلاء المقاتلون الصحراويّون هم من “الأزواد” الذين كان القذافي قد وعدهم بدولة مستقلة، بعد “الاضطهاد الذي تعرضوا له في مالي”، ولعل هذا كان مردّ ما جاء على لسان “بادي” في السرد.. “خاض أخمادو أصبعه في لبن معسكر بني وليد الراكد، وقال ضاحكاً: لا ندري نحن هنا من أجل الأزواد أو فلسطين؟ في حقيقة الأمر، لم يكن الشمنماسي مطمئناً إلى تلك الوعود القذافية البرّاقة”.
“تحوّلوا بعدها إلى جنوب لبنان، عن طريق حافلات أحمد جبريل، نحو مكان شبه جبلي.. قطنوا هناك حوالي خمسة أشهر، أو يزيد عنها قليلاً، لا أحد منهم أو من الليبيّين معهم أو بقيّة العرب يعرف مصيره المجهول! لربّما إيمانهم بقوميّة فلسطين وإسلامها يؤنسهم ويعبث بعواطفهم، وقد يضيف الأزواديّون في رؤوسهم، زمّارة وطن الأزواد وصداعه المزمن.. كل شي بدا غير عادي غداة 6 جوان 1982، حيث احتلت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان، وهندستها لفتح معتقل أنصار بعد شهر تقريباً، كان ذلك تحديداً في الـ14 من شهر جويلية الموالي.. يقع هذا المعتقل غرب مدينة النبطية، وإلى الشرق من مدينة أبو الأسود، في المنطقة الوسطية بين ثالوث النبطيّة وصور وصيدا”.
وكانت القوات الإسرائيلية نفّذت إنزالاً جوّياً لقوّاتها على المنطقة التي يقاتل بها الرباعي الصحراوي ورفاقهم من العرب، واعتقلتهم.
هناك دخل “بادي” ورفاقه الثلاثة مع بقيّة العرب “عالمهم الجديد”، لكل واحد منهم قصة اعتقال وحكاية حياة، “جمعتهم الأيام في هذه القضية الشرق أوسطية الشائكة، تجد فيهم إلى جانب الشباب، النساء والأطفال والمسنّين، وإن كانوا قلّة ومعزولين عن السواد الأعظم من الرجال (…) لا يتصوّر الرباعي الصحراوي كيف ساقته الأقدار المخيّمة من الشرق الأوسط، تبدو هبة سماوية في وقت غير لائق، كما علّق أخمادو لرفاقه بعد ساعتين من دخولهم معتقل أنصار”.
قام “بادي” ورفاقه من “الأزواد” بكل هذا جرياً خلف الوطن الموعود، وطن “أزوادي” يجمع شملهم، هم الذين انفصلوا عن حكومة مالي مطلع ستينيّات القرن الماضي، بوعد من القائد الليبي، فقد كان على “بادي” وأهل صحرائه “ركوب موجة ليبيا الجديدة، رغبة تحقيق أحلامهم المؤجلة، بعد أن أصيبت في بعض مَقاتلها”.
كان الرباعي الصحراوي أو التيلمساوي يعتقد، وبعد 64 أسبوعاً من المعاناة اليومية، أن نهايتهم ومن معهم من طوائف العرب ستكون في معتقل “أنصار”، لولا وقوع “بعض أفراد القوات الإسرائيلية في قبضة كمائن المنظمات الفلسطينية، بمن فيها منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، والمنظمة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة) بقيادة أحمد جبريل”، ومن ثم “الاتفاق بين المنظمات الفلسطينية ودولة يهود بوساطة نمساوية وفرنسية، بإطلاق جميع المعتقلين العرب وعددهم 4700 معتقل مقابل 7 جنود إسرائيليين، أي نعم سبعة جنود لا أكثر، أعدت كتابتها بالحروف قطعاً للتوهم من أن يكون قد سقط من رقم الـ7، شيء من الآحاد أو المئات، نظراً لشحه في مقابلة هذا العدد المهول من العرب”.
وما قبل “أنصار”، كان الهاربون من محنة “مَنّا” (الجفاف والقحط بلغة الطوارق أو التوارق)، عليهم التوجه إلى معسكرات للتدريب في ليبيا، والتي وصلوها بعد رحلة شاقة للغاية، وهناك كان عليهم الاختيار ما بين الرجوع للأزواد أو الجزائر، أو البقاء في ليبيا بحريّة، أو الذهاب إلى جنوب لبنان، ونصرة فلسطين، و”قد أكد قائد ثورة الفاتح أنه من انخرط في هذا المسعى الأخير، فسيجزيه الجزاء الأوفى، وذلك بضخّ الدعم السياسي والمادي واللوجستي لقيام دولة الأزواد، فور الرجوع من جنوب لبنان”.
مع مطلع شتاء 1983، عاد “الرباعي” من مهمتهم الشرق أوسطية إلى ليبيا، ثم “طاروا” إلى مركز القوات الليبية في تشاد، حيث الحرب الجديدة، وما لبثت المجموعة التي انضم إليها “بادي” أن وقعت في أسر القوات التشادية فنقلوا إلى سجن في العاصمة “أنجاميا”، ومنه إلى سجون أخرى، مات بعضهم فيها بالملاريا، إلى أن أطلق سراح سبعة وأربعين أسيراً بعد عدّة أشهر من بينهم الأزواديون وموريتانيون وليبيون يافعون أخذوا عنوة للحرب.
وبعد أن تسلل اليأس إلى دواخل الأزواديين من وعودات القذافي، قرروا التحضير لغزوة “نهاية شهر جوان” من العام 1990، وبدأت التحضيرات السريّة للعملية (الثورة)، ولكن منذ ذلك العام، دخل “الأزواد” في دوامة حروب تخللتها هدنات واتفاقيّات سلام، فيما لا تزال منطقتهم ساخنة، و”الوطن الأزوادي يتأرجح على سنام إبله”.
وتأتي هذه الرواية في إطار مشروع الصدّيق حاج أحمد لتعميم الأدب الصحراوي، وتحديداً في مجال السرد، وهو ما يتبدّى جليّاً عبر أسماء الشخصيات التي تختلف ما بين اللغات الصحراوية عنها في العربية، بل ومسميّات الجغرافيّات، لدرجة تغلغل مصطلحات الصحراويين في متن السرد بعجينة من نوع فريد، تتطلب من قارئها التوقف والبحث، للتعرف أكثر على ما يمكن وصفه بثقافة اللغة أو عاداتها، علاوة على سعيه إلى الوقوف على طقوس “التوارق” كما أسماهم، وكذلك “الأزواد”، وعاداتهم، وممارستهم المجتمعية، وغير ذلك، فـ”مَنّا” رواية تأتي في إطار منطقة سردية مُستحدثة في الرواية العربية.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب