كان من الممكن لعالم النفس العربي د . مصطفى حجازي أو أي زميل له أن يضيف إلى كتابه عن سايكولوجيا المقهورين والمهدورين كتاباً ثالثاً عن الزجر، لأن القهر والهدر في نهاية المطاف نتاج تربويات تتأسس على الزجر، والوأد النفسي الذي قد يكون أنكى من الوأد الجسدي .
ما يقوله د . حجازي هو أن المقهورين يصابون بنوبات من العمى، كما أن تفكيرهم يتسم بآفة الاختزال التي تحذف من الكائن سواء كان رجلاً أو امرأة أهم أبعاده وهو البعد الآدمي، وما أعنيه بالزجر ليس المعنى المتداول لهذه الكلمة في المجال التربوي التقليدي، بل ما هو أبعد وأشمل من ذلك، فالزجر هو بشكل أو بآخر حجر على العقل، وتكبيل له بحيث يتوقف عن النمو عند طور ما، وتنوب عنه أعراف وتقاليد لأنه مجرد صدى لها ولتعاليمها، حتى لو كانت تستمد شرعيتها من التكرار فقط .
إن ثالوث القهر والهدر والزجر هو ما ينتج الآفات الاجتماعية والنفسية كلها، وبالتالي هو سبب انعكاساتها على الحياة السياسية، فالدراسات النفسية التي تتناول ظواهر كالطغيان والاستبداد والاحتكار تعود إلى الجذور وحين تتناول الطاغية تسلط الإضاءة على طفولته ومراهقته وظروف نشأته ونوعية أقرانه لأن هذا يفسر جوانب غامضة في تكوين الطغاة، وميلهم إلى العنف والسادية .
والمكتبة العربية تشكو من نقص ملحوظ في هذا المجال، وما يرجع إليه في مناسبات ذات صلة بالعنف هو دراسات مترجمة .
وقد يكون السبب في ذلك ضعف الوعي السائد إزاء منجزات علم النفس، لهذا فإن نسبة من يترددون على العيادات النفسية ضئيلة جداً وكأن من يحتاج إلى مراجعة أخصائي نفسي هو شخص شاذ أو يعاني الجنون، مما يفرض على أصحاب الشأن في هذا المجال أن يمارسوا تثقيفاً يحرر الناس من اعتقاداتهم الخاطئة حول كل ما له صلة بالأمراض النفسية .
والكتابان اللذان أشرت إليهما من تأليف د . حجازي يعالجان ظاهرة القهر والهدر في مجتمعات يعصف التخلف بكل إمكاناتها، فالوأد يتعرض له العقل أيضاً، حين تصبح الأسئلة محظورة، وتقدم للأطفال إجابات يقينية معلبة يظن صانعوها أنها تصلح لكل أوان وهي في الحقيقة لا تصلح لأي زمان أو مكان لأنها مجردة وبلا أية أسس منهجية أو علمية .





