الرئيسيةزواياأقلام واراءالقمة الخليجية أمام “الانعطاف” عربياً...بقلم:رغيد الصلح

القمة الخليجية أمام “الانعطاف” عربياً…بقلم:رغيد الصلح

فهرسكثيراً ما يشكو زعماء دوليون من السأم إبان مشاركتهم في بعض القمم الدولية والإقليمية التي تتم في أجواء هادئة وعادية . وفي مثل هذه الأجواء تبذل الجهات التي تحضر القمة جهداً كبيراً من أجل تسليط الأضواء على الظروف “الاستثنائية” التي تنعقد القمة فيها أملاً بإثارة اهتمام الإعلام العالمي بها . ولكن من المؤكد إن الذين تولوا التحضير للقمة الخليجية لم يكونوا في حاجة إلى بذل مجهود كبير لإبراز أهمية القمة التي تنعقد في قطر . يكفي المرء أن يمر بسرعة على التحديات التي تواجهها دول الخليج ومعها الدول العربية حتى يرى أنها قمة مهمة .

التحدي الأبرز هو بالطبع، كما يراه أصحاب قرار ورأي في الخليج، التحدي الناشئ عن التغيير في السياسة الأمريكية تجاه الخليج، وهو يتبلور على ثلاثة صعد .

الصعيد الأول هو سياسة “الانعطاف” التي تتبعها واشنطن . تبرز هذه السياسة كأنها بمثابة التخلي عن الالتزام الأمريكي بأمن الخليج وبالأوضاع الراهنة فيه . إن المسؤولين الأمريكيين يؤكدون أن القوات الأمريكية الموجودة في الخليج لن تغادره . ولكن هذه التطمينات لا تكفي في ظل تقارير عن تراجع قدرات الأسطول الخامس الأمريكي في الخليج بسبب تخفيض ميزانية الدفاع الأمريكي . فضلاً عن ذلك فإنه من المؤكد أن سياسة الانعطاف سوف تؤثر في قدرة الولايات المتحدة على خوض حروب متعددة في وقت واحد، وبالتالي على قدرتها على حماية أمن الخليج في الأزمات العصيبة .

ويضاعف الآثار السلبية لهذه السياسة تزامنها مع مفاوضات 5+1 التي تجري مع إيران . وإذ جرى ترتيب هذه المفاوضات سراً عن دول الخليج، فإنها أضافت “إهانة إلى الجرح”، كما يقول مثل إنجليزي . وهذا الإجراء له مفاعيل سياسية سلبية على الصعيدين الإقليمي والدولي لا تخفى عن الزعماء الخليجيين .

أما على الصعيد الثاني، فإنه يتصل بتحول الولايات المتحدة إلى مصدر للنفط بدلاً من وضعها الراهن كمستورد

له . فالكثير من الدراسات والتقارير تؤكد أن تحول الولايات المتحدة إلى دولة مصدرة للنفط لن يترك آثاراً سريعة ومباشرة على دول الخليج . يعود ذلك إلى نمو الطلب على النفط في الأسواق الآسيوية . إلا أن هذا لا يقلل من أثر تراجع الاعتماد الأمريكي على النفط العربي . فإذا كان هذا الاعتماد حافزًا أساسياً للدفاع عن الوضع الراهن الخليجي، فإن تراجع هذا الحافز سوف يؤدي إلى تراجع مواز في اهتمام واشنطن بأمن الخليج .

على الصعيد الثالث، تنقلب موجة التفاؤل الكبيرة التي تركها نجاح الجمهوريين في الانتخابات الفرعية بين الذين يعولون على استمرار مفعول قانون كارتر إلى إحباط . السبب في ذلك هو صعود التيار الانعزالي بين الجمهوريين الأمريكيين . هذا الصعود يلغي إلى حد بعيد مفاعيل نجاحهم الانتخابي الأخير وآثاره المتوقعة على السياسة الأمريكية تجاه الأمن الخليجي .

إن التحدي الإسرائيلي موجود دائماً ولكن قد تشكل هذه الاستمرارية سبباً للاعتقاد بأنه ليس هناك من مبرر لتصنيفه كخطر ملح . ولكنه بات خطراً ملحاً لعدد من الأسباب، منها أن خيار الدولة الفلسطينية قد انتهى عملياً، ولأن قضية المسجد الأقصى قد تنفجر مع صعود المتطرفين الدينيين والمستوطنين في السياسة الإسرائيلية، وأنه إذا حدث مثل هذا الانفجار، فإن دول مجلس التعاون التي تؤكد هويتها الإسلامية، لن تكون بمنجى عن تفاعلات هذا الحدث .

التحدي الإيراني هو الأقوى حضوراً في الخليج اليوم . الزعماء الإيرانيون يرونه أو يرغبون في إظهاره كحضور صديق للعرب . ولكن في دول الخليج وغيرها من الدول العربية هناك نظرة مختلفة . هناك انطباع بأن النخبة الحاكمة في طهران تعامل المنطقة العربية، خاصة في ظروف الاضطراب التي تعانيها المنطقة، كأنها مدى حيوي hinterland لإيران، ومنطقة نفوذ تابعة لها . وتبرز في هذه السياسات أحياناً علامات الحنين إلى دور شرطي الخليج الذي احتلته إيران قبل إعلان قانون كارتر . إن إيران كانت وسوف تبقى قوة إقليمية مهمة، ولكن سعيها إلى تبوؤ دور القوة المهيمنة يحول إيران من صديق محتمل، إلى تحد سلبي في الخليج العربي وفي المنطقة العربية عموماً . أما الديناميكية الفائقة والصعود السريع لإيران فإنهما يحولان نشاطها في المنطقة من خانة التحديات البعيدة المدى إلى خانة التحديات الملحة والداهمة ومباشرة بالنسبة إلى دول الخليج .

علاوة على هذه التحديات الثلاثة، فإن الإرهاب الدولي يمثل التحدي الرابع المباشر والداهم . وهو خطر خارجي لأنه يبدو كظاهرة مدولة نظراً للكم المتزايد من الأفراد المنضمين إليه من خارج المنطقة وطالماً أنه يمثل ظاهرة عابرة للأقطار لا العربية فحسب وإنما الأجنبية أيضاً . ولا يترك التوسع السريع للأراضي التي يسيطر عليها “داعش” والتي تبلغ مساحتها ما بين 13000 و56000 ألف كلم . مربع (موقع رادار 1914) وعدد سكانها 10 ملايين نسمة بحسب أرقام أولوية، لا يترك مجالا للشك بأن الإرهاب الدولي يمثل خطراً داهماً ومباشراً على دول المشرق العربي .

كل واحد من هذه يشكل خطراً على منطقة الخليج، فكيف لو تزامنت هذه الأخطار؟ وكيف يكون الرد عليها؟ هناك مقترحات ومشاريع ومبادرات متعددة . المشروع الأصح هو العربي التوجه . إنه يتلخص في توجه مجلس التعاون الخليجي صوب المنطقة العربية والسعي إلى إنهاض النظام الإقليمي العربي . إن النظام الدولي أو الإقليمي يتعاون مع الأنظمة الإقليمية الفرعية على أساس الجمع بين المشروعية والقدرة . إن مزيج المشروعية والقدرة يمثل عنصراً مهماً من عناصر الرد على التحديات الداهمة والمباشرة التي تواجه المنطقة العربية . كان لهذا المزيج أثره في العديد من المعارك والمجابهات التي جرت في أماكن كثيرة في العالم . وهو اليوم يحقق نتائج ملحوظة في القارة الإفريقية . فهنا تمد هيئة الأمم المتحدة منظمات إقليمية فرعية بالشرعية الأممية مقابل توفير المنظمات الإقليمية القدرات الميدانية .

وبالإمكان الاستفادة في المنطقة العربية من هذه التجارب . ورغم ما تعانيه جامعة الدول العربية من تراجع، فإنها لم تفقد أهميتها كجهة قادرة على إسباغ المشروعية على التحديات التي مست أمن المنطقة وأمن دولها . ولكن هذه المشروعية بحاجة إلى الاقتران بالقدرة . وتتوفر الآن فرصة أمام مجلس التعاون لتحقيق هذا التزاوج بين العنصرين شرط أن يعتبر نفسه معنياً بصورة خاصة بمسألة تطوير وتعميق النظام الإقليمي العربي .

إن الفوائد المتأتية من هذا النهج ستكون لها الآثار المباشرة في أمن الخليج والأمن العربي عموماً، وسوف لا تنحصر آثاره الإيجابية في هذا المجال وفي المدى القريب فحسب، وإنما ستكون له الآثار الايجابية البعيدة المدى على مستقبل الخليج والمنطقة العربية . ومن الأرجح أنه في ظل هذه النتائج والآثار سوف يتحول الانكفاء الأمريكي الخليجي من حدث يثير الاكتئاب، إلى مدخل لفصل مشرق في مستقبل المنطقة.

الحياة اللندنية

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب