أقلام واراءزوايا

المشكلة أميركية…بقلم:جميل مطر

images

سمعت من بعض أهل واشنطن أن الأجواء فيها بدأت تسخن استعداداً لحملة انتخابات الرئاسة، وأن عناصر التسخين تتصدّرها هذه المرة قضية الحرب الأميركية ضد العراق ومسؤولية التقصير فيها وظروف شنّها ودورها في تصعيد الدعوة لإجراء إصلاح شامل في بنية ومنظومة أخلاق المؤسسة العسكرية الأميركية.
لم تتوقّف حرب العراق عن إثارة المشكلات الداخلية في الولايات المتحدة، كما أنها لم تتوقف منذ نشوبها عن إثارة الأزمات وحالات الفوضى في الشرق الأوسط. يبرر الخبراء الضجة المثارة حالياً في أميركا حول حرب العراق بعامل أو أكثر من العوامل التالية: هناك أولاً إعلان جيب بوش عن عزمه النزول إلى ساحة الحملة الانتخابية لمنصب رئاسة الجمهورية الذي احتله شقيقه جورج دبليو، وهو الرجل الذي أشعل النار في الشرق الأوسط، وتركها مشتعلة، وفشل من جاء بعده في إطفائها.
هناك ثانياً صحوة «المحافظين الجدد». هذه النخبة من الشخصيات المؤثرة في عملية صنع السياسة الأميركية وبعض النافذين في أجهزة وزارة الدفاع والحزب الجمهوري ووسائط الإعلام، التي لعبت الدور الأعظم في الترتيب لشن حرب ضد العراق وتغيير معالم الدولة العراقية، تشعر بأن الواجب الوطني يستدعي التدخل فوراً لوقف تدهور المكانة الأميركية في الساحة الدولية، بسبب سياسات ابتدعها الرئيس باراك أوباما، وموقفه الرافض لعودة القوات المسلحة الأميركية للتدخل في النزاعات الخارجية.
هناك ثالثاً، الطلب الذي تقدّم به الرئيس باراك أوباما إلى الكونغرس لمنحه تفويضاً مفتوحاً لتتدخل أميركا في نزاع خارجي من دون العودة للسلطة التشريعية، هذا الطلب أعاد فتح ملفات قضايا حرب العراق واحتمالات تجددها في حال صدر التفويض. كثيرون في واشنطن يؤيدون منحه التفويض، لأنه من دون الحصول عليه، يستطيع الرئيس الأميركي إنكار مسؤوليته عما يحدث حالياً في العراق وخارجه، وبالحصول عليه يصير من حق الكونغرس التحكم في التدخل وأبعاده.
هناك رابعاً هذا التدهور الشنيع في أحوال الشرق الأوسط واختفاء أي بصيص للأمل في إمكان الخروج من هذه الورطة بسلام ومن دون تهديد خطير للسلام الإقليمي والدولي. يصف باتريك بيوكانان أحد الزعماء المخضرمين للتيار المحافظ في واشنطن الحال الراهنة في الشرق الأوسط بقوله إنه صار أقرب ما يكون إلى ثلة دول فاشلة. أضف إلى هذا المزاج المتشائم والمتصاعد في واشنطن واقع أن السياسة الأميركية الراهنة في التعامل مع الأزمة السورية سياسة متخبّطة إن لم تكن رديئة، وأن التوتر الإقليمي يتوسّع ليغطي دولاً في الشرق الأوسط كان الظن أنّها أفلتت من تأثير تطورات «الربيع العربي»، وأن عدداً متزايداً من دول الإقليم عاتب على المسار الذي قرر أن يسلكه الرئيس أوباما. هذه الأمور لعبت دوراً هاماً في تنشيط ذكريات حرب العراق، وجميعها من دون استثناء سلبية وسيئة.
من بين أصداء هذه الذكريات الدرس الذي تلقته أميركا نتيجة محاولاتها في الماضي القريب تشجيع الشعوب على التخلص من حكامها المستبدّين. تعرف واشنطن الآن أن هذه السياسة كلفت أميركا ومناطق أخرى في العالم ثمناً باهظاً مازالت أطراف عديدة تدفعه. كذلك تأكدت واشنطن، أو ربما شعرت أخيراً، أنه لا يمكن ضمان أن يبقى التدخل العسكري محدوداً في الزمان والمكان، كذلك لا يمكن ضمان أن يبقى التدخل السياسي بتغيير الأنظمة السياسية محدوداً في هدفه المعلن أو في مكانه المحدد. وقد ألمح بعض من تحدثت إليهم من المتخصصين الأميركيين إلى أن أميركا صارت تتردد في الدعوة أو العمل على إزاحة نظام الحكم في بيونغ يانغ، لأنها لم تعد واثقة من أن آثار هذه الإزاحة ستبقى محدودة أو محكومة.
كثيرة هي التطورات التي يمكن أن تتسبب فيها سخونة الأجواء السياسية في العاصمة الأميركية. لا ننسى أن أوباما أحدث «تغييراً» ولا أقول ثورة في نمط العمل السياسي الأميركي، على الأقل بالنسبة لدور أميركا في الخارج كالتخلي مثلاً عن التمسك بمبدأ العداوات الدائمة والصداقات الدائمة، المؤكد أيضاً أنه أضعف إلى حد ملموس نفوذ بعض القوى الداخلية المستفيدة من التمسك بهذا المبدأ في السياسة الخارجية الأميركية.
من ناحية أخرى، يمكن أن نتوقع مزيداً من النقاش الحامي الوطيس حول أحد أهم مقدسات السياسة الأميركية، وأقصد الجيش الأميركي، أو ما يفضل الكثيرون تسميته بالمؤسسة العسكرية الأميركية. هناك من دون شك، ومنذ بدء الانسحاب العسكري الأميركي من العراق، لهجة ساخنة في الكتابات والخطابات الناقدة للسلوك العسكري الأميركي. سواء على صعيد الاستراتيجية والتكتيك أم على مستوى القيادة والإدارة أم على جانب الفساد بخاصة ومنظومة الأخلاق بصفة عامة. لا أعتقد أن هذا الانتقاد أو هذا الحوار الساخن يمكن أن يتدهور إلى حدود تمسّ بالضرر الشديد سمعة هذه المؤسسة أو تقلل كثيراً من شأنها بين غيرها من «قيم الوطنية»، ولكنّي واثق تماماً من أن تيار الاحتجاج الذي يضمّ رتباً متوسطة من الضباط سوف يزداد قوة ونفوذاً، وقد يفلح وإن بطريق غير مباشر في فرض إصلاح جذري للمؤسسة العسكرية الأميركية.
يحكي ويليام ليند، أحد المتخصصين في الشؤون العسكرية الأميركية عن عدم الرضاء بين الضباط على الجنرالات الكبار. يركز على ظواهر خطيرة منها على سبيل المثال ما صار يطلق عليه «مؤسسة الكذب». في رأي ليند، ورأي نقاد آخرين مثلاً ليونارد وونغ وستيفن غيراس في كتابهما «الكذب على أنفسنا»، الضباط في الجيش الأميركي يكذبون طول الوقت على أنفسهم وعلى «الدولة». هؤلاء النقاد يرجعون الأسباب إلى الضغط الشديد الذي تمارسه الأوامر والتوجيهات المفروضة على وحدات الجيش وقادتها الميدانيين، من قيادات أعلى لا تقبل أعذاراً أو شكاوى وفي الغالب لا تعرف ما فيه الكفاية عن حقيقة الوضع في الميدان. في الوقت نفسه، يتهرّب الجنرالات الكبار من قول الحقيقة عند انكشاف الخطأ أو التقصير فيلجأون إلى الكذب لحماية أنفسهم ومستقبلهم العسكري. الخلاصة أن الكل يكذب، وعلى المستويات كافة. والمثال البارز على ذلك هو أن أحداً في المؤسسة العسكرية الأميركية لم يعترف مرة واحدة أن الجيش الأميركي خرج منهزماً من حربين متتاليتين، كلفتا الأمة الأميركية آلاف القتلى وتريليونات الدولارات.
وصل مؤخراً الانتقاد للجنرالات إلى حد القول إن الحرب الوحيدة التي يجيدها جنرالات الجيش الأميركي ولا يخرجون منها خاسرين أبداً هي «حرب الميزانية»، أي الحرب السياسية التي يخوضونها في دهاليز وزارة الدفاع والكونغرس للحصول على أكبر مخصصات مالية وأفضل امتيازات ممكنة للقوات المسلحة. لقد فاجأتني شخصياً إشارة وردت في مقال لأحد المتخصصين في الشؤون العسكرية عن المبالغ الباهظة التي يخصصها الجيش الأميركي، ووزارة الدفاع بشكل خاص، للإنفاق على الحملات الانتخابية لمرشحين لمجلس النواب والشيوخ. لم أكن أعرف وأنا المطلع على كثير من تفاصيل عمل النظام السياسي الأميركي حقيقة أن هناك «فساداً» مبرمجاً تحت عناوين أخرى تقوم عليه العلاقة بين جنرالات الجيش ورجال السياسة والبيروقراطية الأميركية. الجيش يدفع للنواب والشيوخ ليكونوا كرماء مع المؤسسة العسكرية عند مناقشة ميزانية الدفاع، والنواب والشيوخ يتغاضون عن مخالفات جسيمة يرتكبها الجنرالات في الإنفاق والأداء العسكري من أجل شراكة أو وساطة في صفقات سلاح. أتصور فعلاً مدى أهمية هذا الدور الذي لا شك في أنه يتطلب مهارة خاصة وتدريباً طويلاً للقادة العسكريين، لعله أهم من قدراتهم وكفاءتهم في التخطيط العسكري وقيادة المعارك.
لن تمرّ مرور الكرام هزيمتا أميركا في العراق وأفغانستان، ولن تهدأ الأصوات التي تطالب بتغيير ولو متدرج في الإصلاح العسكري. صعب أن نتصور أن يبقى النظام الأميركي عاجزاً عن إصلاح نفسه بنفسه ومن داخله، بينما تتضح يوماً بعد يوم مظاهر جديدة للخلل في التوازن بين مؤسساته. إن استمرار انكشاف صعوبات لحل المشكلات الجوهرية وعلاج النقائص الأساسية في مسيرة الولايات المتحدة، ومنها هزائمها العسكرية الأخيرة وتفاقم حال اللامساواة وانفجارات التفرقة العنصرية سبب كافٍ لإثارة نقاش طويل حول مستقبل السياسة الأميركية في الداخل وفي الخارج. وقد تدفع للتبكير به سخونة أجواء الحملة الانتخابية للرئاسة الأميركية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق