ربما لا يكون هذا الموضوع هو الأهم في حياتنا الفلسطينية إذ ليس من السهل اختيار هكذا عنوان خاصة لما يحمله من تعبيرٍ ضمنيٍ بأن الكآبة باتت واقعاً وحقيقة لا مفر منها بالنسبة للبعض.
فالعيش تحت نير الاحتلال وانسداد الأفق السياسي وسواد الانقسام وإصرار إسرائيل على بطشها وسرقتها المستمرة للأرض إنما يؤشر على حالٍ ما بعده حال وربما يقنع البعض بأننا بالفعل شعبٌ كئيب.
ولعل الدافع الكامن وراء مقالٍ من هذا النوع يستند إلى حالة العدمية السائدة في مجتمعنا حتى لو كان هناك ما يدعو للتفاؤل. فلسان الحال في المجالس العامة والخاصة بات ممعناً في الحديث عن سلبيات الأمور وما تتضمنه مجريات الحياة من بؤسٍ وحزنٍ وتعاسة.
حتى كلماتنا في توصيف الأمور بما فيها ما لامس عالم الطرفة والظرافة لا يخلو من مفردات “السلخ” و “العكم” و “اللطش” وغيرها من تعبيراتنا الفلسطينينة البسيطة التي نشعر بأنها تعبر بموسيقى تصويرية كلامية عما يدور من حولنا.
نحن لسنا شعباً كئيباً أو بائساً أو فظاً حتى ولو اختار لنا الاحتلال حالاً كالتي نعيش من البطش والحصار وشح الحال.
يقول البعض إن عدميتنا تستند إلى طموحنا وسقف توقعاتنا وربما تكون السر السحري وراء الإصرار على ما هو أفضل والانتقاد إلى حد جلد الذات والشكوى من كل ما هو حولنا.
الفلسطينيون شعبٌ نابضٌ بالحياة والإصرار يمتلك حباً غير مسبوق للفكاهة والطرفة وخفة الروح حتى في أتعس أحواله لا لأنه لا يملك حساً بالحياة ويسعى لتجميلها بل لأنه اختبر النكبات والنكسات والحروب فاعتاد السمو على أحزانه واتراحه.
يقول البعض إن الخليل وحدها مثلاً تنتج من النكات أضعاف ما تنتجه دولٌ بأسرها ويقال إن غزة هي الأكثر كثافة في إنتاج “الاسكتشات” التلفزية الفكاهية الظريفة.
الفلسطينيون بالتأكيد يحملون هماً كبيراً في صدورهم وقلوبهم، وجرحاً غائراً في وجدانهم لكنهم لم يتنازلوا عن الحياة وعن الهوية وعن الوطن. ولو كانت الكآبة عنوانهم لما حافظوا على صمودهم النوعي وحضورهم الخبراتي المتميز حول العالم.
نعم الاحتلال مصدر التعاسة المزمنة لكنه أيضاً وبفعلِ تنكيله خلق حافزاً غير مسبوق من العناد والثبات لدى الفلسطينيين وباتت مقارعته بحكم المسلم. لكن العامل الرئيس في حزن الفلسطينيين اليوم ليس من فعل الاحتلال وإن كان هذا البعد ليس محل استهانة إطلاقاً بل هو بفعل سواد الانقسام الذي أدى لظواهر لم نعتدها من الهجرة الانتحارية الفاشلة لابنائنا عبر البحر والني انتهت بمأساوية كبيرة.
الشعب الفلسطيني يبحث عن الانتصار على الاحتلال لكنه ينتظر الإنجاز الأهم بالانتصار على تفسخ الوطن وجشع البعض.
الفلسطيني مبدع وخلاق ومغامر ومكابر ولديه في مجتمعه اليافع أبناءٌ يدفقون بالحيوية والوطنية والعزة والشكيمة. شبابٌ يفلح في الأدب والعلم والثقافة والتكنولوجيا وعالم الاتصال والريادة. لكنه ما من شك يبحث عن خلاصه وانعتاقه من المحتل الذي يعتبر دحره أهم النتائج.
يقول د. مصطفى السباعي في كتابه “هكذا علمتني الحياة”: إذا وقعت في أزمة مستحكمة، فاجعل فكرك في مفاتيحها لا في قضبانها!! ويضيف: الآلام طريق الخلود لكبار العزائم وطريق الخمول لصغارها.. فهل نحن من أهل العزائم أم الخمول؟