الرئيسيةزواياأقلام واراءأوباما الواقعي ... بقلم : جوزيف س. ناي الابن

أوباما الواقعي … بقلم : جوزيف س. ناي الابن

فهرس56568

خطاب أوباما

عقيدة أوباما

مفاجأة أوباما

أوباما مقيداً

أوباما الجديد

منصة أوباما

مفتاح أوباما

أوباما مشغول

درس أوباما!

شكرا يا أوباما

كمبريدج-  في خطابه الذي ألقاه على الطلاب العسكريين الخريجين في الأكاديمية العسكرية الأميركية الشهر الماضي، قال الرئيس باراك أوباما إن بعض أكثر الأخطاء التي ارتكبتها أميركا تكلفة منذ الحرب العالمية الثانية لم تكن ناجمة عن ضبط النفس، بل كانت راجعة إلى “استعدادها للاندفاع إلى مغامرات عسكرية من دون التفكير في العواقب”. ورغم أن أوباما قد يكون محقاً، فإن هذا الخطاب لم ينجح إلا قليلاً في تهدئة مشاعر المنتقدين الذين اتهموه بالسلبية والضعف، وخاصة في ما يتعلق بسورية وأوكرانيا.
من الممكن أن نُرجِع هذا الإحباط جزئياً إلى التوقعات العالية إلى حد شديد المبالغة، والتي أطلقها أوباما في خطاباته المبكرة، حيث ألهم الناخبين بوعود عن التحول الهيكلي الشامل. وخلافاً لأغلب المرشحين، حافظ أوباما على هذا الخطاب التحويلي حتى بعد أن أمَّن له الفوز في حملة العام 2008. والواقع أن سلسلة من الخطابات في العام الأول من رئاسته رفعت التوقعات إلى مستويات أعلى، من خلال إنشاء هدف إخلاء العالم من الأسلحة النووية، والوعد بتجديد النهج الذي تتعامل به أميركا مع الشرق الأوسط، والتعهد “بتحويل مسار التاريخ في اتجاه العدالة”.
كثيراً ما يُقال إن الساسة الديمقراطيين يديرون حملاتهم شِعراً ويحكمون نثراً. لكنه ليس هناك من الأسباب ما قد يجعلنا نعتقد أن أوباما كان مخادعاً بشأن أهدافه. لكن رؤيته ببساطة لم تتمكن من الصمود في وجه العالم العصي المتمرد العسير الذي وجد نفسه في مواجهته؛ وبالتالي فقد اضطر إلى تعديل رؤيته. فبعد عام واحد في المنصب، تحول الرجل الذي وعد بزعامة تحويلية إلى زعيم “معاملات” واقعي بدرجة مفرطة. ورغم ما يقوله منتقدوه، فإن هذا كان تطوراً إيجابياً في حد ذاته.
ففي حين تعهد أوباما باستخدام القوة عندما تتعرض مصالح أميركا الحيوية للتهديد، ورغم رفضه كل التوقعات المتشائمة حول الانحدار الوطني، فقد اعتمد بشكل أكبر، على النقيض من سلفه جورج دبليو بوش، على الدبلوماسية وليس القوة. وهو ما جعل منتقديه يتهمونه بالفشل في تعزيز القيم الأميركية والتقهقر إلى الانعزالية.
لكن ضبط النفس ليس انعزالية. لم يتهم أحد الرئيس دوايت ايزنهاور بالانعزالية عندما تَقَبَّل وصول الحرب الكورية إلى طريق مسدود، أو عندما رفض التدخل في حصار قاعدة ديان بيان فو الفرنسية في فيتنام، أو عندما قاوم توصيات ضباط عسكريين كبار بشأن الجزر القريبة من تايوان، أو عندما راقب الجيش الأحمر وهو يغزو المجر ولم يحرك ساكنا، أو عندما رفض دعم الحلفاء في أزمة قناة السويس. وحتى أولئك الذين يذمون استجابة أوباما المحسوبة لضم الرئيس الروسي فلاديمير بوتن لشبه جزيرة القرم مؤخرا، لم يعتبروا بوش انعزالياً رغم استجابته الضعيفة لغزو بوتن لجورجيا في العام 2008.
الواقع أن استجابة أوباما للعدوان الروسي على أوكرانيا تعكس رؤيته بعيدة المدى. فرغم فوز بوتن بحيازة شبه جزيرة القرم، فقد خسر القدرة على الوصول إلى بعض الموارد التي يحتاج إليها لتحقيق استعادة مجد روسيا السابق كقوة عظمى -وكان سلوكه سبباً في إعادة تنشيط حلف شمال الأطلسي.
تتطلب صناعة السياسة الخارجية الفعّالة فهماً واضحا، ليس فقط للأنظمة الدولية والعابرة للحدود الوطنية، بل وأيضاً لتعقيدات السياسة المحلية في العديد من البلدان. وهي تتطلب أيضاً الاعتراف بضآلة ما هو معروف عن “بناء الدول”، وخاصة بعد الثورات -وهي العملية التي ينبغي لنا أن ننظر إليها في إطار عقود من الزمان وليس في بضع سنوات. ففي العام 1789، كان القليل من المراقبين في باريس ليتكهنوا بأن يتولى رجل من كورسيكا قيادة القوات الفرنسية إلى ضفاف النيل في غضون عشر سنوات. ولم تسفر التدخلات الأجنبية في الثورة الفرنسية إلا عن تأجيج نيران النزعة القومية.
في مثل هذا السياق المعقد الزاخر بالشكوك، تشكل الحكمة أهمية بالغة، والتحركات الجريئة القائمة على رؤى مهيبة متكلفة قد تكون بالغة الخطورة. وهذا هو ما ينساه أو يتناساه غالباً الداعون إلى تبني نهج أكثر قوة في التعامل مع ثورات اليوم في الشرق الأوسط.
بطبيعة الحال، من المنطقي أن يسعى قادة الولايات المتحدة إلى دفع الأحداث على الهوامش في محاولة لتعزيز قيم الديمقراطية في المدى البعيد. ولكن محاولة توجيه الثورات التي لا يفهمونها بشكل كامل خطأ جسيم، وقد يؤدي إلى عواقب سلبية خطيرة محتملة تلحق الأذى بالأطراف المعنية كافة.
في واقع الأمر، لم يكن رؤساء الولايات المتحدة الذين انتهجوا سياسة خارجية تحويلية في القرن العشرين أكثر فعالية أو أكثر أخلاقية. فقد أسهم رهان الرئيس وودرو ويلسون على معاهدة فرساي في العام 1919 في الانزلاق إلى حالة مأساوية من الانعزالية في ثلاثينيات القرن العشرين. كما انتهت رهانات جون ف. كينيدي وليندون جونسون في فيتنام إلى عواقب مدمرة، وما تزال بعض هذه العواقب محسوسة حتى يومنا هذا.
في وقت أقرب إلى الحاضر، حاول جورج دبليو بوش -الذي أعلن أنه لا يلعب “على نطاق صغير”- تحويل الشرق الأوسط بموجب “أجندة الحرية”. وبعد مرور أكثر من عقد من الزمان ما تزال الولايات المتحدة تناضل في محاولة الانسحاب من الصراعات التي أشعلها.
على النقيض من هذا، لم تفض أخطاء السياسة الخارجية التي ارتكبها أوباما إلا إلى تداعيات بسيطة. ومن المؤكد أن تحقيق نتائج متواضعة متراكمة أفضل من المجازفة بإفساد الأمر برمته بالفشل في تحقيق أهداف عظمى غير واقعية. ولا شك أن تحقيق انتصار مهيب أمر مثير، ولكن “النصر” في عالم السياسة الخارجية ليس بهذه البساطة والمباشرة -والمخاطر جسيمة.
لقد أدرك الرئيس جورج بوش الأب هذه الحقيقة. والواقع أنه كان زعيم معاملات واقعي النزعة، وقد أعلن أنه لا يمارس “مسألة الرؤية” هذه. ولكنه كمثل ايزنهاور، نجح في الإبحار بسفينة الولايات المتحدة عبر أزمات عديدة، وأشرف على واحدة من الفترات الأكثر نجاحاً في السياسة الخارجية الأميركية في نصف القرن الماضي.
بطبيعة الحال، كانت بعض الانتقادات التي توجهت إلى خطاب أوباما في محلها. ولكن الكثير منها كان مجرد سياسة حزبية. ولكي نكون إيجابيين، فإن المناقشة الدائرة حول سياسة أوباما الخارجية لا بد أن تضع في الحسبان تاريخ الولايات المتحدة في القرن العشرين.
في عالم السياسة الخارجية، كما هي الحال في عالم الطب، يتعين على الزعماء أن يحرصوا أولاً على “عدم إحداث المزيد من الضرر”. وأوباما يفهم هذا. ولا نملك الآن إلا أن نأمل بأن لا تكون الانتقادات الجاهلة الشرسة لسياسة أوباما الواقعية العملية سبباً في دفع خليفته إلى الارتداد إلى نهج تحويلي محفوف بالمخاطر.

*أستاذ بجامعة هارفارد، ومؤلف كتاب “الزعامة الرئاسية وخلق العصر الأميركي”.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”، 2014.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب