رام الله- خـاص بـ”القدس” و”القدس” دوت كوم
اللواء واصف عريقات: الفلسطينيون يتطلعون إلى ما هو أبعد من المساعدات الإنسانية وهو الاعتراف بحقوقهم السياسية
د. عبد المجيد سويلم: التحدي الأكبر يتمثل في استغلال هذا التحول لدفع عجلة العدالة الدولية وفرض ضغوط حقيقية على إسرائيل لوقف إبادتها
محمد هواش: التحول في الموقف الأمريكي شجّع الدول الأوروبية على تبني مواقف أكثر حزماً تجاه إسرائيل
عصام أبو بكر: الدعوات الأوروبية قد تكون مجرد “مكايدة سياسية” للرد على الدور الأمريكي المتزايد في الوساطة بين روسيا وأوكرانيا
د. محمد الطماوي: مجرد مكاسرة سياسية إذ لم تترافق بخطوات عملية مثل تعليق التعاون العسكري أو دعم الإجراءات القضائية الدولية ضد إسرائيل
تشهد المواقف الأوروبية تجاه السياسات الإسرائيلية تحولاً لافتاً يعكس تبدلاً في المزاج السياسي والشعبي داخل القارة، مدفوعاً باستياء متزايد من الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة.
وتظهر تصريحات رسمية حديثة من دول: المملكة المتحدة وفرنسا وكندا، التي هددت باتخاذ “إجراءات ملموسة”، بما في ذلك عقوبات، ضد إسرائيل إذا استمرت في هجومها العسكري ومنع المساعدات الإنسانية خلال حربها على قطاع غزة، تغيراً في اللهجة يُوصف بأنه “مختلف”.
ويؤكد كتاب ومحللون وخبراء في أحاديث منفصلة مع “القدس”، أن هذا التحول، الذي يعكس ضغط الشعوب على حكوماتها، يفتح المجال أمام إمكانية ترجمة هذه التصريحات إلى خطوات عملية، مثل تعليق الشراكات التجارية أو فرض مقاطعات اقتصادية وثقافية، في ظل تصاعد الإدانات لـ”الإبادة الجماعية” التي تمارسها إسرائيل في قطاع غزة.
ويرون أن هذا التغيير يعود إلى عوامل متعددة، أبرزها الحراك الشعبي المتزايد في أوروبا، حيث تُظهر استطلاعات الرأي ومواقف النخب الفكرية والبرلمانات رفضاً متصاعداً للسياسات الإسرائيلية “الصادمة” و”المستهترة” التي تنتهك القوانين الدولية والإنسانية.
ومع ذلك، يشير البعض إلى وجود تحفظات حول مدى فعالية هذه المواقف، حيث يُنظر إلى بعض التصريحات على أنها قد تكون “مكايدة سياسية” تهدف إلى مواجهة النفوذ الأمريكي المتزايد في قضايا دولية مثل الحرب في أوكرانيا، بدلاً من أن تكون تعبيراً عن التزام حقيقي بوقف الحرب في غزة.
اللهجة الأوروبية الجديدة تبدو “صادقة ومختلفة”
يقول الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض إن اللهجة الأوروبية الرسمية الجديدة تجاه إسرائيل تعكس تحولاً ملحوظاً في المزاج السياسي والشعبي داخل القارة الأوروبية، مشيراً إلى أن هذه اللهجة تبدو “صادقة ومختلفة” وقد تترجم إلى خطط أو إجراءات ملموسة ضد إسرائيل.
ويؤكد عوض أن هذا التغيير يعبر عن تبدل حقيقي في الشارع الأوروبي، مدعوماً باستطلاعات الرأي ومواقف النخب الفكرية، والفنية، والصحفية، والبرلمانات، إضافة إلى تصريحات رؤساء الحكومات والاتحاد الأوروبي نفسه، ودول مثل إيرلندا وإسبانيا التي تظهر مواقف أكثر تقدماً تجاه القضية الفلسطينية.
ويوضح عوض أن هذا التغيير، سواء كان سريعاً أم بطيئاً، يعكس استياءً متزايداً من السياسات الإسرائيلية “الصادمة” و”المستهترة”، معتبراً أنها تنتهك القانون الدولي والإنساني، وتتعارض حتى مع المصالح التي تريدها أوروبا لإسرائيل.
ويشير عوض إلى أن إسرائيل باتت دولة “منعزلة” تمارس “إبادة جماعية”، مما يدفع أوروبا إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً يعكس هذه التغيرات ويدين الممارسات الإسرائيلية.
الموقف الأوروبي يتقدم على الموقف الأمريكي
ويعتبر عوض أن هذا الموقف الأوروبي يتقدم بشكل واضح على الموقف الأمريكي الداعم تقليدياً لإسرائيل، لا سيما في ظل الخلافات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول قضايا مثل الضرائب والحرب في أوكرانيا.
ويؤكد عوض أن أوروبا تسعى لحماية مصالحها مع العالم العربي، مدركة أن أي اضطرابات في المنطقة العربية تنعكس سلباً على أمنها واستقرارها.
ويستشهد عوض بتجربة الربيع العربي منذ عام 2011، التي أدت إلى موجات هجرة وأعمال إرهاب وعنف في أوروبا، مشيراً إلى أن استقرار المنطقة العربية يمثل بالنسبة لها ضمانة لاستقرار القارة الأوروبية.
ويرى عوض أن الموقف الأوروبي الجديد يعبر عن مزاج الشارع الأوروبي، ويدين السياسات الإسرائيلية، مع السعي للحفاظ على المصالح الأوروبية من خلال دعم استقرار المنطقة وإقامة دولة فلسطينية كعامل أساسي لتحقيق ذلك.
وفيما يتعلق بمدى قدرة أوروبا على محاصرة إسرائيل أو معاقبتها، يشير عوض إلى أن إسرائيل ترى نفسها جزءاً من الفضاء الثقافي والسياسي الأوروبي، باعتبارها “صناعة أوروبية”، مما يمنح أوروبا أدوات ضغط متعددة.
قرار الاتحاد الأوروبي مقاطعة منتجات المستوطنات
ويوضح عوض أن الاتحاد الأوروبي يعامل إسرائيل كشريك مفضل في التجارة والأسلحة، ويمتلك علاقات ثقافية وأمنية وسياسية وثيقة معها.
ويستذكر عوض قرار الاتحاد الأوروبي الرمزي بوضع علامات على منتجات المستوطنات لمنع بيعها في الأسواق الأوروبية، معتبراً أن هذه الخطوة، رغم رمزيتها، تظهر قدرة أوروبا على اتخاذ إجراءات أكثر شمولاً، مثل المقاطعة التجارية والأمنية والثقافية.
ويعتقد عوض أن السياسات الإسرائيلية الحالية، بقيادة حكومتها المتشددة، تضعها في صدام مع العالم بأسره، بما في ذلك أوروبا وأمريكا والهيئات الدولية والمنطقة العربية.
ويرى عوض أن هذه السياسات تدفع العالم إلى فرض عقوبات على إسرائيل لإعادتها إلى “رشدها”.
ورغم أنه لا يتوقع أن تكون هذه الإجراءات سريعة، إلا أن عوض يؤكد أن الموقف الأوروبي يتجه نحو نزع الشرعية عن الاحتلال الإسرائيلي، سعياً لتحقيق استقرار المنطقة وحماية المصالح الأوروبية.
دلالات ومؤشرات هامة لموقف بريطانيا وفرنسا وكندا
من جانبه، يقول يؤكد الخبير العسكري والأمني الاستراتيجي اللواء الركن المتقاعد واصف عريقات إن تهديد قادة المملكة المتحدة وفرنسا وكندا باتخاذ “إجراءات ملموسة”، بما في ذلك فرض عقوبات محددة على إسرائيل، إذا لم توقف حربها العسكرية المتجددة على قطاع غزة واستمرت في منع دخول المساعدات الإنسانية، يحمل دلالات ومؤشرات هامة.
ويشير عريقات إلى أن هذا الموقف، رغم طابعه الإنساني في المقام الأول، يفتح المجال أمام الفلسطينيين والعرب والمناصرين للعدالة الدولية وحقوق الإنسان للاستفادة منه وتطويره في سياق مواجهة الحرب الشاملة التي تشنها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.
ويوضح عريقات أن هذه التصريحات تمثل تأكيداً على جرائم إسرائيل، وتساهم في فضح الادعاءات التي تسوقها لتبرير “حرب الإبادة الجماعية والتدمير الممنهج” في فلسطين عموماً وقطاع غزة خصوصاً.
ويعتبر عريقات أن هذا الموقف من بعض الدول الأوروبية يدعم المطالب بمحاكمة قادة إسرائيل كمجرمي حرب، ويعزز موقف محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
مظاهرة “اللون الأحمر” في لاهاي
ويشير عريقات إلى أن هذه التصريحات تأتي كرد غير مباشر على تصريحات عضو الكنيست الإسرائيلي المتطرف تسيفي سكوت، الذي قال: “إن العالم اعتاد على قتل إسرائيل لمئة غزاوي يومياً دون اكتراث”، مما يكشف عن الاستهتار الإسرائيلي بالقوانين الدولية.
ويؤكد عريقات أن هذه التصريحات من قبل تلك الدول جاءت استجابة لضغط الشعوب على حكوماتها، مستشهداً بمظاهرة “اللون الأحمر” التي شهدتها لاهاي في هولندا، وهي الأكبر من نوعها منذ عقدين، حيث طالب المتظاهرون بوقف الإبادة الجماعية وجرائم الاحتلال، ودعوا إلى قطع الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل.
ويشير عريقات إلى أن بعض الصحف وصفت هذه المظاهرة بـ”الانتفاضة ضد إسرائيل”، مما يعكس تصاعد الوعي الدولي الذي تخشاه إسرائيل، خاصة في معركة “الإبادة الجماعية مقابل اللاسامية”، التي تهدف إلى تشويه الحقائق.
ويشير عريقات إلى أن هذه التصريحات تعزز الرأي العام الدولي المؤثر، الذي لا يمكن لإسرائيل تجاهله، وقد يؤثر سلباً على علاقاتها مع حلفائها، خاصة الولايات المتحدة.
ويوضح عريقات أن قادة أوروبا أعلنوا أنهم سيعيدون النظر في شراكتهم مع إسرائيل بناءً على التزامها بالقانون الدولي.
المحتلون يمارسون “قتل الأطفال كهواية”
ويلفت عريقات إلى تصاعد الأصوات داخل إسرائيل نفسها، حيث اتهم رئيس الحزب الديمقراطي يائير غولان بلاده بـ”قتل الأطفال كهواية”، واصفاً الحرب في غزة بأنها تستهدف المدنيين بهدف تهجيرهم، ومؤكداً أن إسرائيل تتجه نحو النازية، مما يزيد من عزلتها الدولية.
ويرى عريقات أن هذا الموقف الدولي الجديد يمنح الجاليات الفلسطينية والعربية ومؤسسات الأمم المتحدة هامشاً أوسع للتحرك والتحشيد لفضح جرائم الاحتلال.
ويشير عريقات إلى أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يناقشون إمكانية تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، وهو قرار قد يؤثر على العلاقات الشاملة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، ويشجع دولاً أخرى على اتخاذ مواقف أكثر صرامة.
وفي تعليقه على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي اعتبر هذه التصريحات “جائزة كبرى لحماس”، يتساءل عريقات عما إذا كانت هذه التصريحات ستشكل بداية لتصعيد جديد.
ويشدد عريقات على أن الفلسطينيين يتطلعون إلى ما هو أبعد من المساعدات الإنسانية، وهو الاعتراف بحقوقهم السياسية.
ويرى عريقات أن التحول في المواقف الدولية يمثل فرصة تاريخية يجب استغلالها للضغط من أجل ترجمة هذه المواقف إلى إجراءات عملية على الأرض، مؤكداً أن الميدان هو الفيصل في حسم هذه المعركة.
تحفظات على بعض الجوانب الضمنية للإعلان
بدوره، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن إعلان قادة المملكة المتحدة وفرنسا وكندا، الذي يطالب بوقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يمثل خطوة إيجابية تحمل دلالات هامة، رغم تحفظاته شخصياً على بعض الجوانب الضمنية في هذا الإعلان.
ويشير سويلم إلى أن لهجة التصريحات وروحها تعكسان حالة متقدمة نسبياً مقارنة بالمواقف الدولية السابقة خلال فترة الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل في غزة، والتي لا تزال مستمرة بلا هوادة.
ويوضح سويلم أن هذا الموقف يعبر عن تقدم ملحوظ في الوعي الدولي، خاصة عند مقارنته بالصمت أو التغطية التي قدمتها هذه الدول سابقاً على المذابح الإسرائيلية.
ويؤكد سويلم أن هذا الإعلان يعكس حالة إيجابية، حيث يمثل ضغطاً متزايداً على حكومة الاحتلال التي تواصل جرائمها.
ومع ذلك، يعبر سويلم عن تخفظه واستيائه من الربط الضمني في التصريحات بين وقف إسرائيل لاعتداءاتها والاعتراف المحتمل بالدولة الفلسطينية.
ويعتبر سويلم أن هذا الربط يحمل طابعاً سلبياً، لأنه يوحي بأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية مشروط بتوقف إسرائيل عن هجماتها، حتى لو كان هذا التوقف مؤقتاً أو خادعاً.
الاعتراف بالدولة الفلسطينية مسألة مبدئية
ويقول سويلم: “الاعتراف بالدولة الفلسطينية هو مسألة مبدئية لا يجوز ربطها بالممارسات الإسرائيلية، سواء توقفت هذه المذابح أم استمرت، هذا الربط يمثل سقطة إعلامية وسياسية غير موفقة على الإطلاق”.
ويشير سويلم إلى أن هذا الموقف، رغم تحفظاته عليه، يظل إيجابياً في مجمله، ويمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، خاصة أنه يأتي في سياق ضغط شعبي متصاعد في هذه الدول.
ويوضح سويلم أن الحراك الشعبي في بريطانيا وفرنسا وكندا لعبت دوراً كبيراً في دفع قادة هذه الدول لرفع وتيرة احتجاجاتهم ضد الممارسات الإسرائيلية.
ويشير سويلم إلى أن هذا الحراك بدأ ينقل القضية الفلسطينية من الإطار الإنساني إلى الإطار السياسي، مما قد يمهد الطريق لمواقف أكثر جرأة، مثل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وإن كان ذلك بشكل جزئي.
ويؤكد سويلم أن حدود “مكاسرة” هذه الدول لإسرائيل ستظل محدودة، نظراً لتاريخها الطويل في دعم الاحتلال أو التغطية على جرائمه، سواء من الزاوية الإنسانية أو السياسية.
ويوضح سويلم أن هذه الدول، كجزء من المعسكر الغربي، لم تتخذ مواقف حقيقية حاسمة طوال فترة الإبادة، بل ساهمت بشكل أو بآخر في تغطية هذه الجرائم.
ومع ذلك، يشير سويلم إلى أن الوضع المأساوي في قطاع غزة، والصور المروعة التي تنقلها وسائل الإعلام، إلى جانب تصاعد الاحتجاجات الشعبية في هذه الدول، بدأت تدفع قادتها لتغيير لهجتهم، وإن بشكل تدريجي وبطيء.
فرصة يجب استغلالها لتعزيز الضغط الدولي
ويرى سويلم أن مستوى هذه المكاسرة يعتمد على عاملين رئيسيين: الأول هو استمرار الأوضاع المأساوية في غزة وتأثير الصور الإعلامية التي تنقل هول الجرائم الإسرائيلية، والثاني هو تصاعد الحراك الشعبي والاحتجاجات في هذه الدول، التي بدورها تحرك المواقف السياسية للقيادات.
ويعتقد سويلم أن هذه الدول، رغم إعلاناتها، تبحث عن مخرج يجنبها الاضطرار إلى تصعيد مواقفها ضد إسرائيل بشكل جذري، نظراً لانتمائها إلى المعسكر الغربي الذي قدم دعماً تاريخياً للاحتلال.
ويشدد سويلم على أهمية مراقبة هذه المواقف الدولية لمعرفة ما إذا كانت سترتقي إلى مستوى الضغط الحقيقي على حكومة الائتلاف “الفاشي” في إسرائيل.
ويشير سويلم إلى أن هذه التصريحات، رغم محدوديتها، تمثل فرصة يجب استغلالها لتعزيز الضغط الدولي، خاصة من خلال الحراك الشعبي والمدني الذي يمكن أن يدفع نحو مواقف أكثر حسماً.
ويؤكد سويلم أن هذا التحول التدريجي في المواقف الدولية لا يقلل من أهمية تسجيله كخطوة إيجابية، لكن سويلم يدعو إلى عدم الاكتفاء بالنقاشات النظرية، بل العمل على ترجمة هذه المواقف إلى إجراءات عملية.
ويعتبر سويلم أن التحدي الأكبر يتمثل في كيفية استغلال هذا التحول في المواقف الدولية لدفع عجلة العدالة الدولية، وفرض ضغوط حقيقية على إسرائيل لوقف إبادتها وتحقيق الحقوق الفلسطينية السياسية.
تحول نوعي في المواقف الأوروبية تجاه الصراع
من جهته، يقول الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش إن البيان المشترك الصادر عن قادة بريطانيا وفرنسا وكندا، والذي يطالب إسرائيل بوقف حربها على قطاع غزة ورفع القيود عن المساعدات الإنسانية، يمثل تحولاً نوعياً في المواقف الأوروبية تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
ويشير هواش إلى أن هذا البيان، الذي لوح باتخاذ إجراءات ملموسة ضد إسرائيل، يعكس لهجة أكثر وضوحاً وحزماً مقارنة بالمواقف السابقة التي كانت تتسم بالدعم المطلق لإسرائيل أو السكوت عن انتهاكاتها.
ويوضح هواش أن هذا التحول يأتي في ظل تزايد الضغوط الشعبية في الدول الغربية، حيث بات الرأي العام في بريطانيا وفرنسا وكندا يرفض بشكل متزايد ما يصفه بالحرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل في غزة، والتي تستخدم فيها الغذاء كسلاح للضغط على المدنيين، مما يتناقض مع المبادئ التي تدعي هذه الدول الدفاع عنها في إعلانات حقوق الإنسان.
ويؤكد هواش أن المذابح التي تُعرض على شاشات التلفاز أصبحت وصمة عار في جبين الدول التي تدعي الالتزام بحقوق الإنسان، مما دفع الرأي العام إلى تنظيم احتجاجات واسعة ضد استمرار الحرب وسياسات الحكومات الأوروبية والأمريكية الداعمة لها سابقاً.
حالة انقسام داخل المجتمع الإسرائيلي
ويشير هواش إلى تصريحات رئيس حزب الديمقراطيين في إسرائيل، يائير غولان، التي أكد فيها أن الحرب في غزة لم يعد لها أهداف عسكرية واضحة منذ يونيو/حزيران 2024، مشيراً إلى أن استمرارها يخدم فقط البقاء السياسي لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ويؤكد هواش أن هذا الرأي يعكس حالة الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث بدأت أصوات داخلية تعبر عن رفضها لاستمرار الصراع بلا أهداف استراتيجية واضحة.
ويشير هواش إلى وجود فجوة استراتيجية بين موقف الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، وبين موقف نتنياهو، موضحاً أن الإدارة الأمريكية الجديدة ترى أن مصالحها قد تتضرر إذا استمر الدعم المطلق لحكومة نتنياهو.
ويوضح هواش أن ترامب أعرب عن انزعاجه من استمرار الحرب، معتبراً أنها تتعارض مع المصالح الأمريكية الأوسع في المنطقة، خاصة مع العلاقات التي بناها مع الدول العربية.
ويؤكد هواش أن هذا التحول في الموقف الأمريكي شجّع الدول الأوروبية على تبني مواقف أكثر حزماً تجاه إسرائيل، بعد أن كانت دعواتها السابقة لوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات تُواجه بالتجاهل بسبب الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل.
التلويح بفرض عقوبات اقتصادية وتجارية على إسرائيل
ويرى هواش أن الضغوط الأوروبية، التي تشمل التلويح بفرض عقوبات اقتصادية وتجارية على إسرائيل، ليست مناكفة سياسية، بل تعكس مصالح الدول الغربية في المنطقة العربية، التي لا تقتصر على ضمان أمن إسرائيل فقط، بل تنظر تلك الدول إلى مصالحها.
ويوضح هواش أن الاقتصاد الإسرائيلي يعاني بالفعل من تداعيات الحرب، وأن أي عقوبات اقتصادية، مثل تعليق الاتفاقيات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، قد تُحدث ضرراً كبيراً.
ويرى هواش أن هذه الضغوط قد تدفع الحكومة الإسرائيلية إلى الاستجابة للمطالب الدولية بوقف الحرب وإنهاء استهداف المدنيين.
ويشير هواش إلى أن دعوة فرنسا السابقة للاعتراف بالدولة الفلسطينية شكلت أساساً لهذا التحول، الذي يهدف إلى تغيير المسار نحو حل سياسي يعالج جذور الصراع.
ويؤكد هواش أن استمرار الدعم الغربي المطلق لإسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية يؤدي إلى مشكلات عميقة تهدد استقرار المنطقة ومصالح الدول الغربية.
ويشير هواش إلى أن هذه الدول، بقوتها السياسية والاقتصادية، قادرة على التأثير على الموقف الأمريكي والإسرائيلي، مما يعزز فرص التوصل إلى حل سياسي ينهي الحرب ويضمن حقوق المدنيين في غزة.
دعوات محدودة التأثير سياسيًا
بدوره، يبدي الكاتب المصري والمحلل في الشؤون الإسرائيلية والدولية عصام أبو بكر ترحيبه الحذر بأي دعوة أو بيان يهدف إلى وقف حرب الإبادة التي تمارسها دولة الاحتلال الإسرائيلي ضد قطاع غزة، واصفًا إياها بأنها “حرب لا نظير لها في التاريخ”.
ومع ذلك، يشدد أبو بكر على أن هذه الدعوات، رغم أهميتها الإنسانية، تظل محدودة التأثير سياسيًا بسبب غياب آليات التنفيذ وضعف الضغط الدولي على إسرائيل لإجبارها على الامتثال.
ويشير أبو بكر إلى أن استمرار إسرائيل في حربها المدمرة على غزة يعود إلى “التخاذل الدولي”، وفي مقدمته “التخاذل العربي” الذي ترك الساحة الدولية خالية من أي تأثير عربي يذكر.
هذا الفراغ، حسب أبو بكر، سمح لدول أخرى بالتدخل لملء هذا الفراغ، في حين أن الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل – سياسيًا وعسكريًا وماديًا – عزز من شعور إسرائيل بأنها “دولة فوق القانون”.
ويوضح أبو بكر أن إسرائيل لا تعترف بالقانون الدولي ولا تولي أي اهتمام لدعوات المجتمع الدولي، مستشهدًا برد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على البيان الأخير، حيث وصفه بأنه “جائزة كبرى” تُمنح لحركة حماس، في إشارة إلى رفض إسرائيل الواضح لهذه الدعوات.
توقيت البيان يثير تساؤلات حول أسباب تأخره
ويؤكد أبو بكر أن الدعوات الأخيرة لوقف الحرب، التي أطلقتها بعض الدول الأوروبية، قد تكون مجرد “مكايدة سياسية” تهدف إلى الرد على الدور الأمريكي المتزايد في الوساطة بين روسيا وأوكرانيا.
ويشير أبو بكر إلى أن توقيت إصدار هذا البيان – بعد أكثر من عام ونصف من المجازر وحرب الإبادة والتجويع في غزة – يثير تساؤلات حول أسباب تأخره.
ويتساءل أبو بكر بالقول: “أين كانت هذه الدول طوال هذه المدة؟”، مشيرًا إلى أن البيان جاء بالتزامن مع إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن مكالمة هاتفية مطولة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إنهاء الحرب في أوكرانيا، وهي مكالمة وصفها بوتين بأنها “جيدة”.
ويشير أبو بكر إلى تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيمس ديفيد فانس التي أكدت أن المحادثات بين روسيا وأوكرانيا تسير بشكل جيد.
محاولة لاستعادة بعض النفوذ السياسي
ويرى أبو بكر أن هذه الدعوات قد تعكس شعور الدول الأوروبية بالتهميش من قبل الولايات المتحدة، التي تسيطر على قرارات إنهاء الحرب في أوكرانيا دون الاكتراث بمصالح الاتحاد الأوروبي.
ويوضح أبو بكر أن هذه الدول تشعر بـ”الخديعة” جراء تنحيتها رغم مشاركتها في دعم أوكرانيا، مما دفعها لإصدار مثل هذه البيانات كمحاولة لاستعادة بعض النفوذ السياسي.
ومع ذلك، يقلل أبو بكر من التفاؤل بشأن فعالية هذه الدعوات، مشيرًا إلى أن الدول الموقعة عليها لا تملك القدرة أو الرغبة في إجبار إسرائيل على وقف الحرب أو حتى السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة.
ويؤكد أبو بكر أن إسرائيل، بدعمها الأمريكي اللامحدود، تتعامل مع هذه الدعوات بازدراء، معتبرة أنها لا تملك أي قوة ملزمة.
ويعتبر أبو بكر أن مثل هذه الدعوات، رغم ترحيبه بها من منظور إنساني، تبقى بعيدة عن التنفيذ على أرض الواقع بسبب غياب الضغوط الدولية الكافية والآليات اللازمة لإرغام إسرائيل على الامتثال.
لغة حادة تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية
من جهته، يرى الباحث في الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية الدكتور محمد الطماوي أن البيان المشترك الصادر عن بريطانيا وفرنسا وكندا، والذي يطالب بوقف الحرب وإدخال المساعدات الإنسانية والتحرك العاجل لتجنب الوقوف مكتوفي الأيدي، يمثل تحولًا ملحوظًا في نبرة الخطاب السياسي الغربي تجاه إسرائيل.
ويوضح الطماوي أن هذا البيان، الذي اتسم بلغة حادة تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية، يعكس حالة من الضيق المتزايد في أوساط هذه الدول إزاء الأداء الإسرائيلي في إدارة الصراع، خاصة في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية وتراجع مبررات العمليات العسكرية أمام الرأي العام العالمي.
ويؤكد الطماوي أن هذه العواصم الغربية بدأت تتخلى تدريجيًا عن مواقفها الرمادية والتصريحات العامة، مفضلة استخدام لغة تحذيرية تعبر عن إدراك متزايد للكلفة السياسية والأخلاقية للصمت إزاء المشهد الدموي.
ويرى الطماوي أن هذا التحول يعكس ضغوطًا داخلية وخارجية متصاعدة تواجهها حكومات هذه الدول، حيث أصبحت الصورة المتدهورة للوضع الإنساني عبئًا على مصداقيتها أمام شعوبها والمجتمع الدولي.
ومع ذلك، يؤكد الطماوي أن هذا التصعيد اللفظي لا يزال ضمن حدود المكاسرة السياسية المحسوبة، إذ لم ترافق هذه التصريحات خطوات عملية مثل تعليق التعاون العسكري أو دعم الإجراءات القضائية الدولية ضد إسرائيل.
حسابات استراتيجية معقدة
ويوضح الطماوي أن هذا التحفظ ينبع من حسابات استراتيجية معقدة، حيث تخشى هذه الدول الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لإسرائيل، أو تحمل تكاليف استراتيجية قد تنجم عن قطع العلاقات أو فرض عقوبات.
ويشير الطماوي إلى أن بريطانيا وفرنسا وكندا، رغم تلميحها بإعادة تقييم مواقفها، لا تزال تتبنى سياسة “مسك العصا من المنتصف”، محافظةً على توازن دقيق يحول دون تصعيد جذري قد يعرض مصالحها للخطر.
ويؤكد الطماوي أن هذا التحول في اللهجة الغربية يشير إلى تصدع جزئي في جدار الدعم المطلق لإسرائيل، لكنه لم يبلغ بعد مرحلة التحدي الفعلي أو فرض تبعات سياسية ملموسة.
ويرى الطماوي أن الهدف الأساسي لهذه التصريحات يبقى تخفيف الضغوط الشعبية والحقوقية على الحكومات الغربية، مع تجنب أي قطيعة جذرية مع إسرائيل، مما يعكس نهجًا براغماتيًا يحافظ على المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد.





